في دراسة سيلفا وماكنفين (Silva and McNevin) للمدارس القرآنية ضمن برنامج اليونسكو لمكافحة الأمية، كونها أحد أهم الحلول للحد من استشراء الأمية في العالم، والإسلامي منه خاصة بعد أن سعى الاستعمار وحلفاؤه إلى تقويض وإضعاف بنيتها؛ قدما دراسة ميدانية حول دور المدارس القرآنية التابعة للمجتمعات المحلية في مكافحة الأمية وخصائصها[1]. فمنذ القرن السابع الميلادي حتى بداية عصر الاستعمار في السودان والمدارس القرآنية تقوم بالدور الأمثل في تعليم الناس بالمعارف الأساسية وتدريبهم للقيام بأعبائهم في مجتمعاتهم المسلمة. ولقد كان تعلم القرآن هو المنهج الأساسي لهذه المدارس. وقد جلب الاستعمار معه نظامه التعليمي الذي كان يهتم بجوانب مختلفة من التعليم، ولو أن التعليم الإسلامي لم يخل في تاريخه من مواد مثل الرياضيات والعلوم وغيرها، ولكن الاستعمار استولى على العالم الإسلامي في عصر انحطاطه الثقافي والسياسي والاقتصادي، وذلك أن الإسلام يدعو دائماً لتدبر الكون والحياة والنفس البشرية وغيرها. بل لقد حوى القرآن حقائق علمية يعتبرها علماء العصر الحديث معجزات علمية لا يمكن لعالم قبل أربعة عشر قرناً أن يصفها بتلك الدقة المتناهية، وقد استمرت المدارس القرآنية بحسب قول سيلفا وماكنفين خلال فترة الاستعمار، وذلك لأن البريطانيين لم يأبهوا لتعليم السكان الأصليين واستيعابهم في مدارسهم ذات النظام المختلف، كما أن كراهة الاستعمار ومؤسساته قد جعلت السكان الأصليين يفضلون المدارس القرآنية[2]، وقد كان لتلك المدارس البسيطة في مناهجها المتواضعة في إمكاناتها الدور الكبير في انتشار التعليم لقطاعات كبيرة. وكان من خصائص المدارس القرآنية بحسب دراسة سيلفا وماكنفين:

لا يدرس القرآن كنص عادي، بل كمصدر للتعليم والإيمان والتقوى والسلوك.

يتميز التعليم في المدارس القرآنية باعتماده على نظام متميز، لا يعتمد فقط على المدرس، بل يشارك فيه الطلاب المتقدمون في دراستهم لرعاية الطلبة الجدد، وتعليمهم الأساسيات مثل حروف الهجاء.

تمتلك المدارس القرآنية القدرة على تجاوز الصعوبات التي تواجه المدارس العادية مثل عامل اختلاف السن، فهي مدارس تمهيدية أساسية، وأيضاً مدارس لمحو الأمية عند الكبار، فلا توجد أي معوقات عمرية عند الالتحاق والتخرج من هذه المدارس.
يتدرب الطلاب في هذه المدارس على تحمل المسؤولية منذ سن باكرة، وذلك خلال العمل في مزارع المدرسة في المناطق الريفية، وإحضار الماء والحطب، وتجهيز الطعام، وغسل الملابس، وفي بعض المجتمعات يقوم الطلاب بصناعة الأقلام والحبر باستخدام المواد الأولية المحلية.

كانت بعض المدارس القرآنية تجمع بين العلوم الحديثة، والمقررات المعتادة. كما كانت تقدم تدريباً مهنياً وتقنياً.

بالإضافة إلى تجاوز هذه المدارس لحواجز السن، فقد تجاوزت أيضاً حاجز اليوم الدراسي، فالدراسة تبدأ منذ الفجر وتنتهي في المساء، وذلك لتفرغ كبار السن في المساء. بل إنني قد اطلعت على مدارس قرآنية تستمر في الليل وخاصة في المناطق الاستوائية الحارة.
وتتميز تلك المدارس باستقلاليتها المالية، فهي لا ترهق الطلاب بدفع الرسوم الدراسية، وفرصة التعليم متاحة للجميع منذ قرون عدة، فالآباء يتبرعون لهذه المدارس[3]

وبعد خبرة طويلة في دراسة أساليب التعليم، وكونه مدير المعهد العالمي لمحو الأمية، فقد قام دانيال واقنر - ذو الخبرة المتميزة في دراسة المدارس القرآنية في العالم الإسلامي - بعمل دراسة ميدانية تجريبية للإجابة على سؤالين أساسيين في ما يختص بدور المدارس القرآنية وأثرها على الطلاب في المغرب العربي، هما:

هل هناك تأثير للتعليم القرآني على مهارات الحفظ لدى الأطفال الذين يلتحقون بالمدارس القرآنية؟
هل للتعليم القرآني آثار سلبية على تعلم الأطفال في المدارس لاحقاً؟[4]

وبحسب قول واقنر، فقد أجريت دراسات عديدة، ولكنها لم تكن شافية لكونها لم تكن تطبيقية تجريبية، خاصة وأنها كانت مبنية على انطباع بأن الاستظهار الميكانيكي من خلال حفظ النصوص دون عميق فهم أو تحليل يعتبر أسلوباً غير كافٍ لحفظ المعلومات في الذاكرة.
كما يذكر واقنر أن هناك دراسات عديدة قد أجريت على تأثيرات التعليم بمفهومه الغربي كما هو مطبق في المدارس النظامية في كثير من دول العالم على المهارات الإدراكية والعقلية للطلاب، وذلك في ما يتعلق بالعلاقات المنطقية وقدرة الذاكرة، والقدرة على الاستنتاج وغيرها. ولكن الدراسات العلمية التجريبية بخصوص تأثيرات المدارس القرآنية على القدرات العقلية والإدراكية لم تحظَ إلا بجهد محدود، وذلك من خلال دراسة واحدة قام بها سكرينر وكول (1981م) من أبحاثهم على المدارس القرآنية في ليبيريا، وكان من نتائج دراستهما التي لقيت تداولاً كبيراً في أدبيات علم نفس التعليمي؛ أن الكبار الذين تلقوا تعليمهم في المدارس القرآنية خلال فترة شبابهم يتمتعون بقدرة على تذكر المقاطع اللغوية الطويلة أكثر بكثير من أولئك الذين لم يلتحقوا بالمدارس القرآنية، ويعزون سبب ذلك لأسلوب حفظ القرآن الذين تلقوه من خلال المدارس القرآنية[5]. كما أنهم لم يجدوا أي دلائل تدل على أن أولئك الذين تلقوا تعليمهم في المدارس الإنجليزية أو النظامية غير القرآنية يمتلكون قدرات حفظ أفضل من أولئك الذين تلقوا تعليمهم في المدارس القرآنية.
ولقد اهتم واقنر في دراسته التي أسماها «مشروع المغرب» بالإجابة على السؤالين اللذين طرحهما أعلاه، وذلك من خلال عمل دراسة مقارنة على الأطفال الذين التحقوا بالمدارس القرآنية في المغرب من مدة سنة إلى سنتين للفترة التمهيدية قبل التحاقهم بالمدرسة الابتدائية، وأولئك الذين لم يلتحقوا بالمدارس القرآنية أو درسوا فيها لفترة قصيرة. وقد أخذ في الاعتبار فرضية أن التعلم بطريقة التلقين الميكانيكي له انعكاسات سلبية على القدرات العقلية والإدراكية[6]. وقد ضمن واقنر دراسته نتائج اختبارات القدرة على الاستنتاج المنطقي والقدرة على استيعاب القراءة باللغة العربية خلال سنة إلى خمس سنوات من التعليم الابتدائي. وبعد إجراء تجارب على الطلاب الذين كانوا ضمن العينة من خلال استخدام سبعة أنواع من الاختبارات العقلية والإدراكية وصل واقنر إلى هذه النتائج:
أظهرت نتائج اختبار مهارات الذاكرة المتسلسلة، تفوق طلبة المدارس القرآنية بدلالة إحصائية عالية على أولئك الذين لم يلتحقوا بالمدارس القرآنية[7]

كما كانت قدرات الذاكرة التصويرية عند الطلاب من المجتمعات الريفية التي تنتشر فيها المدارس القرآنية أفضل من طلاب المدن.
وبحسب قول واقنر، فلقد أظهرت دراستنا عكس تكهنات القائلين بأن المدارس القرآنية تؤدي إلى انعكاسات إدراكية على الطلاب الذين التحقوا بها، فالدلائل الموجودة ترفض هذه النظرية تماماً[8]

بل إن أداء الطلاب البربر الذين التحقوا بالمدارس القرآنية كان يظهر تحسناً ملحوظاً مقارنة بأولئك الذين لم يلتحقوا بالمدارس القرآنية، وأن التكهنات بأن المدارس القرآنية تؤثر سلباً على القدرات العقلية لا أساس لها من الصحة. مع العلم أنه انتقد المدارس القرآنية في جوانب أخرى، وذلك بسبب الموارد المالية المحدودة، حيث تفتقر للطاولات والكراسي، ودورات المياه وغيرها. وبعض مدرسيها يفتقرون لطرق التدريس، ولكن ذلك أمر مختلف تماماً عن المزاعم الخاصة بالقدرات العقلية التي تطلق جزافاً. وهذه الانتقادات يمكن تفاديها إذا وجدت هذه المدارس دعماً مالياً أفضل[9]

ويعقب بأن دراسته تتفق مع دراسة سكينرز وكول (1981م) التي تقرر أن تلاميذ المدارس القرآنية يتفوقون على زملائهم الذين لم يحظوا بالالتحاق بالمدارس القرآنية في قدراتهم العقلية من خلال الذاكرة التسلسلية، وهذه الدراسات تمثل خطوة متقدمة في مجال تطوير التعليم، خاصة أن كثيراً من التربويين المغاربة - بحسب زعم واقنر - يرون أن هذه المدارس من بقايا الماضي العتيق، والسؤال الذي يطرح نفسه، هل سوف يتم التعامل مع هذه المدارس بطريقة تضمن استمرار عطائها وتفوقها برغم إمكاناتها القليلة لتمثل موارد تعليمية كافية وخياراً أمثل للتعليم كما ذكر واقنر.

وختاماً فقد كانت هذه الورقة استعراضاً مختصراً لتصور بعض المنظمات الدولية والقامات العلمية العالمية للدور الذي قامت به المدارس القرآنية بأشكالها المختلفة في توفير بيئة تعليمية ساهمت بفاعلية في نشر التعليم ومحاربة الأمية بين فئات متعددة من المجتمعات المسلمة. ومع ما بذلته السياسات التعليمية الاستعمارية في وأد هذه التجارب التعليمية الرائدة إلا أنها قاومت تلك الهجمات المجحفة ولقيت كثيراً من الإنصاف بعد زمن من الخذلان.

ووفقاً لمنظمة اليونسكو على موقعها الرسمي، فإن الذين يفتقدون الحد الأدنى من التعليم يصل عددهم إلى 775 مليوناً. وأشار تقرير World Atlas أن غالبية الدول الخمس وعشرين ذات مستوى الأمية الأعلى في العالم هي دول إسلامية. ومع اعتراف مؤسسات عالمية مهتمة بمحو الأمية في العالم بأن نظام المدارس القرآنية من أيسر وأنجع السبل لنشر التعليم الأساسي ومحو الأمية وبوسائل وميزانيات محدودة، إلا أنها وللأسف ما زالت مهملة بل ومحاربة في كثير من البلدان تحت ذرائع واهية نفتها الدراسات العلمية الميدانية، بينما أصدرت دور نشر عالمية ومجلات علمية أعداداً ليست بالقليلة من الكتب والأبحاث والدراسات تحلل فيها هذه المدارس وتتعرف عليها كتجربة تربوية وتعليمية وثقافية ثرية وفريدة، ذكرت في ثنايا هذه الورقة بعضاً منها، ومن الدراسات العلمية الجادة تلك التي قامت بها الباحثة الأمريكية هيلين بويل والتي أجرتها على مدى عدة سنوات وشملت المغرب واليمن ونيجيريا، وقد خرجت هذه الدراسة في كتاب بعنوان «المدارس القرآنية: مصادر المحافظة والتغيير»[10]


________________________________________
[1] Peggy Silva and Wenda Mc Nevin. “UNESCO’s Mobilization Project to Combat Illiteracy: Igniting the Spirit of Exchange.” UNESCO, Paris, Basic Education Divition, 1994, P. 15.

[2] Silva and McNevi, P. 16.

[3] Silva and McNevin, PP. 15-96.

[4] Daniel Wagner. Litracy Culture and Development: Becoming Literate in Morocco. New York: Cambridge University Press,(1993), P. 272.

[5] Wagner, 1993, P. .273

[6] Wagner, 1993, P. 273.

[7] Wagner, 1993, PP. 276-277.

[8] Wagner, 1993, P. 278.

[9] Wagner, 1993, PP. 279-281.

[10] Helen N. Boyle. Quranic Schools: Agents of Preservation and Change. RoutledgeFalmer: New York and London, 2004.