لا يحتاج المتأمل في الوضع السوري إلى الكثير من الوقت ليدرك أن البلاد ترزح تحت نير احتلال متعدد الأطراف، وأنها تحت سيطرة عسكرية كاملة، بل باتت مسرحاً لصراع القوى الداعمة لنظام الأسد، إيران وروسيا، ولا يخفى دخول أمريكا على الخط بدعمها للانفصاليين الأكراد في الشمال وبتدخلها المباشر عبر ضربات لم تنتظر لها تفويضاً من مجلس الأمن.

فالحاكم الفعلي لسوريا هو الجيش الروسي، والمليشيات الإيرانية، كقائد فعلي في المؤسسات الحاكمة الفاعلة، والمطارات، والقواعد العسكرية، ولا تكاد بقايا رجالات النظام تتعدى كونها منفذاً لأوامر تلك السلطات.

وما إبلاغ أمريكا لموسكو عن الضربات التي تود تنفيذها على مطار الشعيرات بريف حمص إلا دليل يضاف إلى أدلة لا تنتهي ولا يخفيها ولا ينكرها أي طرف، على تواطؤ مقيت.

وإن حجة الولايات المتحدة بأنها تردع الأسد عن استخدام السلاح الكيماوي خدعة مكشوفة روجت لها لإخماد التوتر الشعبي المطالب بالتدخل لوقف حمام الدم السوري، وإنما الهدف من ورائها والذي تحكيه السياسات الأمريكية المعروفة في المنطقة أن تقول لروسيا أنا هنا.

وما أطفال خان شيخون في إدلب إلا حلقة من سلسلة أطفال سوريا المتوزعين بين غريق، ومخنوق، ومحترق بالنابالم، ومصاب بالرصاص أو الشظايا، أو ميت تحت التعذيب، أو يتيم يتجرع كأس المرارة والفقد عمراً طويلاً، ولعله أكثر رحمة ورقة من مشاهد الدماء والأشلاء.

بدأت الثورة السورية بقدر رباني قاد أطفالاً ليكتبوا على الجدران عبارات سمعوها من الإعلام الذي يغطي ثورتي تونس ومصر، ودون أن يخطر على بال سوري أن يدعو حتى مجرد دعوة للتفكير في بدء ثورة لشدة ما زرعه النظام من رعب في نفوس مواطنيه نتيجة القمع والقهر والتسلط والتعذيب والمعتقلات التي تفيض قيحاً وأنيناً.

وعندما بدأت الثورة، وحتى اللحظة لم تشترك بها كل شرائح الشعب السوري، ولم ينضم لها كل السوريين، فلكل منهم نظرته ومخاوفه وخلفياته التي اعتمد عليها وحددت نظرته وقراراته تجاه ما يحصل، وما زالت تفعل.

بدأت الثورة عفوية دون مخططات، وإن كانت النفوس تشتهيها وتتخيلها واقعاً، ووجد الشعب نفسه - بعد تطور أحداث اعتقال أطفال درعا وتعذيبهم وإهانة ذويهم - مضطراً لخوض غمار الثورة، رداً ودفاعاً عنهم، وتداعى الشرفاء وأصحاب المبادئ والشجعان بداية ليكونوا الشرارة التي أشعلت لهيب الثورة، وكانوا وقودها لزمان طويل.

خوف النظام وداعميه في هذه المرحلة كان الأشد، فقد كانت الثورة سلمية وحقيقية، ولا مجال لمناهضتها من قبل أي من دول العالم، وقد ساهم النشطاء في تعزيز صورتها أمام العالم أجمع بما بثوه من فيديوهات وصور تثبت سلميتها، لذا كان لا بد من التحرك لطمس صورتها المشرقة والنيل منها.

بدأ النظام باستخدام السلاح رداً على المظاهرات السلمية، وفي الوقت ذاته تم إغراء الشباب المتحمس لإدخال السلاح، وسهل لهم الأمر، وأخرج النظام أتباعه ممن يدعون بالجهاديين ليشتركوا في الفوضى التي استطاع إحداثها وجر أطراف كثيرة إليها، وانهال الدعم المشروط وأجنداته المتناقضة، وبالتالي قلبت الطاولة على الصورة الجميلة التي رسمها الشباب الأول، وتم تحويلها إلى حركة مسلحة يسهل اتهامها بالإرهاب والادعاء بأنها تحارب نظاماً يقاوم الإرهاب العالمي نظراً لانتماء أبنائها إلى الطائفة السنية، فهدأ بال الدول التي تريد للمنطقة بأسرها أن تبقى تحت نير الفوضى والخراب والبعد عن العيش الكريم الرغيد والحريات والديمقراطيات لأن في هذا انتهاء لمصالحها فيها.

انخرط الشباب في الثورة - التي تم تسليحها - مجبرين، ولم يعد هناك مكان لثورة سلمية أرعبت العالم بنقيها وأصالتها، لكن بقيت الثورة ثورة، لأن شبابها كانوا ينتمون إلى بلادهم فقط، دون أيدلوجيات يستطيع العالم اتهامها بالإرهاب من خلالها، فكان لا بد من تسهيل دخول هؤلاء القادمين أصلاً من بلاد الغرب، وقد دربوا على تحويل البلاد إلى فوضى تماماً كما حدث في أفغانستان من قبل.

أما عن فئات الشعب السوري فكما أسلفنا فإن فئة أقدمت ودون تردد في الدخول إلى حرم الثورة، تلك التي كانت تتعطش لنيل حريتها وحقوقها وكرامتها التي طالما أهدرها نظام الأسد عبر قمع لا مثيل له، أضف إليه تدمير المجتمع السوري المسلم صاحب الطموحات والآمال، وطعن أي فكرة تروج لنهضته أو تبنى على أسس ارتقاء لهذا البلد، وكانت تلك الفئة الوقود، وقد استعدت للتضحيات وقدمتها، وما زالت تقدم وترضى وتحتمي بالصبر والأمل، والمزيد من التضحيات.

وفئة أخرى لم تكن راضية تماماً عن الأمر، وكانت تعلم مسبقاً أن الثورة ستواجه بعنف لا حد له، وأن العالم سيدعم النظام الذي يحمي حدود الكيان الصهيوني، ويتكفل بإخماد علاقة الشعوب بدينها، وحتى مجرد رغبتها بتقوية وتطوير مجتمعها، فكانت راضية بما تيسر لها من قدرات معيشية تبقيها على قيد الحياة وتكفل لها تعليم أولادها وأن يجدوا لهم بعدها عملاً يقتاتون منه، دون أن يفكروا في تحسين مستوى مجتمعهم أو بلدهم، ودون أن تتطرق بهم أفكارهم إلى أمور الحكم أو التشريع أو غيرها مما سجل باسم طائفة واحدة هي طائفة النصيريين، ولعل الطائفة الشيعية بدأت بدخول إيران بمصمصة شفاهها كذلك، وقد بقي فريق من هذه الفئة في البلد كما هو لا يتدخل في شؤون السياسة خوفاً لكنه يعاني كما الفئة الأولى من قسوة النظام نظراً لانتمائه للمكون السني، فالاعتقالات والغلاء والتدمير وسرقة الممتلكات والقتل لم تميز بين فئات الشعب تمام التميز، ولم تكشف عن الصدور، وإن كانت معاناتها أقل قليلاً، وقد خرج قسم كبير من هذه الفئة نحو المنافي فتغير موقف البعض بعد أن زال حاجز الخوف، وبقي الأغلب على اهتماماته المادية، ولونه الرمادي، وصمته المطبق تجاه ما يراه ويسمعه من جرائم ووحشية بحق أهله وأبناء شعبه.

وفئة ثالثة كانت وما زالت تؤيد نظام الأسد، وهي موجودة منذ أن استطاع النظام أن يربط مصالحها بوجوده، ويستخدم الكثير من أبناء الشعب لمنفعته، وأن يسلطهم كذلك على شعبهم كجواسيس وخونة، أو مروجين لسياساته ومنادين بألوهيته ومحبته، وأنه الأصلح والأوحد القادر على إدارة بلد يعج بالطوائف، متناسين أننا عايشنا هذه التشكيلة أو ما يعبر عنه بالفسيفساء منذ قرون طوال، ولم تكن الاختلافات لتؤثر أو تحدث ما أحدثته من فرقة وبغضاء كما فعلت خلال عهد الأسد وطائفته، وهذه الفئة حكمت على نفسها بوحدة مصيرها مع مصير الأسد لأنها تورطت في جرائمه من خلال دعمها له بشتى السبل المادية والمعنوية فباتت منبوذة من الشعب، وحكمت على ذريتها بالذل الأبدي ما لم تأخذ زمام المبادرة بالانشقاق والانضواء تحت لواء الشعب المنهك ظلماً والصابر على الجمر أملاً وثقة بوعد الله بنصر مبين.

وإلى هذه اللحظة ما تزال الفئات الثلاث هي ما يشكل المجتمع السوري، أولاها التي اندفعت حباً نحو الثورة ما تزال في المقدمة وفي الميدان، تفخر بعطاءاتها وتضحياتها معتبرة إياها وسام شرف في الدنيا وذخراً لها يوم الحساب الأكبر دون أن تندم أو تتزلزل أو تتزعزع بل تقدم للصبر فنوناً ودروساً، والفئة الصامتة الرمادية والتي تتألم بصمت جراء ما ينالها من ظلم وذل متطلعة إلى خلاص قريب، والفئة التي تضرجت بالخيانة وربطت مصيرها بمصير القتلة وترجو أن يستمر زمان الظلم أو يأتي ما يقلب سواد صورتها إلى بياض بمعجزة.