في معركة الاقتصاد باليمن ظهر ميناء الحديدة كإحدى الواجهات البراقة لتضييق الخناق على الحوثيين والقوات الموالية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، في بيئة مفتونة دولياً بمبادرات عقيمة تعطي تحولاً جذرياً للقرارات الدولية وتنتقص من سلطة الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً.

في سبتمبر 2016م أعلن الرئيس عبد ربه منصور هادي نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن حيث العاصمة المؤقتة للبلاد، ومثل ذلك ضربةً نوعية للحوثيين الذين نهبوا احتياطي البنك من الدولار والعملة الوطنية. وطالبت الحكومة اليمنية المجتمع الدولي بالضغط على الحوثيين لتسليم إيرادات ميناء الحديدة إلى البنك المركزي لتسليم رواتب الموظفين، بدلاً من أن تدفعها الحكومة ويستولي الحوثيون على إيرادات الميناء الحيوي وباقي الإيرادات الأخرى من الضرائب والجمارك إلخ! لكن المجتمع الدولي الذي ابتلع لسانه دخل في أبريل الماضي في معركة جديدة تروج لمبادرة أممية، في باريس، والرياض، وبرلين، وأبوظبي، وواشنطن، ويقودها المبعوث الدولي «إسماعيل ولد الشيخ أحمد»، والتي تتمثل في تسليم الميناء إلى إدارة «محايدة من اليمنيين».

ما هي الخطة؟!

تشير خطة الأمم المتحدة في الحديدة إلى عدة أمور[1]:

- تعلن الأمم المتحدة محافظة الحديدة (غربي اليمن)، منطقة آمنة وخالية من النزاع المسلح، بعد وقف أي تدخل عسكري من قبل الأطراف المتصارعة.

- تسلم إدارة المحافظة إلى مجلس مشكل من طرف يمني ثالث، لا يتبع الحكومة الشرعية ولا الانقلابيين.

- تشكيل اللجان الفرعية الأساسية التي تتبع المجلس، من الشخصيات التي لم تشارك في النزاع المسلح، أو يكون لها ارتباطات بأي من الطرفين، ومنهم تُشكل أربع لجان. واللجان هي اللجنة الأمنية والعسكرية، ولجنة تأهيل وتشغيل ميناء المدينة، ولجنة تأهيل وتشغيل المطار، ولجنة الخدمات.

- تدعم الأمم المتحدة والمجتمع الدولي المجلس الأعلى لإدارة المحافظة، بفريق متكامل من الخبراء في مختلف القطاعات (الإدارية، والاقتصادية، والأمنية) للمساعدة في تقديم المشورة اللازمة.

تشكيل مجلس شورى يتكون من 30 عضواً من أبناء الحديدة، ويُمثّل فيه رجال الأعمال، ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات والاتحادات، والعلماء والمشائخ، والشباب، والمرأة.

- يقوم البنك المركزي اليمني بفتح فرع له في المحافظة، على أن تُسند إدارة الفرع لكوادر عربية، تعتمدها الأمم المتحدة، ويساند الإدارة في العمل موظفو الفرع الموجودون قبل 2010م، ويُشرف عليه البنك الدولي أو من خلال كيان معتمد من الأمم المتحدة.

- الكوادر العسكرية من مختلف القطاعات العسكرية، العاملة من قبل عام ٢٠١٠م، ستُعتمد للعمل في حماية المرافق، على أن يتولى القيادة في تلكم الوحدات ضباط عسكريون ممن لم يشاركوا في النزاع المسلح.

- لضمان التنفيذ تقوم سفارات أمريكا وبريطانيا وروسيا والصين وفرنسا وألمانيا والأردن ومصر ومن يرغب من الدول العربية والأجنبية، بفتح قنصليات لها في الحديدة.

وافقت الحكومة اليمنية، على الخطة، فيما رفض الحوثيون رفضاً قاطعاً تسليم الميناء لقوة محايدة، أما علي عبد الله صالح فبرغم أنه قال إن تسليم «ميناء الحديدة» أبعد من عين الشمس أمام اجتماع لعدد من أعضاء حزبه في البرلمان، إلا إنه في اليوم التالي قدم هؤلاء الأعضاء مبادرة تتوافق مع خطة ولد الشيخ، بشريطة أن تكون جميع موانئ الجمهورية تحت القيادة نفسها وليس ميناء الحديدة فقط، السفير الأمريكي لدى اليمن ماثيو تولر أكد فعلاً أن علي صالح موافق على تسليم الميناء بعكس حلفائه الحوثيين[2].

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية[3] وروسيا والاتحاد الأوربي يدعمون هذه المبادرة، إلا إن الصين هي من ترعى هذه الخطة وتنفيذها[4][5].

تأجيل الحرب

تظهر الخطة أنها محاولة لإجهاض مواجهة الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق الذي تدفع الخطة بشكل سريع من أجل إعادة تكوين نظامه السابق بالعودة إلى ما قبل عام 2010م.

كما أن علي صالح الذي يجيد فن المقايضة سيقايض بها مقابل سلعة سياسية ثمينة. هذه السلعة الثمينة، هي إلغاء قرارات وإجراءات مجلس الأمن المعنية بصالح وأبنائه وحلفائه الحوثيين، وما يمثله ذلك من قطع للطريق أمام ما قد يستجد من نحو ذلك، مثل توصية فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات الخاصة باليمن لدى مجلس الأمن، التي اقترحت في يناير 2017م إدراج خالد علي عبد الله صالح ضمن قائمة المشمولين بالعقوبات، والتي أثير ما يشير إلى قبول هذه التوصية[6].

وخطة تسليم الموانئ - كما يقترح صالح - هي جزء من خطة أشمل يتم التحضير لها برعاية روسية لإعادة عائلة صالح إلى السلطة مجدداً، بل إن مسؤولين أمريكيين اقترحوا التحالف مع صالح - برغم اقتناعهم بضعفه وسيطرة    الحوثيين على قواته - لإبعاده عن الحوثيين[7].

والصفقة الكبرى التي يتم التفاوض عليها برعاية دولية تأتي بدون مشاركة مبعوث الأمم المتحدة ستكون كارثية لليمن، وستستخدم إعلان سلطة ثالثة في الحديدة من أجل ترتيباتها التي تبدو جاهزة. ففي جوهرها مجرد تعديل من النخب الفاسدة والجنائية القديمةنفسها التي كانت تدير اليمن في الأرض على مدى السنوات الـ40 الماضية، حيث قضى صالح ومن يحتضنهم وقته في تفكيك السلطة وإفلاس مؤسسات الدولة، وتعزيز القوة الشخصية والثروة، وإثارة الصراع الداخلي، وتجاهل الأزمات الاقتصادية والهيكلية المتعددة التي سهلت لتصبح اليمن أسوأ حالة إنسانية في العالم اليوم[8].

سلطة ثالثة وقراءة مختلفة

توجد في اليمن سلطتان، الأولى في صنعاء تدير بها مليشيا الحوثي المتحالفة مع إيران معظم المحافظات الشمالية بالشراكة مع صالح، والسلطة الثانية موجودة في عدن وهي سلطة الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وتقدم الخطة سلطة/ حكومة ثالثة ويتم التحضير لها في الأردن حيث مكاتب الأمم المتحدة وممثلو السفارات في اليمن، ليناقشوا تحويل فريق «الطريق الثالث»، وهم مجموعة من القادة العسكريين والحكوميين السابقين ليكونوا الحكومة الثالثة في البلاد، في محاولة لإعادة ترتيب الخريطة الأممية في ليبيا ونقلها إلى اليمن، ما يعني صراعاً متجدداً وأكثر دموية.

ويمكن قراءة الخطة من عدة نواحٍ:

 عودة أحمد علي عبد الله صالح وزيراً للدفاع: فالرجل الذي ظل في الإمارات بناء على قرار العقوبات لم يشارك (بشخصه) في الحرب، لذلك من المحتمل وفق رؤى متعددة محلية ودولية عودته، ما يعني التحضير لجولة صراع جديدة.

 إعادة الأوضاع السياسية والعسكرية والأمنية إلى ما قبل عام 2011م، ما يعني عودة النظام القديم وتدوير الفاسدين على اختلاف أسمائهم، فالخطة تشير بوضوح إلى عام 2010م.

 يُفرغ شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي بالمطلق، وهذه الشرعية هي مبرر انطلاق عاصفة الحزم، إذ إن وجود حكومة أو سلطة أو إدارة معترف بها دولياً يجعل وجود هادي شكلياً، ما يعني أن المبرر لإطلاق عاصفة الحزم كان شكلياً وسيضع التحالف العربي والمملكة العربية السعودية في إطار استفزازات إيرانية مستمرة في المحاكم الدولية!

 سحب البنك المركزي من سيطرة الحكومة اليمنية وتحويله إلى سلطة/ حكومة/ إدارة ثالثة، ما يعني انعدام الموارد وتصبح شكلية للغاية وتتحكم السلطة المدعومة من الدبلوماسيين الغربيين والأمم المتحدة بالمال بدلاً عن الحكومة، وفي حال انقطع الدعم الخليجي ستصبح منهية تماماً.

 عدم تحرير الحديدة من الحوثيين وجعلها سلطة خارج الجغرافيا يشجع دعوات الانفصال، كما يجعل الحوثيين يضغطون من أجل سلطة منفردة لهم بميناء «ميدي» على البحر الأحمر، لتصبح محاصصة للتوصل إلى «حل شامل».

بالمقابل لا يبدو أن المملكة العربية السعودية والحكومة الشرعية ترى في غير تحرير ميناء الحديدة حلاً برغم الاعتراض الأمريكي الخجول والضغط الدولي الأكبر على الرياض والرئاسة اليمنية، فما يزال التصميم على مواصلة القتال مستمراً وتحرير ميناء الحديدة أكثر تصميماً، ما سيعطي المملكة والحكومة في نهاية المطاف النفوذ العسكري اللازم لإجبار زعماء الحوثيين على قبول مطالب قرار الأمم المتحدة رقم 2216 الذي اعتمد في أبريل 2015م. والذي يشمل انسحاب الحوثيين/ صالح من العاصمة صنعاء وتسليمهم للأسلحة الثقيلة، التي يفترض أن تكون للحكومة المعترف بها دولياً[9]. كما أن ما يدفع إلى هذا الخيار بحسب ما قاله السفير الأمريكي السابق لدى اليمن سيش (2007-2010م) تأكد المسؤولين اليمنيين والسعوديين من أن «عدم رغبة المتمردين الحوثيين بالدخول في مفاوضات جدية هو العقبة الرئيسة أمام إنهاء الحرب في اليمن. واشتكى هؤلاء المسؤولون من أن الحماسة الدينية للحوثيين والولاء لإيران تجعل التسوية السياسية كلها مستحيلة. وسواء كانت هذه التقييمات عادلة أم لا، فإن الحوثيين لم يحددوا مطالبهم السياسية بشكل واضح، ولم يحترموا أياً من التزاماتهم السياسية الرئيسة - بما في ذلك ترتيبات تقاسم السلطة مع صالح»[10].


 


[1] «المصدر أونلاين يحصل على خريطة الحديدة التي قدمها ولد الشيخ.. تفاصيل كاملة»، تاريخ النشر 20 يوليو 2017م، تاريخ الاطلاع 30 يوليو 2017م:  

  https://goo.gl/fgT4ew

[2] «دبلوماسي أمريكي: الحوثيون يعطلون الحل في اليمن وندعم مقترح ولد الشيخ بالحديدة»،30 يوليو 2017م، تاريخ المتابعة 30 يوليو 2017م، الأناضول: https://goo.gl/rxij1j

[3] الأناضول، مصدر سابق.

[4] «الصين تقوم بتسهيل مفاوضات نقل ميناء الحديدة من الحوثيين لطرف محايد»، يمن مونيتور، 22يوليو 2017م، تاريخ الاطلاع 30 يوليو 2017م:

https://goo.gl/CBv2fj

[5] قدم برلمان صالح المبادرة إلى السفارة الروسية.

[6] «عن التفاعلات الجديدة في الأزمة اليمنية.. المبادرات والإرادات»، علي الذهب، يمن شباب، 28 يوليو 2017م، تاريخ الاطلاع 29 يوليو 2017م:

https://goo.gl/JghuL2

[7] «Yemen: The View from Riyadh» (Just Security): https://goo.gl/DWugJz

[8] «The Danger of a Grand Bargain: The Wrong Peace Deal Could Mean Endless War in Yemen» (Just Security):  https://goo.gl/UHNLuz

[9]  «The Trump Administration Embraces the Saudi-Led War in Yemen» (Wilson Center): https://goo.gl/n5Ksx3

[10] «Yemen: The View from Riyadh» (Just Security): https://goo.gl/jCvqKs