أظهرت الأحداث الأخيرة في المسجد الأقصى أن الصراع الديني في المنطقة هو الغالب، وعلى هذا الأساس تحرك اليمين اليهودي باتجاه تجييش الأجهزة الأمنية الصهيونية لتقييد حرية دخول الفلسطينيين إلى ساحات الحرم القدسي، بينما احتشد الرأي العام الإسلامي في جميع دول العالم خلف المقدسيين الذين اصطفوا خلف المرجعية الإسلامية في القدس لرفض تمرير المخطط الصهيوني بفرض بوابات إلكترونية على أبواب المسجد الأقصى، وتثبيت وضع أمني جديد في محيط المسجد الأقصى يحد من حركة المسلمين هناك.

يصف أليكس فيشمان الكاتب في صحيفة «يديعوت أحرونوت» المشهد السياسي الصهيوني بالتزامن مع أحداث الأقصى قائلاً: «إن أحمقاً واحداً ألقى بحجر في البئر، وألف حكيم يحاولون الآن تصحيح الضرر».

العامل الديني يلعب دوراً كبيراً في المواجهة بين الاحتلال والفلسطينيين منذ فترة طويلة. الخلافات والأحداث المرتبطة بالحرم القدسي أشعلت فترات من المواجهات عدة مرات في السابق، من بينها في أعوام 1990، 1996، 2000م، وإلى حد ما في 2015م أيضاً. لقد برزت خلال السنوات الأخيرة تفسيرات قومية ودينية واضحة لما يجري بين الفلسطينيين والصهاينة، في ما يتعلق بعملية استهداف وقتل شرطيين صهيونيين داخل باحات الحرم القدسي، قد يكون هناك أسباب آنية تتعلق بتحرش الجنود بالمصليات المسلمات، لكن الفلسطينيين يشعرون منذ بدأ تكثيف دخول المستوطنين إلى باحات الحرم بصورة مستمرة بحراسة الشرطة، بالخطر الشديد وسعي الحكومة اليمينية بقيادة بنيامين نتنياهو بمساعدة الجماعات الاستيطانية للسيطرة على الأقصى وهدمه لإقامة الهيكل المزعوم. الشبان الثلاثة الذين استهدفوا عناصر الشرطة الصهيونية داخل الحرم القدسي كانوا من حملة جنسية الكيان الصهيوني، ويتمتعون بحياة مستقرة وجميعهم من عائلة واحدة وهي عائلة «جبارين»، بحسب الأجهزة الأمنية الصهيونية ليس لديهم أي ملفات جنائية أو نشاطات سياسية سابقة، الاعتقاد السائد أنهم تحركوا لغيرة دينية فقط.

عقب العملية أغلقت السلطات الصهيونية المسجد الأقصى ومنعت الصلاة فيه وهي المرة الأولى منذ عام 1969م. اعتقلت السلطات الصهيونية مفتي القدس و20 حارساً من حراس المسجد الأقصى وقامت بالتحقيق معهم، كما تم إغلاق كل المتاجر في الحي الإسلامي في البلدة القديمة ومنعت الشرطة دخول الفلسطينيين إلى البلدة القديمة، باستثناء من يقيمون فيها، أما اليهود والسياح فقد سمح بدخولهم بشكل حر.

وبعد توصيات من الأجهزة الأمنية قالت الحكومة الصهيونية إنها ستفتح المسجد الأقصى للسياح والزوار لكن بصورة تدريجية، بعد تركيب بوابات لكشف المعادن، لكن المراجع الإسلامية في القدس رفضت القرار الصهيوني وطالبت بفتح أبواب المسجد الأقصى كما كانت قبل 14 يوليو 2017م. وفي بيان صدر عن دائرة الأوقاف في القدس أنها وصفت سلوك تل أبيب بأنه «جريمة تنضم إلى جرائم الاحتلال الصهيوني في المسجد الأقصى، وتمس بالديانة الإسلامية». ودعت دائرة الأوقاف إلى رفع كل القيود التي فرضت على المكان وإعادة الوضع الراهن إلى سابق عهده. وقال مصدر في دائرة الأوقاف لصحيفة «هآرتس»: «لقد بدأنا التفكير بوجود مؤامرة لتغيير الوضع الراهن في الحرم الشريف». تأجج الأحداث في محيط الأقصى وسقوط شهداء جعل رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو يجري اتصالاته بالعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لتهدئة الأوضاع خوفاً من اندلاع انتفاضة جديدة لا يمكن السيطرة عليها.

وبالتزامن مع أحداث المسجد الأقصى صادق الكنيست على مشروع قانون «القدس عاصمة إسرائيل»، والذي يفرض الحصول على دعم 80 نائباً على الأقل من أجل التنازل عن مناطق في القدس. وقالت المبادرة إلى القانون، شولي معلم، إن «إسرائيل لن تسمح بقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس». كما تكتل اليمين خلف موقفه الرافض لإزالة البوابات في محيط المسجد الأقصى وحث الوزيران نفتالي بينت وميري ريغف على عدم الاستسلام لمطالب المصلين المسلمين. وكتب بينت على صفحته أنه «توجد بوابات إلكترونية في مكة، وفي الكنيست، وفي حائط المبكى [البراق]. مطالبة الوقف بإزالة البوابات هي نفاق، والتراجع الآن أمام ضغوط الفلسطينيين سيمس بقوة الردع الصهيونية ويهدد حياة الزوار والمصلين والشرطة في الحرم. يجب عدم التراجع».

يقول نير حسون في «هآرتس» معقباً على ما جرى أنه يصعب القول كيف ستنتهي الأزمة حول المسجد الأقصى، ولكن الأيام الأخيرة أثبتت أن السيادة الحقيقية في الحرم ليست في أيدي الحكومة الصهيونية، أو الأردن أو الأوقاف، وإنما في أيدي الفلسطينيين المقدسيين.

غالباً ما يميلون إلى اختبار المجتمع الفلسطيني في القدس، من خلال ضعفه، الفقر، غياب القيادة، مصاعب الاحتلال، هدم البيوت ومصادرة الأراضي، ولكن في الأيام الأخيرة، حقق الفلسطينيون في القدس إنجازاً غير مسبوق، فبواسطة المظاهرات في باحات الأقصى دفعوا الحكومة الصهيونية إلى زاوية خطيرة، وباتت تفكر جدياً بالانسحاب وتفكيك الأبواب الإلكترونية.

في خضم المواجهات على أبواب المسجد الأقصى تسلل فلسطيني إلى مستوطنة حلميش وقتل ثلاثة مستوطنين، وقالت الأجهزة الأمنية الصهيونية إن منفذ الهجوم هو عمر العبد، 20 عاماً، من سكان قرية كابور المجاورة لمستوطنة حلميش، وتبين أن عمر العبد نشر على صفحته في فيسبوك قبل ساعات وجيزة من تنفيذ العملية نصاً جاء فيه: «عمري 20 عاماً، لدي الكثير من الأحلام، لكنه لا توجد حياة بعد ما نشاهده في الأقصى».

صحيفة يديعوت أحرونوت تقول إن السياسيين في تل أبيب قلقوا كثيراً من الرأي العام العربي والإسلامي الذي اتحد سريعاً ضد الكيان الصهيوني وذكرت: «إننا نعيش في فقاعة ولا نفهم ما الذي يحدث من حولنا. كل العالم العربي السني تجند ضد تل أبيب، وليس فقط على مستوى القيادات. مستوى التحريض على الشبكات الاجتماعية في العالم العربي يحطم كل الأرقام القياسية، وهذا لا يجري على مواقع حماس فحسب. فالأصوات تخرج من شوارع عمان والبحرين وقطر، مروراً بالسعودية والأردن ومصر. لقد أمسك المجلس الوزاري، بسدادة القمقم الذي يحشر فيه شيطان الاضطرابات الدينية.

مستشار ترمب جارد كوشنر يحاول من خلال مبعوث السلام جيسون غرينبلات الضغط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس وملك الأردن عبد الله الثاني لتهدئة الأوضاع قبل أن ينفلت الوضع.

في عمان قتل حارس يعمل في السفارة الصهيونية في الأردن مواطنين أردنيين، وعاد مع طاقم السفارة الصهيونية إلى تل أبيب، عقبها أعلنت الأجهزة الصهيونية تفكيك البوابات الإلكترونية، وبسبب الأزمة مع الأردن وجد نتنياهو في نفسه القدرة على اتخاذ قرار بتفكيك البوابات وبالتالي تخليص نفسه وحكومته من مخاطر حرب دينية أو انتفاضة ثالثة.

دائرة الأوقاف الإسلامية والتي تحمل صفة رسمية منصوص عليها في معاهدة السلام بين الكيان الصهيوني والأردن عام 1994م، رفضت تركيب أي كاميرات في محيط المسجد الأقصى كما أصرت المرجعيات الإسلامية في القدس على عدم دخول المسجد الأقصى قبل التأكد من خلوه من أي تغييرات.

الأحداث الأخيرة أكدت تكتل اليمين الصهيوني خلف خيارات استعداء العالم الإسلامي، في مقابل هشاشة وضعف الموقف الدولي والإقليمي، وفاعلية الموقف الشعبي والجماهيري ضد المشروع الصهيوني في فلسطين، مع بقاء المسجد الأقصى مشروع وحدة وبوصلة للمسلمين في جميع أنحاء العالم.