حفتر.. ترمومتر الثورة المضادة في ليبيا، ولم يكن بيانه عن عملية الكرامة التي ادعى أنها ستحرر ليبيا من الإرهابيين في مشهد تلفازي مثير للدهشة إلا إعلاناً عن تدشين مرحلة الثورة المضادة في ليبيا. كان حفتر يومها منبوذاً قليل الحيلة، لا يملك قوة كافية تبلغه طموحاته إلا قليلاً من المرتزقة، وإعلام ينفخ في الرماد حتى تشتعل النار، ولكنه اليوم وبعد مرور تلك السنوات ونتيجة تغير التوازنات في المنطقة، أضحى رقماً صعباً أو قل رمانة ميزان القوى في ليبيا، ولا يمكن تجاوزه الآن في أي حلول سياسية في مستقبل ليبيا.

هنا وفي تلك اللحظة تبدو الأحداث المتسارعة التي تشهدها ليبيا تقترب من ملامسة أحلام العقيد المتقاعد خليفة حفتر في لبسه حلة القذافي، فهو لا يرضيه إلا أن يكون ديكتاتوراً جديداً وبالحلة العسكرية نفسها، لكنه يختلف عن القذافي بأن رقى نفسه إلى رتبة المشير، هذا في ظل موقف دولي وإقليمي يسعى إلى تعديل ساحة القوى المتفاعلة في ليبيا لتقبل بإدماج طموحات الديكتاتور الصاعد مع حلولها السياسية.

عالمياً اتخذت الأمور في ليبيا منحى جديداً منذ وصول ترمب إلى السلطة في الولايات المتحدة، فكانت لسياسات ترمب الداعمة لديكتاتوريات الشرق الأوسط تأثيرها المباشر وغير المباشر على تسريع عجلة تحقيق طموحات حفتر.

إقليمياً انتفشت قوى الثورات المضادة وداعموها ففتحت الأبواب أمام أنظمة إقليمية للدخول للساحة الليبية بقوة وبكثافة وفي إطار من العلنية، كما أطلقت يدها في دعم ذراعها الليبي في الثورات المضادة بالدعم الاقتصادي والسياسي، وفي الإطار نفسه يتم الضغط بشكل متزايد على الثورات العربية سواء سياسياً أو عسكرياً.

التطورات العسكرية الأخيرة وإحداث تغييرات على الأرض:

 في أوائل يونيو الماضي استطاعت قوات حفتر (المتمركزة في شرقي البلاد) الاستيلاء على مناطق جديدة وضمها لسيطرتها، فبدعم من قوات خارجية استطاعت قوات حفتر السيطرة على منطقتي الجفرة وسبها الصحراويتين (وسط ليبيا)، بعدما استولت مؤخراً على سلسلة من البلدات والقواعد. هذا التقدم قد يكون خطوة رئيسة على طريق الوصول للهدف الذي حدده حفتر منذ ظهوره على الساحة الليبية أوائل 2014م وهو التحرك صوب العاصمة طرابلس، مستفيداً من الضربات التي ينفذها آخرون على خصومه في وسط وشرقي البلاد.

بينما اندلعت في طرابلس اشتباكات بين قوات تابعة لـ«حكومة الوفاق» وأخرى موالية لـ«حكومة الإنقاذ» برئاسة خليفة الغويل، في مواجهات استُخدمت فيها الأسلحة المتوسطة والثقيلة، ونشرت قوات «حكومة الإنقاذ» التي تعارض اتفاق الصخيرات للحل السياسي في ليبيا مدرعات وسيارات عسكرية وأعلنت «حكومة الإنقاذ» أن هدف العملية هو تطبيق قرار المؤتمر الوطني العام الليبي (البرلمان السابق) بإخلاء العاصمة من المظاهر المسلحة؛ استغل حفتر وجود تلك المعارك فأصدر بياناً أعلن فيه عزمه شن عمليات عسكرية ضد الكتائب العسكرية الموجودة في طرابلس، وقال حفتر إنه أصدر تعليماته لكافة القوات التابعة له «للاستعداد للدفاع عن العاصمة طرابلس» في مواجهة ما وصفه بالإرهاب. وقال إن قواته تتابع باهتمام بالغ ما جرى في طرابلس، وإنها ستقف إلى جانب القوى الوطنية ضد ما سماه «المليشيات المؤدلجة التابعة للإسلام السياسي».

وهو الأمر الذي دفع الكتائب التابعة لحكومة الإنقاذ إلى التوقف عن القتال والانسحاب من مطار طرابلس الدولي وكانت النتيجة بشكل عام سيطرة قوات الوفاق على العاصمة، وانسحبت قوات الإنقاذ معللة ذلك بحقن دماء الليبيين.

أياً ما كان، فحكومة الوفاق الآن أصبحت تملك ذراعاً عسكرية برغم أن سيطرتها لا تجاوز العاصمة طرابلس ومحيطها، مع تنامي النزعة الرافضة لاتفاق الصخيرات في الغرب والوسط الليبي، حيث نفوذ المجموعات المتمسكة بالخط الثوري لثروة 17 فبراير، والذي تمثله إلى حد كبير حكومة الإنقاذ، التي يسعى كثير من الأطراف الإقليمية والدولية لتهميش دورها في مستقبل ليبيا السياسي.

لكن في ظل تغير موازين القوى الإقليمية لم تعد حكومة الإنقاذ مدعوة إلى ساحة الحوار، وحفتر أصبح أكثر قوة، ويحظى باعتراف غير رسمي فهو يتنقل بين الدول ويعامل كأنه رئيس أو على أقل تقدير سياسي أو مناضل في وطنه، وفي المقابل تحظى حكومة الوفاق باعتراف دولي. وأصبح المجال التفاوضي الآن بين طرفين؛ خليفة حفتر، وحكومة الوفاق.

وفي المقابل تحاول حكومة الوفاق الفكاك من الضغوط التي تمارس عليها للقبول بشروط حفتر، فقد دعا رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج إلى انتخابات في مارس المقبل، وهي رؤية من الصعب تصور حصولها فمعسكر خليفة حفتر، ومجلس النواب الذي يسيطر على مدن المنطقة الشرقية يعدون أنفسهم السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد ولا معنى لأي انتخابات أخرى، خاصة أن هذه الانتخابات إن تمت ستأتي ببرلمان جديد بديل، وسلطة جديدة مستمدة شرعيتها من الشعب وقد تقوض أحلام حفتر المستند في شرعيته لدعم البرلمان، برغم أنه منحل بحكم المحكمة الإدارية العليا في ليبيا إلا إنه يحظى باعتراف دولي.

ويبدو أن حكومة الوفاق باتت مجبرة على إيجاد حلول وسط، بعدما تأكدت من أن حفتر نجح في تشكيل أذرع قوية له داخل العاصمة طرابلس، خاصة أن هذه الأذرع القائمة بالأساس على القبلية ومستعدة تماماً لشن هجوم على قوات الوفاق، وإشعال العاصمة تمهيداً لدخول قوات حفتر إليها.

ويحظى حفتر بدعم دول إقليمية ودعم روسي علني فقد سبق وأن أكد مسؤولون روس كبار ضرورة حضور حفتر في مستقبل ليبيا السياسي، كما يحظى أيضاً بدعم فرنسي خفي.

في تلك التعقيدات يبدو مستقبل ليبيا أمام عدد من السيناريوهات:

الأول: الحسم العسكري لصالح حفتر، وسيطرته بالكامل على مؤسسات السلطة في الدولة، وما يتضمنه من سقوط اتفاق الصخيرات والحكومة المنبثقة عنه (الوفاق الوطني)، ولكي يتحقق هذا السيناريو يتطلب إخفاق الجهود السياسية في تحقيق المصالحة، بالإضافة إلى زيادة قدرات فريق حفتر العسكرية لتصبح قادرة على تغيير ميزان القوى وحسم الصراع على الأرض. وفي الوقت نفسه زيادة دعم الأطراف الإقليمية والدولية لفريق حفتر عسكرياً بالسلاح والمعدات والخبرات، وربما التدخل العسكري المباشر. ويؤدي هذا المسار إلى مزيد من الفوضى في ليبيا نتيجة عدم رضا بقية الأطراف عن التهميش السياسي الذي يقصيهم، بالإضافة إلى توفر السلاح والقوة العسكرية التي تمكنها من زعزعة هكذا حالة وإبقاء ليبيا في حالة من عدم الاستقرار.

الثاني: هو سيناريو التقسيم وإنهاء وحدة الدولة، وهذا السيناريو ليس مستبعداً فقد نشر موقع ويكيليكس وثائق تؤكد وجود رؤية أوربية باقتسام النفوذ داخل ليبيا بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا. ومنذ أسابيع قليلة كشفت صحيفة الجارديان البريطانية، في تقرير خاص لها عن أن سابستيان كورجا، نائب مساعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في ملف السياسة الخارجية، اقترح خطة لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات، ورسم هذه الخطة على «منديل ورق» أثناء لقائه بدبلوماسي أوربي رفيع المستوى، إذنْ سيناريو التقسيم ليس مستبعداً، وما زال حاضراً في مخيلة العديد من الدول الإقليمية والدولية.

السيناريو الأخير: هو الوصول إلى حل توافقي بين جميع الأطراف بحيث لا يتم استبعاد طرف على حساب الآخر في الظاهر، فالمطروح الآن على الطاولة هو تمكين حفتر عسكرياً وترسيمه وزيراً للدفاع بحيث تصبح كافة التشكيلات العسكرية تحت يده، واعتبار كل الكيانات العسكرية الأخرى الرافضة له كيانات معارضة للدولة وخارجة عليها، وتوضع في خانة الإرهاب. مع إعطاء المناصب التنفيذية لشخصيات من حكومة الوفاق مع بعض الترضيات لأعضاء حكومة الإنقاذ.. لكن ما يعرقل البدء بهذا الحل هو معارضة حفتر له برغم وجود محاولات حثيثة لإقناع حفتر بهذا الحل، والقبول بهذا الوضع إلى أن تستقر الأمور، فهو يسعى لالتهام كامل الكعكة الليبية دون شريك ويضاف إلى ذلك صعوبة تصور استقرار الأمر بدون توافق القوى المسلحة، ساعتها سيكون للقوة العسكرية الكلمة العليا في البلاد من وراء ستار أو في العلن.

يمكننا القول إنه وبعد ست سنوات من الثورة على الديكتاتور القذافي فإن ليبيا أصبحت الآن قاب قوسين أو أدنى من السقوط في يد ديكتاتورية جديدة يستعبد بها الشعب مرة أخرى. وبرغم أن هذا العام يمكننا وصفه بعام الثورات المضادة، إلا إن الشعوب التي ذاقت طعم الحرية لا يمكنها الخنوع مرة أخرى وإن بدا ذلك للغافلين لكن الطغاة لا يعتبرون.