في مطلع القرن السادس عشر، واجه المسلمون ثلاثة أخطار عظيمة ومفزعة، داهمتهم في وقت واحد، وهددت وجودهم ومصيرهم، الأول: صعود الصليبية الإيبيرية (الإسبانية - البرتغالية) في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي والمحيط الهندي، والثاني: صعود الصليبية الروسية في الشرق، والثالث: قيام الدولة الصفوية في إيران.

صعود الصليبية الإيبيرية:

كان ذلك بعد سقوط غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس سنة 1492م، في أيدي الإسبان الكاثوليك، وقد تزامن ذلك، مع اكتشاف الإسبان والبرتغاليين للعالم الجديد، وإبادتهم لمعظم سكانه، واستعمارهم له، ونهبهم لخيراته وموارده، ومن ثم توظيف هذه الموارد الضخمة، وخصوصاً أطنان الذهب والفضة، مضافاً إليها موارد إفريقيا والهند والصين وجنوب شرقي آسيا، في الحرب ضد المسلمين، وذلك بعد اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح، ودورانهم حول إفريقيا، ووصول سفنهم الضخمة ذات التقنية الحديثة والمزودة بالمدافع الثقيلة، والتي ترفرف عليها راية الصليب، إلى سواحل إفريقيا الشرقية، ثم الانطلاق منها إلى سواحل الهند، وسيطرتهم على قواعد إستراتيجية هناك، وتأكيد سيطرتهم على أعالي البحار والمحيطات الشرقية، وعلى تجارة التوابل، والقضاء على تفوق العرب البحري والتجاري، وتدشينهم لأحقر تجارة عرفها التاريخ، وهي تجارة العبيد[1]، التي كان من نتائجها اعتناق هؤلاء للمسيحية، وإفقار إفريقيا، وإخلاء مناطق واسعة في القارة من سكانها، وكل ذلك قد جاء في إطار خطة صليبية، مدعومة من قبل البابا تسمى «خطة الهند»، كان من أبرز أهدافها تطويق العالم الإسلامي من الخلف أي الجنوب والشرق، ثم الاندفاع عبر البحر الأحمر، إلى مركزه الأول في مكة والمدينة وتدميرهما، ثم الزحف شمالاً لاستعادة بيت المقدس، إلى الكنيسة المقدسة - زعموا -، ومن ثم القضاء على الإسلام وسحقه، وحسم المعركة معه نهائياً، وإلى الأبد، وتحقيق هاجس «انتصار المسيحية العالمي»، الذي كان يراودهم، بحيث لا يبقى على ظهر الأرض، سوى دين واحد، هو الدين المسيحي، ولا حضارة سوى حضارة واحدة، هي الحضارة الأوربية المسيحية. وكان هذا هو الباعث الرئيس، الذي قاد أوربا لركوب المحيطات الغامضة، ذات الأمواج العاتية، واكتشاف أمريكا، والدوران حول إفريقيا، والتضحية بالنفس والوقت والجهد في الإبحار الطويل نحو الشرق، وهو الحلم الأسمى، الذي راود خواطر الأوربيين بكثير من الإغراء، خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. أما الأغراض المعرفية (الكشفية)، التي يزعمون لنا في مؤلفاتهم أنها كانت سبب هذه الحملات البحرية، فهي تضليل وتمويه، فلم يكن لهذه الأغراض، الأهمية نفسها، التي بلغتها الرغبة في محاربة الإسلام والقضاء عليه حيثما وجد[2].

صعود الصليبية الروسية:

كانت روسيا في القرن الرابع عشر خاضعة لسيادة المسلمين التتار، الذين اعتنقوا الإسلام وتحمسوا له، وحكموا باسمه أمداً طويلاً[3]، وكان الخان التتري يفرض الجزية السنوية على الأمراء الروس. وفي عام 1328م استطاع أمير موسكو إيفان الأول أن يقنع الخان التتري (أزبك) بمنحه لقب الأمير فلاديمير العظيم، نظير تحمسه وإخلاصه في جباية الجزية من الأمراء الروس. وعندما آل أمر التتار إلى الضعف بشكل تدريجي، ظهرت عدة إمارات مستقلة أهمها موسكو، التي تمردت فيما بعد على حكم التتار، فقامت الحرب بينها وبين دولة قازان التترية، فوحد الروس جهودهم، وهزموا التتار عام 1380م، وامتد الصراع الدموي بين دولة المسكوف ودولة التتر بعد ذلك قرابة مئة عام. ونظراً لما تميز به الروس من طموح، وشجاعة عسكرية، ولشغفهم بالحرب والإغارة والتوسع، ولطابع الوحشية الذي كان لا يزال يغلب عليهم، وإيمانهم بأن الحكم النهائي للقوة»[4]، وأيضاً لوجود الرغبة الصليبية المجنونة التي تحركهم بعد سقوط القسطنطينية، فقد انتهت حروبهم الطويلة مع المسلمين التتار، بإعلان استقلال موسكو عام 1480م، وذلك على يد إيفان الثالث (1462-1505م). وكان التتر حينئذٍ قد ضعفوا بسبب منازعتهم الداخلية، وصاروا أعجز في مواجهة التحدي، ثم جاء إيفان الرابع (الرهيب) العقل المدبر للإمبراطورية الروسية، فوحد روسيا، واتخذ لقب القيصر، وجعل موسكو عاصمة له، وذلك في العام 1547م، ثم أعاد تنظيم جيشه، فشن حملة صليبية على جيرانه المسلمين، واستولى خلالها على قازان عاصمة التتر، وقضى على دولة التتار على ضفاف نهر الفولجا عام 1556م، وضمها لإمبراطوريته، وقد عرُف هذا القيصر بالرهيب لقوة اندفاعه خارج الدائرة الروسية، بصورة بثت الرعب في قلوب جيرانه. ومن ثم دخول روسيا القيصرية حلبة الصراع ضد الإسلام في الشرق، وطموح الروس، حكاماً ورجال دين، لاستعادة دور ومكانة الإمبراطورية البيزنطية الآفلة، واعتبارهم روسيا حامية للأمم الأرثوذكسية، وللشعوب السلافية، وتدشينهم لأعنف حملة صليبية ضد جيرانهم المسلمين في القوقاز، لإخضاعهم وفرض المسيحية الأرثوذكسية عليهم بالقوة، مع سعيهم الدؤوب للوصول إلى المياه الدافئة في البحر الأسود وبحر قزوين، وطموحهم لاستعادة القسطنطينية، ومضايق البسفور والدردنيل والقضاء على الدولة العثمانية[5].

قيام الدولة الصفوية:

في عام 1501م قامت الدولة الصفوية الشيعية في أذربيجان واتخذت من تبريز عاصمة لها، ثم لم تلبث حتى اكتسحت إيران كلها وفرضت التشيع على أهلها بالقوة، ثم استولت على بغداد وجنوب العراق وخراسان[6]. وقد استخدم الصفويون إلى جانب القزلباش جيشاً ضخماً من الأرمن والجورجيين المعروفين بعدائهم الشديد للإسلام والمتحينين الفرصة للانتقام من المسلمين تحت أي راية. وفي قمة توسعه وغطرسته، قام الشاه إسماعيل بالتحالف مع البرتغاليين، الذين كانوا أشد القوى الصليبية خطراً على العالم الإسلامي حينذاك، مما أدى إلى تقوية الوجود البرتغالي في الخليج العربي. وقام الصفويون بتدمير ما تبقى من المؤسسات والمراكز الدينية والثقافية، التي لم تطلها معاول المغول من قبل، وذلك في كل المدن والحواضر الإسلامية التي دخلوها، وعلى رأسها بغداد، أهم المراكز الحضارية للإسلام منذ القرن الثاني الهجري، وعاثوا فيها فساداً، وقتلوا وشردوا الكثير من سكانها المسلمين (السنة) وفي مقدمتهم العلماء والأدباء والفضلاء، وأعلنوها حرباً شاملة لا هوادة فيها، ضد المسلمين (السنة) وكل ما يرمز لهم. وكان القضاء على الكتب والمكتبات جزءاً من هذا المخطط الرهيب. وأما من تبقى من السنة تحت حكمهم، فقد قدّر لهم أن يعانوا ألواناً شتى من المآسي والفواجع وضياع الهوية[7]. وقد نتج عن قيام الدولة الصفوية خروج الشيعة الإثنى عشرية من التقية لأول مرة في تاريخهم، وترتب على ذلك حدوث اضطرابات واسعة ومزلزلة في المشرق الإسلامي، بما فيه اليمن، والذي صعد فيه نجم الشيعة الزيدية، بالتزامن مع صعود الصفويين، بصورة لم يسبق لها مثيل، وشنوا حرباً لا هوادة فيها ضد أهل السنة في تهامة واليمن الأسفل[8]. وقد تعرضت الدولة العثمانية لأشد المؤامرات خطورة من قبل الصفويين، وبات مصيرها مجهولاً، لأن الانفجار حدث في أعماقها، ولم يأتها من الخارج، وكان أعنف تلك الانفجارات فتنة «شاه قولوا»، أي عبد الشاه عام 1511م، الذي سماه العثمانيون «شيطان قولوا» أي عبد الشيطان. الأمر الذي أدى إلى إجبار سلاطين الدولة العثمانية على تجميد وإلغاء الكثير من خططهم الطموحة والمتعلقة بمواصلة الفتوح في أوربا، والانصراف لمجابهة التحدي الداخلي الأخطر والأبرز، وهو التحدي الصفوي، ثم يتقدمون بعد ذلك، ليضموا الشام ومصر والحجاز لدولتهم الصاعدة، ويقضوا على دولة المماليك التي كانت تعاني من أعراض الشيخوخة، حينذاك، والتي عجزت، نتيجة لذلك، عن مواجهة الخطر البرتغالي، في البحار الجنوبية، وغفل حكامها أيضاً عن الخطر الصفوي الشيعي الداهم، بل عجزوا حتى عن حماية طريق الحج من الأعراب.

المسلمون يتقدمون..

بيد أن المسلمين، وإن كانوا قد فقدوا الأندلس، واندحروا في الشرق، وخسروا مواقع لهم هناك، نجحوا، فيما بعد، وبعد عراك دامٍ، وتضحيات جسيمة، ومعارك حاسمة براً وبحراً في احتواء خطر الصليبية الإيبيرية، وفي التصدي لخطر الصليبية الروسية، ودفع روسيا للتوسع نحو أوربا، وظلوا يواصلون الفتوحات في هذا القرن، أي القرن السادس عشر، ويتقدمون في جبهات عديدة أخرى، في حين استمر الإسلام ينتشر بصورة مذهلة، وتدخل فيه شعوب جديدة.

فالعثمانيون يكتسحون البلقان، ويتقدمون في شرق أوربا، ويبسطون سيطرتهم في مناطق مختلفة في هنغاريا ومحيط البحر الأسود، ويحاصرون فيينا عاصمة الإمبراطورية النمساوية، وكذلك يحولون البحر المتوسط إلى بحيرة إسلامية، وكذلك البحرين الأسود والأحمر، بل وإغلاق البحر الأحمر نهائياً أمام الملاحة الأجنبية، أي المسيحية، وذلك لأن الحرمين الشريفين يطلان على هذا البحر.

والمسلمون الأوزبك يعبرون نهر جيحون، ويتقدمون في آسيا الوسطى، ويواصلون نشر الإسلام بين قبائل تلك المنطقة (1507- 1515م).

والمسلمون التتار، ينسحبون إلى الهند، ويسقطون دولة فيجاياناجار الهندوسية المعادية للمسلمين، وحليفة البرتغاليين في الحرب ضدهم سنة 1526م، ويؤسسون على أنقاضها دولة إسلامية فسيحة، مثلت أعلى ما وصلت إليه الهند الإسلامية من روعة وازدهار ثقافي وسياسي.

والمسلمون العرب والأفارقة، في شرق إفريقيا يتقدمون ويكتسحون أراضي مملكة الحبشة النصرانية، لدرجة أن هذه الأخيرة أوشكت أن تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت أقدامهم وسنابك خيولهم، وحدثت حركة إسلام واسعة في صفوف الأحباش في هذه الفترة[9].

وكان هناك أيضاً تقدم للمسلمين وانتشار كبير للإسلام، في إفريقيا جنوب الصحراء، قامت به المملكة السعدية في المغرب، كما كان انتشار الإسلام في هذه المنطقة يتم على أيدي تجار ودعاة مدعومين من دول إسلامية في تمبكتو وبورنو.

وفي جزيرة جاوة (كبرى جزر إندونيسيا حالياً) ينشئ المسلمون تحالف مدن ساحلية للقضاء على الملكية الهندوسية في الداخل.

والمهم أن كل الدلائل كانت تدل على أن السيادة في الأرض ستكون للمسلمين خلال القرون التالية. ولم يكن هناك أي مؤشر يوحي بأن حضارة الإسلام في تراجع. بينما كانت دول غرب أوربا لا تزال غارقة في الظلام والجهل، وكانت الصراعات بين الكاثوليك والبروتستانت تمزقها أشد التمزق، وتفتك بها أشد الفتك، ولم تكن هناك دلائل كثيرة تشير إلى أن أوربا في طريقها إلى النهوض.

تفاقم الخطر الصفوي ونتائجه:

برغم موقعة جالديران الحاسمة (1514م) التي حطمت قوى الدولة الصفوية، والحملات الثلاث الكبرى التي وجهها السلطان سليمان القانوني على الصفويين[10]، والتي توجت بتحرير بغداد عام 1534م، واستعادة أذربيجان، فقد ظل الخطر الصفوي قائماً، بل إنه عاد ليستفحل ويتفاقم من جديد في نهاية القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر، وبصورة أكبر من ذي قبل، وذلك في عهد الشاه عباس الأول، أقوى الملوك الصفويين وأشدهم صلفاً وتعصباً وحقداً على المسلمين. فقد وسع حدود الدولة الصفوية لأقصى حد، ووثب على بغداد للمرة الثانية، وفعل فيها الأفاعيل، كما فعل أسلافه من قبل، وأضاف إلى التشيع بدعاً جديدة لم تكن معروفة، وفي عهده بلغ التحالف الصفوي الصليبي ذروته ضد الدولة العثمانية، وقد بعث هذا الشاه بأحد دهاة الإنجليز، وهو السير أنطوني شيرلي، وكان مستشاراً له، في سفارة إلى البابا، وإلى ملوك ألمانيا وإنجلترا وإسبانيا وفرنسا وبولونيا وغيرها، يحرضهم على العثمانيين ويقترح عليهم تشكيل حلف سياسي عسكري معه ضد العثمانيين، لتقويض أركان دولتهم التي كانت تمر بحالة ضعف شديدة. وقد لقي هذا المشروع كل ترحاب من البابا وملوك أوربا[11]. وهكذا كانت إيران في القرن السادس عشر عنصر إثارة للقلاقل في العالم الإسلامي دفاعاً عن الشيعة. وكانت في حالة عداء دائمة مع العثمانيين. وفي النصف الأول من القرن السابع عشر، أدار العثمانيون وآل هابسبورج ظهورهم بعضهم لبعض كي يحارب كل منهما الهراطقة في داره (البروتستانت والشيعة)، ولم يعقد العثمانيون صلحاً دائماً مع الصفويين، إلا في عام 1639م»، أي بعد عام واحد من تحرير السلطان مراد الرابع لبغداد[12]، وكان ذلك الصلح بعد أكثر من قرن من الحروب الطاحنة، والمؤامرات والدسائس الصفوية. وبرغم ذلك لم يكن خاتمة لتلك الحروب والمنازعات، بل إن الصراع استمر، وكان هو الأمر المركزي طوال القرنين السابع والثامن عشر، هذا في الوقت الذي كان فيه الصراع الديني في أوربا قد صار أمراً ثانوياً. لدرجة أن العثمانيين اضطروا لتقديم تنازلات مهمة للصفويين في الشرق، عن طريق معاهدة قصر شيرين الثانية عام 1746م، لكي يتفرغوا لمواجهة الخطر الروسي، الذي تجدد بشكل داهم في هذا القرن.

وكان من نتائج هذا الصراع الطويل والعنيف بين العثمانيين والصفويين استفحال خطر الصليبية الروسية من جديد، خصوصاً بعد أن بسطت روسيا سيطرتها على مجمل سيبيريا، والتي كانت تحت حكم المسلمين، واستعادتها لأوكرانيا، وبعد أن سيطر بطرس الأكبر علي جزء من بلاد السويد التي تُعرف حالياً ببلدان البلطيق (ليتوانيا وأستونيا)، وهو الصراع الذي انتهى بتوقيع العثمانيين معهم معاهدة كوتشك كينارجه عام 1774م، حيث سمح العثمانيون بموجبها للروس أن يحصلوا على موطئ قدم على البحر الأسود.

ومن جهة أخرى، قد أتاح ذلك الصراع الفرصة لدول أوربا الغربية، التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الفتح العثماني، للنهوض وبناء قوتها، وامتلاك التقنيات العسكرية المتطورة والمعقدة، خاصة في الشئون البحرية، وإفساح المجال أمامها لترسيخ أقدامها في البحار والمحيطات، ومن ثم التحرك ضد المسلمين بشكل عام، وضد العثمانيين بشكل خاص، بما في ذلك فرض نموذجهم للتقدم والتحديث على حساب النموذج الإسلامي. «لقد كان القزلباش بمثابة هدية سماوية تسببت في نجاة أوربا من السقوط في يد العثمانيين»[13].

تدهور مكانة العالم الإسلامي:

يقرر المؤرخون أنه من سنة 1699م، وهي السنة التي حدث فيها صلح كارلو فيتز، الذي سلم العثمانيون بموجبه المجر للنمسا، وذلك بعد فشل حصار فيينا الثاني عام 1683م، ذلك الحصار «الذي أحدث ذعراً في نفوس الأوربيين وأذهلهم»؛ بدأ الانقلاب الحقيقي في موازين القوى يميل لصالح القوى الأوربية الصاعدة في غرب أوربا، وخصوصاً هولندا وإنجلترا وفرنسا، وذلك بعد غروب شمس الإمبراطورية البرتغالية وانعزال الإمبراطورية الإسبانية. وكان بداية عصر الانحطاط والتخلف في الدولة العثمانية، بشكل خاص، وفي العالم الإسلامي بشكل عام، ليس في المجال العسكري فحسب وإنما أيضاً في المجال الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، إذ إنه بينما راحت قوة الأوربيين والروس تنمو وتتصاعد، وأوضاعهم الداخلية تتطور، كانت قوة العثمانيين تهبط وتُستنزف، وأوضاعهم تتراجع وتتردى، وهذا الأمر نفسه قد انعكس على بقية المسلمين، لأن الإمكانات والموارد والجهود التي ضحى بها العثمانيون وخسرها المسلمون في قتال الصفويين الشيعة كانت تكفي لاجتياح أوربا كلها، وكل ذلك قد أدى إلى تضخم مؤسسات الدولة العسكرية والإدارية، وكان على حساب الأوضاع الداخلية بشكل عام، بحيث لم ينتصف القرن الثامن عشر، إلا وقد بلغ الانحطاط والجمود منتهاهما. وقد تمثلت ردة الفعل الإسلامية على ذلك في ظهور العديد من الحركات الإصلاحية، أعمقها تأثيراً، وأوسعها انتشاراً، وأخلدها ذكراً، وأهمها على الإطلاق، دعوة الشيخ الإمام المجاهد محمد بن عبد الوهاب التوحيدية السلفية، في جزيرة العرب، والتي برغم حرب البكتاشي الباطني محمد علي والي مصر الشرسة ضدها، ومحاولته وأدها في مهدها، استمرت في الانتشار في العالم الإسلامي، طولاً وعرضاً، وهي تعتبر في الوقت الراهن، من أهم عوامل يقظة المسلمين، والحفاظ على هويتهم، ومقاومتهم للعدو الصائل، وقلعة اعتصامهم المنيعة والعصية على الاختراق.

وحول دور الصراع العثماني الصفوي طويل الأمد في تخلف العالم الإسلامي يقول المؤرخ الأمريكي المعاصر، William McNeill أستاذ التاريخ في جامعة شيكاغو، في كتابه الشهير «صعود الغرب» The Rise of the West: «لقد كان للتحولات الدينية والسياسية المترتبة على الثورة الشيعية الصفوية أثر بعيد المدى في الثقافة الإسلامية العليا. تراجع الشعر والأدب الفارسيان بسبب الموقف غير المتسامح. وازدهرت الآداب التركية والعمارة والحرف التي تصنع مواد الترف. ومن يتأمل الفنون الإسلامية في القرنين السادس عشر والسابع عشر لا يمكن أن يخمن أن حضارة المسلمين وثقافتهم كانتا في تراجع في بداية القرن السادس عشر. فقد كان العالم الإسلامي يزدهر بالمقارنة مع غيره من البلدان غير الأوربية».

ويضيف: «لا يمكن التقليل من أهمية الصراع السني الشيعي في تسبيب الجمود، إذ إنه قاد إلى التمسك بمفاهيم وصيغ قديمة للحقيقة، مما جعل المسلمين يهملون العناصر التي أدت إلى نهوض أوربا. وساهم التركيب الاجتماعي في الجمود أيضاً، إذ كان للدول الإسلامية قاعدة ضيقة من العسكر والإداريين، كما أخضع سكان المدن للموظفين وأسياد الأرض».

وقد قرر هذا المؤرخ أن المسلمين استوعبوا كل الصدمات التي حدثت لهم في العصر الحديث، عدا صدمة الصفويين[14].

 

 


[1] حول هذه التجارة وجرائم الأوربيين التي اقترنت بها ينظر: الدكتور رمزي زكي، الكشوف الجغرافية وتجارة العبيد، مقال بمجلة العربي، عدد 406، سبتمبر1992م.

[2] ينظر: شمس الدين الكيلاني، الإسلام وأوربا في القرن السادس عشر.. الحرب والتجارة ، بحث منشور في مجلة الاجتهاد الدورية المتخصصة، العدد 36 ، صيف عام 1418هـ / 1991م، ص12 وما بعدها.

[3] ينظر: الدكتور محمد الغزالي، الإسلام في وجه الزحف الأحمر، منشورات المكتبة العصرية ، بيروت - صيدا ، بدون تاريخ.

[4] حول طبيعة الروس وعاداتهم وسلوكهم، ووصف الرحالة العربي أحمد بن فضلان لهم ينظر: الدكتور محمد علي الفرا ، أفق المعرفة الجغرافية عند العرب في العصور الوسطى، مقال بمجلة العربي، العدد 360 ، نوفمبر 1988م.

[5] تحدثت عن هذا الموضوع بشكل تفصيلي في بحثي الموسوم بـ«الحروب الروسية الصليبية ضد المسلمين في القوقاز»، والذي نشر في عدة مواقع إلكترونية، وسيعاد نشره ورقياً بعد أن تم تنقيحه وتوسيعه، إن شاء الله.

[6] للمزيد ينظر: الدكتور أمير حسين خنجي، إيران الصفوية كيف صار الإيرانيون شيعة صفويين، ترجمه عن الفارسية الدكتور أحمد حسين بكر، مكتبة النافذة - مصر، ط1، 2010م. وفي هذا الكتاب عرض موسع لسجل الصفويين الإجرامي المرعب، وللمذابح المروعة التي ارتكبوها، ولغير ذلك من أعمالهم السوداء، التي تقشعر لها الأبدان.

[7] للمزيد حول ظهور الصفويين واضطهادهم المنظم لأهل السنة وخطرهم على العثمانيين، ينظر: أحمد الظرافي، الصفويون قرن الشيطان طلع من إيران، بحث منشور إلكترونياً في موقع «البينة»، على الرابط: https://goo.gl/LKaczC .

[8] حول الانبعاث الزيدي في اليمن في هذه المرحلة، ينظر: نقولاي أيفانوف، الفتح العثماني للأقطار العربية، نقله إلى العربية يوسف عطا الله، راجعه مسعود ضاهر، سلسلة تاريخ المشرق العربي الحديث (3)، دار الفارابي - بيروت، ط1، 1988م، ص123، ينظر أيضاً: أحمد الظرافي، الصفويون والأئمة الزيدون والمد الرافضي في اليمن، بحث منشور إلكترونياً في موقع «البينة» على الرابط:    https://goo.gl/vyM3nf.

[9] تحدثت عن ذلك بالتفصيل في مقالي: «الإمام جوري الصومالي فاتح بلاد الحبشة»، المنشور بمجلة البيان، عدد  333، جمادى الأولى 1436هـ، وأعيد نشره على موقع المجلة الإلكتروني على الرابط: . https://goo.gl/rzV4Vx

[10] حول معركة جالديران وحملات السلطان سليمان القانوني على إيران ينظر: أحمد الظرافي، معركة جالديران: ليتها كانت القاضية! مقال منشور إلكترونياً في موقع «البينة» على الرابط:  https://goo.gl/yjdweV .

[11] حول هذه السفارة، ورسالة الشاه لملوك أوربا، ينظر: السياسة السوقية الإيرانية تجاه العراق في العصر الحديث، وهو الفصل الثاني من القسم الثاني، من كتاب الصراع العراقي الفارسي، بغداد 1983م، ص212-213.

[12] حول تفاقم الخطر الصفوي في عهد الشاه عباس الأول واحتلاله لبغداد، ثم تحرير السلطان مراد الرابع لها، ينظر: أحمد الظرافي، ملحمة تحرير بغداد من الصفويين، مقال منشور في مجلة البيان، عدد 330، صفر 1436هـ، وأعيد نشره على موقع المجلة الإلكتروني على الرابط: https://goo.gl/QKsVZy.

[13] الدكتور أمير حسين خنجي، المرجع السابق، ص248.

[14] ينظر: الفضل شلق، عرض وتلخيص لكتاب صعود الغرب، تأليف وليم ماكنيل، مجلة الاجتهاد الدورية المتخصصة، العددان 34 و35 ، شتاء وربيع عام 1417هـ/ 1997م.