مرت تركيا بعدة محطات مهمة خلال عام بعد المحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2016م، وها هي تحتفل الآن بالذكرى الأولى لإفشالها، وكما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لقد كان فشل هذه المحاولة «هبة من الله»، فلو نجحت المحاولة لكنا رأينا تركيا مختلفة تماماً. ولم يقتصر الأمر عند النجاة من هذه المحاولة بل أقدمت القيادة التركية على عدة خطوات جوهرية بعد ذلك على المستوى الداخلي والخارجي. فقد وفر فشل المحاولة مجموعة كبيرة من الفرص للحكومة لم تكن متوفرة قبل ذلك ومن أهم هذه الفرص تطهير مؤسسات الدولة وخاصة الأمنية أي الجيش ووزارة الداخلية وكذلك مؤسسات القضاء، وقد لوحظ انخفاض كبير في التفجيرات التي وقعت في تركيا، ويمكن أن نقارن الأشهر السبعة الأولى من عام 2017م بالأشهر السبعة التي سبقت المحاولات الانقلابية والتي وقع فيها مجموعة كبيرة من التفجيرات ووقع العديد من الضحايا خاصة في المدن الكبرى مثل أنقرة وإسطنبول، ولكن في الفترة التي تلت الانقلاب لا نجد أي حدث مشابه بل على العكس تم اكتشاف محاولات قبل وقوعها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عمليات التطهير التي تراها الدولة مبررة للحفاظ على أمنها كانت ذريعة لعدد من العواصم والمؤسسات الأوربية لمهاجمة مستويات حقوق الإنسان والحريات في تركيا.

ومع جعل رئاسة الأركان تابعة للرئاسة وتعديل هيكلية بعض المؤسسات العسكرية وتبعيتها قامت الحكومة بالإعلان بعد قرابة شهر من المحاولة الانقلابية عن عملية درع الفرات في شمال سوريا، التي هدفت لتطهير شمال سوريا من داعش ومنع القوات الكردية المدعومة من واشنطن من السيطرة على هذه المناطق، وبالفعل استطاعت تحرير منطقة أكبر من ألفي كيلومتر مربع، وأوجدت موطن قوة لها في الشمال السوري بعد أن كان اعتمادها مباشراً على الفصائل السورية، ولكنها اضطرت لتقييد نفسها بتفاهمات مع روسيا كانت في حل منها قبل ذلك. ولكن كانت هذه خطوة مفصلية في استخدام القوة الخشنة في دولة اعتمدت منذ عام 2002م على الأقل على القوة الناعمة في سياستها الخارجية.

ومن أهم الأمور التي توفرت بعد 15 يوليو ونجح حزب العدالة والتنمية في ترجمتها إلى مكتسب ملموس هي الإرادة الشعبية التي دعمت الرئيس والحكومة المنتخبة، حيث قرر الرئيس أن هذه هي الفرصة المناسبة للذهاب لاستفتاء لتعديل الدستور والانتقال من حكم البلاد عبر النظام البرلماني إلى حكمها عبر النظام الرئاسي، وقد تم له هذا في 16 أبريل 2017م بفارق ضئيل حيث نجح في تمرير التعديلات بنسبة 51.41%، ويقول المراقبون لو أن الرئيس تأخر في هذا القرار لربما لم يستطع تحقيق هذا الإنجاز الذي يوفر فرصة كبيرة لاستقرار داخلي ولتحكم أكبر من الرئيس بقرارات التدخل الخارجية ويمنع التدهور الداخلي بسبب تغيير الحكومات والخلافات الحزبية من وجهة نظر الحزب الحاكم.

وقد تراجعت المعارضة التركية خطوة أخرى إلى الوراء أمام حزب العدالة والتنمية، وهي الآن تحاول تجميع صفوفها وهو أمر يبدو صعباً جداً، حيث استطاع حزب العدالة استقطاب حزب الحركة القومية إلى جانبه، كما أضعف حزب الشعوب الديمقراطي من خلال عدم قدرة مسؤوليه على الحركة في ظل حالة الطوارئ بسبب علاقاتهم مع حزب العمال الكردستاني، وبالتالي لم يبق سوى حزب الشعب الجمهوري بقيادة كمال كليجدار أوغلو، الذي قاد مسيرة تحت اسم العدالة من أنقرة إلى إسطنبول ولكن الدولة وفرت لها كل سبل النجاح حتى نهايتها مما فند دعاوى الاستبداد بشكل غير مباشر، حيث إن نجاح المسيرة التي استمرت قرابة شهر دون مشاكل يعد دليلاً على ذلك. كما سقط حزب الشعب الجمهوري في فخ آخر حيث دعم الإرادة الشعبية بعد الانقلاب مباشرة لكنه وجد ذلك يصب بشكل حصري في خدمة حزب العدالة والتنمية فتراجع عن ذلك وتبنى رواية جديدة وهي أن الانقلاب كان مدبراً من الدولة، وبهذا وضع نفسه في مكان مختلف عن التوجه الشعبي الذي يعد إفشال الانقلاب إنجازاً تاريخياً قام به الشعب التركي.

من زاوية دولية جلب الانقلاب تعاطفاً شعبياً مع تركيا في دول الشرق الأوسط، وتعاونت بعض الدول والمؤسسات الدولية من ضمنها مجلس التعاون الخليجي مع تركيا في ملاحقة جماعة غولن، لكن الموقف الغربي وتحديداً الأوربي كان سلبياً، ولكن تركيا لم تعبأ به كثيراً واستمرت في سياستها، وركزت أكثر على اختيار موقف متوازن يحقق مصالحها دون المساس بعلاقاتها مع كل من واشنطن وموسكو، وهي من خلال ذلك تحاول لعب دور أكثر فعالية، فقد ثبتت وجوداً في الشمال السوري، وما زالت تحاول إقناع واشنطن بالتخلي عن دعم القوى الكردية، وفي الوقت نفسه تشارك في مفاوضات الأستانة بالتعاون مع روسيا من أجل احتواء الحرب وتكاليفها في سوريا.

ويمكننا القول إن تركيا بعد الانقلاب وبعد عملية درع الفرات ركزت على عدة أهداف منها منع قيام كيان كردي، ولذا جعلت ذلك تحت هدف وحدة الأراضي السورية، وقد نسقت في ذلك مع روسيا بشكل وثيق مما جعل الأولوية الأولى لها منع قيام كيان كردي، وقد أدى ذلك إلى تراجع هدف إسقاط النظام، وقد حاولت تركيا الدخول في عملية الرقة لكن كان هناك فيتو أمريكي، ولهذا تخشى أمريكا من توسع نفوذ الأتراك بعد عملية الرقة. وتدور حالياً أنباء عن التحضير لعملية سيف الفرات من قبل القوات التركية، التي ترى أن عملية درع الفرات قد نجحت جزئياً بسبب أن إمكانية وصل الكنتونات التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي ما زالت قائمة، كما أن واشنطن ما زالت تقدم الدعم والتسليح لهم ولم تفِ بوعودها حيث تكفلت بإخراجهم من مدينة منبج وهو الأمر الذي لم يحدث، ولهذا ترى تركيا حالياً أن مدينة عفرين تشكل موقعاً إستراتيجياً وتمثل أهمية كبيرة في الكيان الكردي حيث إنها ستصل هذا الكيان بالبحر المتوسط، ولهذا فإنها تعد حالياً العدة لهجمة على عفرين ولكنها تنتظر الظروف الدولية المواتية. ويبدو أنها أقرب إلى التفاهم مع موسكو حول ذلك خاصة أن عفرين تخضع للوجود الروسي وليس للأمريكي. وروسيا حالياً تحتاج إلى إبقاء العلاقات جيدة مع تركيا وتريد أن تبقى تركيا بعيدة قدر الإمكان عن واشنطن.

أما بخصوص العراق فقد نفذت تركيا عدداً من الضربات على مواقع حزب العمال في قنديل ومحيطها في شمال العراق، كما يبدو أنها تحاول التوازن أكثر في علاقاتها بين الدولة العراقية وإقليم كردستان بعد أن بدت في السابق أقرب إلى الإقليم، وقد فتحت قنوات التواصل بشكل أكبر مع الدولة خاصة بعد الحديث عن الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق الذي سيعقد في سبتمبر 2017م، حيث يعتبر التوجه العام لتركيا هو الحفاظ على وحدة أراضي العراق ورفض انفصال أجزاء عن الدولة، وقد أكدت وزارة الخارجية التركية رفضها انفصال كردستان العراق بعد انتشار أنباء عن تغيير موقفها، وحالياً توجد عدة خطوات عملية نحو الانفتاح والتقارب مع الحكومة المركزية في العراق، حيث سيساعدها هذا في تسهيل مواجهة حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وسيسهل من مساهمتها في ترتيب أوضاع السنة في العراق، وقد طلبت تركيا المساهمة في عملية إعادة إعمار الموصل، وكانت قد هنأت قبل ذلك الحكومة بتحريرها من داعش، ولكن مع تقدم العلاقات التركية مع الحكومة المركزية ستكون تركيا أمام تحدي المحافظة على علاقاتها الممتازة مع إقليم كردستان العراق بقيادة مسعود البرزاني.

ويمكننا الإشارة في الملف الاقتصادي إلى أن تركيا حافظت على اقتصادها من الانهيار جراء المحاولة، واستطاعت تطمين المستثمرين بل وجذبت كماً كبيراً من الاستثمارات مما حافظ على عافية الاقتصاد، كما افتتحت مجموعة من المشاريع الكبرى وعادت الحياة إلى ملف السياحة المهم في تركيا من جديد.

يمكن القول إن حزب العدالة والتنمية كرس نفسه كقوة سياسية في تركيا بعد الانقلاب واستفاد من عدة فرص أتيحت له، ولكن لا يعني هذا أنه تجاوز كل العقبات، فما زالت أمامه خلافات مع أوربا ومع واشنطن تشكل له تحديات كبيرة، ولهذا يمكن الختام بأن الحزب ورئيسه تحديداً حصل على فرصة وجنى بعض ثمارها ويحاول المضي قدماً في ذلك، لكن كلما تقدم تصبح الفرص محفوفة بالمخاطر أكثر ومن أهمها الخلاف مع القوى الكبرى، وهو ما يحاول الرئيس أردوغان تجنبه قدر الإمكان.