يحرص الكيان الصهيوني على تكريس انطباع مفاده أنه يستعد لشن حرب جديدة على المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وأن أي سلوك «عدائي» يمكن أن تقدم عليه المقاومة، بغض النظر عن حجمه، سيشكل مسوغاً لهذه الحرب. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما مصلحة تل أبيب في إبراز نواياها هذه، لاسيما في ظل الحراك الذي تشهده العلاقات بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وكل من مصر ومعسكر القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان؟ وكيف يمكن تفسير التصعيد الصهيوني الكلامي ضد «حماس» في ظل الهجمة غير المسبوقة التي يقوم بها رئيس السلطة محمود عباس ضد قطاع غزة، والتي شملت قطع رواتب الموظفين وتقليص إمدادات الوقود والتوقف عن تغطية حوالات العلاج في الخارج؟

أفصحت قيادة الجيش الصهيوني نهاية الأسبوع الماضي عن قيامها بإجراء حلقة نقاش، شاركت فيها الأجهزة الاستخبارية، تناولت سبل حسم المواجهة القادمة مع حركة «حماس» في حال نشبت حرب في المستقبل. وقد حرص مسربو هذا الخبر على بيان أن المقصود بـ«الحسم» إسقاط حكم الحركة.

لا يعد إجراء مثل هذه النقاشات حدثاً استثنائياً بحسب التقليد الصهيوني، حيث إن جيش الاحتلال يعكف على مناقشة الخيارات العملية حتى لو كانت مطروحة بشكل نظري فقط، على اعتبار أن قيادة هذا الجيش تنطلق من افتراض مفاده أنه يتوجب عدم استبعاد كل السيناريوهات. في الوقت ذاته، تواترت الكثير من التقارير الصهيونية التي أكدت أن جيش الاحتلال تدرب خلال السنوات العشر الماضية مراراً على إعادة احتلال القطاع. وقد احتضنت قاعدة «تسئليم» الصهيونية في صحراء النقب بالفعل عدداً من المناورات التي أجريت بهذا الخصوص.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تل أبيب معنية حقاً بشن حرب جديدة على القطاع أم إن هذه التسريبات تهدف إلى ممارسة الضغوط على «حماس» من أجل دفعها إلى خيارات سياسية تكون مريحة للصهاينة؟

قبل الإجابة على هذا السؤال يتوجب التذكير بخريطة المصالح الصهيونية في القطاع، والتي تتمثل في:

أولاً: عدم التسليم بتحول القطاع إلى مصدر تهديد للعمق المدني والعسكري الصهيوني.

ثانياً: إحباط الظروف والعوامل التي تمكن المقاومة من تعزيز وتعاظم قدراتها العسكرية.

ثالثاً: تجنب أي سيناريو يمكن أن يفضي إلى إلزام الكيان الصهيوني بالعودة لتولي المسؤولية عن قطاع غزة، بما يترافق مع ذلك من استحقاقات مادية وسياسية ومخاطر أمنية كبيرة.

رابعاً: تعميق حالة الانفصال السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة أو على الأقل الحفاظ على المستوى الحالي من الانفصال وعدم السماح بعودة الوحدة السياسية ومحاولة تجنب السلوك الذي يمكن أن يفضي إلى إنهاء حالة الانقسام الداخلي. فبحسب إستراتيجية اليمين الحاكم في تل أبيب، فإن الحفاظ على الوحدة السياسية للضفة الغربية وقطاع غزة ضمن السلطة الفلسطينية يقلص من قدرة الكيان الصهيوني على الاستفراد بالضفة الغربية وحسم مصيرها.

واستناداً إلى ما تقدم يمكن القول إن الصهاينة غير معنيين في الواقع بشن حرب جديدة في هذه الأثناء على القطاع، على اعتبار أن جبهة قطاع غزة تشهد حالياً هدوءاً متواصلاً، ناهيك عن أن الحصار المفروض على القطاع قلص من قدرة المقاومة على مراكمة قوتها العسكرية. ومن الواضح أن شن حرب على غزة بهدف إسقاط حكم «حماس» يعني إلزام الصهاينة بالعودة للقطاع وإدارة شؤونه وهو ما يفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية على الكيان. ففي الوقت الحالي لا توجد جهة يمكن أن تكون قادرة على إدارة شؤون قطاع غزة كما تفعل «حماس». إلى جانب ذلك، فإن شن حملة على قطاع غزة قد يفضي إلى تجفيف بيئة الانقسام الفلسطيني الداخلي وعودة الوحدة السياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

إذن ما الهدف من الكشف عن عقد حلقة النقاش هذه التي تناولت الأفكار النظرية لعمليات ميدانية يمكن أن يقوم بها الجيش الصهيوني لحسم المواجهة مع حماس؟ من الواضح أن عقد هذه الحلقة جاء بناء على تعليمات وزير الحرب الصهيوني أفيغدور ليبرمان، الذي تبين أنه يراهن على توظيف تصريحاته بشأن المواجهة مع حماس في ردع الحركة ومحاولة إقناعها بتجنب الصدام مع جيش الاحتلال.

وعلى ما يبدو فإن الصهاينة معنيون بردع حماس قبيل بدء جيش الاحتلال حملته الكبرى الهادفة إلى بناء عوائق مادية على طول الحدود مع قطاع غزة، وهي الحملة التي يراهن الكيان الصهيوني عليها ليس فقط في تقليص قدرة كتائب عز الدين القسام على حفر الأنفاق، بل أيضاً ضمان تدمير الأنفاق الهجومية التي تمكنت الكتائب من حفرها وبنائها خلال الأعوام الماضية ولم يتمكن جيش الاحتلال من هدمها.

فهناك خشية ما لدى تل أبيب من أن حركة حماس يمكن أن تبادر لمواجهة جديدة من أجل إحباط تدمير الأنفاق، مما زاد من الحاجة لتأكيد التهديدات من جديد لتكريس الردع ولتقليص دافعية حماس للرد على الحملة المتوقعة على الأنفاق.

ولا يمكن أيضاً استبعاد أن يكون الهدف من لفت أنظار حماس لاستعدادات جيش الاحتلال للحرب القادمة هو التأثير على الاتصالات التي تجري حالياً بين كل من حماس ومصر ودحلان.

وهنا يبرز السؤال الأهم: ما هي خريطة المصالح الصهيونية في هذه الاتصالات، وما النتائج التي يمكن أن تنتهي إليها هذه الاتصالات وتعتبر في نظر تل أبيب إيجابية؟

من الواضح أن الكيان الصهيوني معني بأن تفضي هذه الاتصالات إلى تعزيز ارتباط مصر بقطاع غزة، وصولاً إلى الاعتماد التام على الجانب المصري، وذلك لكي يتم إقناع المجتمع الدولي بأن الكيان الصهيوني لم يعد مسؤولاً عما يجري في قطاع غزة ولا يتحمل أية مسؤولية عن مظاهر تدهور الأوضاع الاقتصادية، لأنه لم يعد يمارس دوره كقوة احتلال.

ولا خلاف أن تل أبيب ترى في تكريس تبعية قطاع غزة لمصر مصلحة لها، لأن هذا التحول يعزز قدرة الحكم في القاهرة على ابتزاز الحركة ودفعها لتقديم المزيد من التنازلات، سواء على صعيد علاقة الحركة بمصر أو على مستوى علاقتها بتل أبيب. وخير دليل على ذلك أن مصر تمارس حالياً ضغوطاً كبيرة على حماس لإنهاء ملف الجنود الصهاينة الأسرى لديها.

ويمكن الافتراض أن الصهاينة يرون في تنامي دور دحلان في قطاع غزة تطوراً يخدم مصالحهم، على اعتبار أنهم معنيون بوجود جهة يمكن أن تشكل بديلاً في حال تم إسقاط حكم حماس في أية حرب قادمة. مع العلم أن أحد أهم الأسباب التي تدفع تل أبيب لتجنب سيناريو إسقاط حكم الحركة يتمثل في إدراكها عدم وجود بديل يمكن أن يضبط الأمور في قطاع غزة.

من هنا، ليس من المستبعد أن يكون هدف التهديدات الصهيونية هو حث الحركة على إنجاز التفاهمات مع مصر والسيسي بأسرع وقت.

  هناك خشية ما لدى تل أبيب من أن حركة حماس يمكن أن تبادر لمواجهة جديدة من أجل إحباط تدمير الأنفاق.