تعتبر مواضيع التغيير الديمغرافي التي تحدث اليوم في كل من بلاد إيران والعراق وسوريا ولبنان وأفغانستان وحتى باكستان من المواضيع التي خرجت من رحم السياسة الأمريكية الجديدة للمنطقة، حيث كانت السياسة الاستعمارية الأوربية قبل مئة سنة من اليوم قائمة على خلق دويلات صغيرة مستقرة داخلياً وإن كانت متنوعة الأعراق والأديان، ذات أنظمة سياسية موالية للاستعمار تسهل على صانعيها نهب ثرواتها واستغلال شعبها، أو ما كان يعرف سابقاً بـ«البحث عن الأسواق والموارد».

هذه السياسة نابعة من رحم تجربة الصراعات الأوربية القومية قبيل الثورة الصناعية الكبرى، والتي انتهت بتكوين الدول الأوربية المعاصرة، وبرغم الاختلاف العرقي والديني الذي نشاهده في تلك الدول إلا إن نظامها المجتمعي قائم على الحرية الفردية والفكرية. وهذه هي الفكرة التي قام عليها تأسيس الدولة العراقية على حد وصف جيرترود بيل في كتابها «العرب في وادي الرافدين»، تقول: «العراق لم يكن أمة يوماً، العراق - بشكله اليوم - ككيان سياسي هو اختراع إنجليزي... والعروبة كانت جزءاً أساسياً في صيغة الدولة العراقية بين 1920-2003م، فكرة الدولة العراقية بنيت على ما أسماه الإنجليز عروبة وادي الرافدين لدمج إثنياته المختلفة في كيان مركزي واحد».

بينما كان الأساس الذي قامت عليه إستراتيجية السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية نابعة من أصل التفرقة العنصرية لثقافة رجل البقر الأمريكي والتي شبعت بحروب الإبادة التي طالت السكان الأصليين للقارة الأمريكية، وحروب الاستعباد للأفارقة السود، وثوراتهم التحررية من داخل المجتمع الأمريكي الاستعلائي والقائم على نظرية أفضلية الجنس الأبيض على العالم.

لذلك يرى أقطاب الفكر الأوربي، الذين أسهموا في تشكيل خريطة الشرق الأوسط قبل مئة عام، أن الأمريكان أنهوا هذه الصيغة الإنجليزية للدولة العراقية، وها نحن نرى العراق الآن يتحلل إلى دويلات تتوافق مع شكله الإثني، تلك الحقيقة التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية أن تخفيها عن شعبها وأعراقه في كيفية تشكل دولتهم المعاصرة، وتصدير هذه المخاوف نحو بلدان الشرق المسلم.

وفي نظرة لمشكلة التغيير الديمغرافي الحاصلة في العراق، يبدو لنا أنها مسألة صراع مع الزمن في إطار خطة تروم تقسيم البلد، وهي معلومة لدى الطرف الشيعي دون الطرف السني، على غرار ما حدث في الانفصال الباكستاني والبنغلاديشي عن الهند قبل أكثر من نصف قرن، عندما كان حينها المسلمون هم قادة حركة التحرير الهندية من الاحتلال البريطاني، وبأسلوب ملتوٍ كما يجري اليوم في العراق تحول المسلمون في الهند إلى متهمين بإثارة الحرب الطائفية، وانتزعت ثمار تضحياتهم ضد المحتل الإنجليزي لصالح المد الهندوسي المصنوع بريطانياً، وصار المسلمون يتخطفون من بيوتهم ومناطقهم في إطار هياج هندوسي مسلح وفي ظل شرعية الاحتلال، وقتل من المسلمين مئات الآلاف في أيام قلائل، وأجبروا على الانفصال بعد أن انتزعت السلطة الهندية الكثير من أراضي المسلمين قدر عدد ساكنيها بـ350 مليون مسلم.

ومن خلال نظرة سريعة لحقائق الأرقام التي ظهرت على السطح إبان معركة الموصل وبعد انتهائها تتأكد لنا جلياً سياسة المهاجر الأبيض الطامع في استدمار المنطقة الجديدة بعد نهب خيراتها، ودخول الموصل ضمن خريطة التدمير تمهيداً لرسم سياسات الشرق الجديد بعد انتهاء السقف الزمني لمعاهدة لوزان، وإليكم التقارير المؤلمة عن معركة الموصل:

صرح الصحفي الألماني يوغنهورفر بأن: «القوات العراقية والمليشيا المساندة لها أخفت عشرات آلاف الجثث برضا أمريكي وصمت عربي وغربي أستطيع أن أقدر عددهم بـ300 ألف قتيل».

وأشارت صحيفة الإندبندنت أن التحالف الدولي أفرط جداً في الضربات الجوية أثناء معركة الموصل، وقد تسبب بمقتل آلاف المدنيين في المدينة، حيث ألقى الجيش الأمريكي على مدينة الموصل 5941 قنبلة، بينما بلغ عدد القنابل البريطانية الملقاة على المدينة 750 قنبلة، والفرنسية 600 قنبلة، فيكون مجموع ما ألقت هذه الدول الثلاث فقط على مدينة الموصل من القنابل ما يقرب من 7000 قنبلة، وهي كفيلة بتحقيق دمار هائل في المدينة.

وأكدت منظمة اليونيسيف: إصابة أكثر من 650 ألف طفل موصلي جراء العمليات العسكرية، وأشارت تقارير طبية موصلية أن العمليات العسكرية التي جرت في مدينة الموصل كانت تتضمن قصف المدينة بمادة حمراء لا يعرف كنهها سببت مئات حالات السرطان للمواطنين، وقد بدأ يظهر بشكل متزايد في المدينة.

منظمة العفو الدولية تدين الدمار الهائل الذي حل بمدينة الموصل وتطالب بإجراء تحقيق دولي ضد القوات المشاركة في العملية العسكرية بحق المدنيين، وأشارت المنظمة أيضاً إلى تدمير أكثر من 23 ألف منزل، وسبعة آلاف شقة سكنية دون وجود خطة حكومية لتعويضهم، ويقول عضو مجلس محافظة نينوى محمد الحمداني: «أن حكومة بغداد لا تمتلك القدرة على تعويض الناس لإعادة إعمار المدينة»، وبنفس انتقامي واستهانة بمشاعر الضحايا رد المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة في الموصل العميد يحيى رسول على تقارير منظمة العفو الدولية: «لتذهب منظمة العفو الدولية إلى الجحيم»، وفي محاولة لتقليل أهمية التقارير الدولية التي تنتقد الإبادة ضد المدنيين في الموصل ورداً على ذلك نصحت منظمة العفو الدولية أهالي الموصل بعدم السماح بدفن خراب مدينة الموصل قبل توثيقه كجرائم حرب ضد القوات المشاركة في قتال تنظيم الدولة، ولأن القوات الحكومية والدولية المشاركة في عمليات الموصل تقاعست عن اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية المواطنين، مستخدمة أسلحة تفتقر للدقة في القتال وقصف المدينة، والتي تسببت بمقتل أكثر من 6000 شخص في الجانب الأيمن من المدينة فقط.

وأشار أحد المراسلين إلى أنه ما زال يوجد تحت أنقاض أحياء الموصل القديمة المدمرة بالكامل آلاف العائلات الموصلية، حيث تمنع القوات الحكومية فرق الإنقاذ من إخراجهم بدعوى أنهم من عائلات داعش، وقال عضو مجلس محافظة نينوى حسام الدين العبار: «لم تباشر فرق الدفاع المدني انتشال جثث العوائل المدفونة تحت أنقاض منازلها في المدينة القديمة بعد».

واعترفت الحكومة العراقية في صبيحة إعلان النصر النهائي على تنظيم الدولة في الموصل عن وصول أعداد قتلى المدنيين في المدينة القديمة فقط إلى ما يقارب 5000 قتيل وما تزال الحصيلة مرشحة للزيادة.

في حين أشارت فرق الدفاع المدني في الموصل إلى تدمير أكثر من 300 مسجد جراء الحرب بشكل كامل.

كما صرح الجانب الإيراني بأن الموصل حررت بأموال ومساعدات إيرانية برغم الحصار المفروض على إيران، بينما كشف موقع بغداد بوست عن أكبر ملف فساد بقيادة هادي العامري قائد مليشيا الحشد الشعبي بكلفة 160 مليار دولار نقلت إلى إيران لتمويل العمليات العسكرية الجارية في الموصل وسوريا، وفي تصريح رسمي لقاسم سليماني جاء فيه: «إن النصر في الموصل تحقق بدعم إيران التي قدمت آلاف الأطنان من الأسلحة إلى العراق».

من جانبها صرحت ممثلية الأمم المتحدة في العراق أن الأزمة الإنسانية في محافظة نينوى لم تتوقف بتوقف القتال في المدينة، والأهالي الهاربون خسروا كل شيء بشكل لا يمكن تصوره.

أما مديرية صحة نينوى فقد أعلنت: «أن البنايات الطبية الـ 25 الكبرى الموجودة في المحافظة دمرت بشكل كامل جراء القصف والمعارك».

وصرحت منظمات إنسانية غير حكومية عن تهجير ما يقارب المليوني مواطن عن محافظة نينوى قبل وخلال الحرب ضد داعش، بينما صرح المجلس النرويجي للاجئين في العراق أن إحصائية النازحين من سكان الموصل بلغت 900 ألف نازح.

وأدلت عناصر عسكرية أمريكية مسؤولة بتصريح أكدت فيه أن القصف الأمريكي لوث الموصل والعراق بما يعادل أربعة ملايين رطل من غبار اليورانيوم، ونسبة الإشعاع فيه تعادل 250 ألف قنبلة مثل قنبلة ناجازاكي.

هذا فضلاً عن تدمير مئات المدارس والبنى التحتية لمدينة الموصل، ثم تتساءل وسائل الإعلام الدولية والمحلية عن مرحلة «الموصل ما بعد داعش»، والحقيقة أن السؤال الأصوب للقضية السنية في العراق هو: «من التالي بعد الموصل؟».

وفي السياق نفسه توقع المهتمون بالشأن العراقي أن قطعان الحشد الشعبي الشيعية ما أن تنتهي من معاركها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل إلا وستعد العدة للبدء بعمليات التغيير الديمغرافية الشاملة دون رادع وقد أصبحت قوة تخشاها الأجهزة الحكومية العراقية إن لم تكن متعاونة معها.