«إياك أنْ تشتغلَ بما يُصلِحُ غيرَك قبلَ إصلاحِ نفسك، واشتغلْ بإصلاح باطنك وتطهيره من الصفات الذميمة، كالحرص والحسد والرياء والعجب؛ قبل إصلاح ظاهرك. فإنْ لم تتفرغ من ذلك فلا تشتغلْ بفروض الكفايات، فإنَّ في الخلق كثيراً يقومون بذلك، فإنَّ مُهلِكَ نفسِهِ في طلب صلاحِ غيرِهِ سفيهٌ، ومثَله مثَلُ مَنْ دخلتْ العقاربُ تحت ثيابِه وهو يذبُّ الذبابَ عن غيرِهِ»[1].

إنها وصية الإمام القدوة موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى (ت 620هـ).

وهي وصية من عالم معلم مربٍ، بذل عمره في طلب العلم وتعليم الناس والتصنيف، وهو ممن تلقى العلم على علماء مربين، في زمنٍ قد بدأت الأمة فيه بالنهوض من كبوتها، ومن أولئك العلماء الذين تلقى العلم عنهم الشيخ عبد القادر الكيلاني، وصنف عدداً من الكتب المعتمدة عند الحنابلة، كالعمدة والمقنع والكافي والمغني، وأخذ عنه أساطين أهل العلم من بعده، قال عنه الذهبي: «كان عالم أهل الشام في زمانه»[2].

وهي وصية خبيرٍ في تزكية النفوس وتهذيبها من الأدواء، تمثل خلاصة ما فهمه وفحصه في تربية الناس وتزكيتهم، وزبدة ما اطلع عليه من النصوص والأقوال.

إصلاح الذات وتهذيب الروح وتزكية النفس أول جهد تربوي تقدمه للناس! وقبل أنْ تلتفت إلى إصلاح الآخرين عليك بإصلاح ذاتك التي بين جنبيك، هذا ما يراه الموفق ابن قدامة، وهو البوابة الرئيسة والوحيدة التي منها تنطلقُ في فضاء العمل التربوي، وإنَّ البدءَ بإصلاح الناس قبل النفس سفهٌ. كما يعبِّر رحمه الله تعالى عنه.

لقد أقسم المولى الكريم على أنَّ الذين يهتمون بأنفسهم ويولونها عنايتهم من الإصلاح والتزكية والتهذيب والتطهير والارتقاء بها في معارج الطاعات ومدارج العبادات؛ أنهم هم المفلحون، وأنَّ المفرِّطين في حق أنفسهم، وأهملوا تزكيتها بالقربات، ولم يربوها بالطاعات؛ أنهم خائبون، قال الله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا 1 وَالْقَمَرِ إذَا تَلاهَا صلى الله عليه وسلم2) وَالنَّهَارِ إذَا جَلَّاهَا 3) وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَاهَا 4 وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا 5 وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا 6 وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا 7 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا 8 قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا 9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 1 - 10].

لمن نترك تربية الجيل؟

هذا السؤال الشبهة الذي يرِد على المربين بعد قراءة نص الموفق ابن قدامة رحمه الله: إذا اشتغلنا بإصلاح ذواتنا عن تربية الآخرين فمن يقوم بالأعمال التربوية؟ وإذا كان كل مربٍ يرى نفسه مقصراً في طاعة الله فإن ساحة التربية ستخلو من المربين! فما العمل إذن؟ هل نربي أنفسنا فننكفئ على ذواتنا أم نربي الجيل ونقصِّر في تربية ذواتنا؟

في حقيقة الأمر ليست المسألة خياراً بين نقيضين، إما تربية الذات وإما تربية الآخرين، وإنما هي سلم تبدأ فيه بتربية الذات ثم تثني فيه بتربية الآخرين مستصحباً لتربية الذات معك. فتربية الذات هي أول الأمرين، لكنها لا تنتهي، فقد قال الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: ٩٩]. ثم تبدأ بتربية الآخرين دون توقف عن تربية الذات، بل ربما تتوقف عن تربية الآخرين وتبقى تربية الذات.

والأمر الآخر في إجابة هذا السؤال: أنَّ إصلاح الذات وتربيتها على طاعة الله وهداه سيكفيانك مؤونة الاهتمام بمسألة القدوة مع طلابك، إذ يرى الطلاب في معلمهم اهتمامه بنفسه وإصلاحه لذاته وقلبه، وسيكون هذا بحد ذاته مؤثراً للغاية.. التأثير الذي ينبغي أنْ يعيَه المربون، إذ إنَّ الاقتداء بالمربي في سلوكه وعباداته واهتماماته يمثل تأثيراً حقيقياً في شخصية المقتدي (الطالب) يفوق بأضعاف تأثره بالمواعظ والدروس والتلقين.

وهذا ابن قدامة - رحمه الله - الذي يرى إصلاح النفس قبل إصلاح الآخرين على هذا النحو، وكان بسلوكه وعباداته واهتماماته في بؤرة التأثير التربوي، إذ كان محل قدوة لطلبة العلم، وساهم بإصلاحه لنفسه في تربية جديدة جادة لطلاب العلم آنذاك. قال سبط ابن الجوزي رحمه الله: «كان إماماً في فنون، ولم يكن في زمانه - بعد أخيه أبي عمر والعماد - أزهد ولا أورع منه، وكان كثير الحياء، عزوفاً عن الدنيا وأهلها هيناً ليناً متواضعاً، محباً للمساكين حسن الأخلاق، جواداً سخياً. من رآه كأنه رأى بعض الصحابة. وكأنما النور يخرج من وجهه، كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سبعاً من القرآن، ولا يصلي ركعتي السنة في الغالب إلا في بيته، اتباعاً للسنة»، وقال أيضاً: «شاهدت من الشيخ أبي عمر، وأخيه الموفق، ونسيبه العماد: ما ترويه عن الصحابة والأولياء الأفراد»[3]. وقال ابن النجار: «كان ثقة حجة نبيلاً، غزير الفضل، كامل العقل، شديد التثبت، دائم السكون، حسن السمت، نزهاً ورعاً عابداً على قانون السلف، على وجهه النور، وعليه الوقار والهيبة، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه»[4]. وعن أخلاقه وعبادته قال الضياء المقدسي: «وما علمت أنه أوجعَ قلبَ طالبٍ، وكانت له جارية تؤذيه بخُلُقها فما يقول لها شيئاً، وأولادُه يتضاربون وهو لا يتكلم، كان حسَن الأخلاق، لا يكاد يراه أحدٌ إلا متبسماً، يحكي الحكايات ويمزح، وسمعت البهاء يقول: (كان الشيخ في القراءة يمازحنا وينبسط، وكلموه مرة في صبيان يشتغلون عليه، فقال: هم صبيان ولا بد لهم من اللعب، وأنتم كنتم مثلهم). وكان لا ينافس أهل الدنيا، ولا يكاد يشكو، وربما كان أكثر حاجة من غيره، وكان يؤْثِر. وسمعت البهاء يصفه بالشجاعة، وقال: (كان يتقدم إلى العدو، وجُرِح في كفِّه، وكان يرامي العدو). وكان يصلي بخشوع، ولا يكاد يصلي سنة الفجر والعشاءين إلا في بيته، وكان يصلي بين العشاءين أربعاً بالسجدة ويس والدخان وتبارك، لا يكاد يُخلُّ بهن، ويقوم السحَر بسُبْعٍ، وربما رفع صوته، وكان حسن الصوت»[5].

أسألك أخي القارئ: هل كان انشغال الموفق ابن قدامة رحمه الله بذاته عائقاً له عن التأثير على الآخرين؟

الجواب: لا. إذ لا يزال الناس إلى اليوم يقتاتون عليه في الفقه والآداب والرقاق، فتأمل بركة إصلاح النفس وتأثيرها على إصلاح الغير.

ولولا خشية الإطالة لذكرت شاهداً آخر، هو الإمام النووي رحمه الله، والشواهد غيره كثيرة، في تسليط ضوئها على ذاتها، وقوة تأثيرها على غيرها. والله المستعان.

القدوة وعمق التأثير:

إذا كنا نطالب بتغليب جانب القدوة على جانب التوجيه المجرد في العمل التربوي فإنَّ شواهد تراجم الأئمة وأهل العلم والمصلحين والمجددين المعروفين تأتي في هذا الاتجاه، إذ كان شغلهم بأنفسهم بغرض إصلاحها وتهذيبها وتنميتها والارتقاء بها يعتبر لديهم الباب الأول من أبواب التربية، ورأس الهرم في عمليات التغيير وإصلاح المجتمع.

نعم، ربما الأشخاص الذين ينشغلون بذواتهم إصلاحاً وتهذيباً يكونون أقل احتكاكاً بالآخرين ومباشرة لهم، وبذلك تقلُّ دائرة التأثير الأفقية في ظرفهم الزماني، لكن المؤكد واليقين أنَّ تأثيرهم الرأسي في من حولهم يزداد قوة وصلابة، ثم يضع الله لهم بركة في التأثير، تمتد دون مبالاة بحاجز المكان والزمان.

ولذا تجد في عبارات واصفيهم ما يدلُّ على تأثيرهم في الآخرين بفضل سلوكهم، أو كما عبَّر ابن النجار - رحمه الله - عن ذلك بقوله السابق: «ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه».

وابن الجوزي له كلام في غاية الأهمية في هذا السياق، إذ يقول: «لقيت مشايخ أحوالهم مختلفة يتفاوتون في مقاديرهم في العلم، وكان أنفعَهم لي في صحبةٍ: العاملُ منهم بعلمه، وإن كان غيره أعلم منه. ولقيت عبد الوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف لم يسمع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث، وكنت إذا قرأتُ عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه، فكان - وأنا صغير السن حينئذ - يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل.

ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت، شديد التحري في ما يقول، متقناً محققاً، وربما سئل الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه فيتوقف فيها حتى يتيقن، وكان كثير الصوم والصمت، فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما.

ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول.

ورأيت مشايخ كانت لهم خلواتٌ في انبساطٍ ومزاح، فراحوا عن القلوب، وبدَّد تفريطُهم ما جمعوا من العلم، فقلَّ الانتفاع بهم في حياتهم، ونُسوا بعد مماتهم، فلا يكاد أحدٌ أن يلتفت إلى مصنفاتهم.

فالله الله في العلم بالعمل فإنه الأصل الأكبر، والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في عِلمٍ لم يعملْ به، ففاتته لذات الدنيا وخيرات الآخرة فقدِم مُفلساً؛ مع قوة الحجة عليه». الله المستعان! اللهم ألهمنا رشدنا!

إنَّ مفهوم القدوة في جوهره يعني العودة إلى الذات وإصلاحها وتكميلها بالعمل الصالح وتزكية النفس من الخوارم وتطهير القلب من الشوائب، وإنَّ قانون القدوة في حقيقته هو: «أصلح نفسك وسيصلُح من حولك»، هكذا قرره القرآن الكريم حين تناول ابتلاء إبراهيم بالوحي، قال الله تعالى: {وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِـمِينَ} [البقرة: 124]. لقد كان ابتلاء الله تعالى لإبراهيم عليه السلام أن أوحى إليه بالشرائع والأعمال، فلما أتمها إبراهيم على أحسن وجهٍ - كما قال الله تعالى في وصفه: {وَإبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] - جعله الله تعالى إماماً للناس وقدوة يقتدي به الناس إلى قيام الساعة.

بين القدوة وإصلاح النفس:

يتعنى بعض المربين في أنْ يظهر أمام طلابه بالسمت الحسن والأعمال الصالحة كي يقتدوا به، ويفعلون ذلك بحسن نية وطهارة مقصد، وبظنٍ منهم أنَّ ذلك مطلوب في التربية الإسلامية، بينما في حقيقة الأمر أنَّ المطلوب هو إصلاح النفس حقيقةً وحملها على جادة الصواب، وأطرها على الحق أطراً؛ ابتغاء الأجر والثواب من الله وحده، وأنْ يكون العامل متلمساً للإخلاص والتجرد، اللذين يعبر عنهما بإخفاء الأعمال الصالحة قدر الإمكان.

إن القدوة لا تصنع ولا تتكلف ولا يُسعى إليها، إنما هي نتيجة طبيعية للمجهود الذي يقوم به المربي المقتدى به في سبيل إصلاح نفسه وسيره إلى الله تعالى، فهو محبٌ للصلوات مواظب على فعلها كما أمر الله، محافظ على سننها الرواتب ووترها، مستزيد من النوافل، كثير الذكر لله، مستزيد من التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، يبتغي بذلك القربى من الله تعالى، لا يتخلف عن حزبه من كتاب الله، دائم الإحسان عفيف الأخلاق، كافٌ نفسه عن المحارم، متورع في معاملاته، إلى غير ذلك من أبواب الخير التي ترتفع بها درجاته عند الله؛ فالعناء والجهد هما في ذلك المجهود الذي يبذله المربي تقرباً إلى الله مستشعراً قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْـحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: ٦].

إنَّ المطلوب الحقيقي من المربي هو أنْ يكون صالحاً وليس المطلوب منه أنْ يكون قدوة، فإذا أصلح المربي نفسه فلا محالة أنَّ الآخرين سيقتدون به، شاء أم أبى. بل كلما ازداد المربي صلاحاً مقت نفسه ولم يرها أهلاً لأنْ يُقتدى بها، أما الآخرون فإنَّ أعينهم لا تمل من النظر إلى سمته ودلِّه.

إنها دعوة إلى الاهتمام بالباب الأول من أبواب العمل التربوي، ألا وهو إصلاح النفس وتزكيتها. فاللهم! آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. آمين.

 

 


 


[1] مختصر منهاج القاصدين 1/10.

[2] سير أعلام النبلاء 22/167.

[3] الذيل على طبقات الحنابلة 3/284.

[4] الذيل على طبقات الحنابلة 3/284.

[5] سير أعلام النبلاء 22/171.