لم يكن للأكراد يومًا عبر التاريخ رغبة في الانفصال وحكم مناطقهم في كيان مستقل، فصلاح الدين الأيوبي على سبيل المثال البطل الكردي الذي قاتل الصليبيين وحرر الأقصى ووحد بلاد الشام ومصر والحجاز، والذي يضرب به المثل في القوة والشجاعة؛ كان على رأس أقوى دولة إسلامية في زمانه لكنه لم يفكر يوماً أو يسعى إلى تأسيس كيان كردي بالمعنى القومي الحالي، ولا خصص امتيازات معينة وخاصة لأبناء جلدته، فحياته كلها كانت مكرسة لبناء الدولة الإسلامية ومحاربة أعدائها.

إجمالاً يسكن الأكراد المنطقة الجبلية الممتدة على حدود تركيا والعراق وسوريا وإيران وأرمينيا، ويتراوح عددهم ما بين عشرين وثلاثين مليوناً. ظل الأكراد لا يشعرون بأي اضطهاد أو تمييز كونهم مسلمين في محيط إسلامي لا يفرق بين الأجناس والأعراق حتى بداية نهاية الخلافة العثمانية التي أطلق عليها الغرب مصطلح الرجل المريض. ومع قدوم الأفكار الغربية إلى المنطقة في القرن الثامن عشر التي أسست لفكرة الدولة القومية والتي بدأت تتفاعل مع غيرها من العوامل السياسية في نخر جسم «الرجل المريض» والقضاء عليه وتفتيت إمبراطوريته بدأت إرهاصات النزعات القومية لدى بعض المجموعات داخل دولة الخلافة، ومع ذلك لم يستجب الأكراد لتلك الدعوات، بل شكل الأتراك منهم قوى عسكرية ساعدتهم في تثبيت سلطة الخلافة وتأديب الشعوب المتمردة.

لم تكن فكرة الدولة الكردية المستقلة الخالصة لجنسهم مطروحة ضمن آمالهم، حتى إن ضابط المخابرات البريطاني (دبليو. آر. هي)، الذي حكم مدنية أربيل 1918-1920م، بعد أن يأس منهم يقول في مذكراته: «إن اليوم الذي يستيقظ الكرد وبوعي قوميّ ويتوحدون سوف تتفتت أمامهم الدولة التركية والفارسية والعربية وتتطاير كالغبار، ولكن مثل هذا اليوم لا يزال بعيد المنال».

فالغرب كان يسعى لذلك قبل قرن من الزمان، ومعلوم أن الحدود القائمة الآن حدود مصطنعة، فلماذا لم تعط للأكراد دولتهم المستقلة؟ في رأي ضابط المخابرات البريطاني أنهم لم يكونوا مستعدين لذلك، فوقتها كانت نخوة الإسلام وروحه ما زالت ثائرة في نفوسهم، إضافة إلى الرغبة الغربية في إيجاد بؤر توتر قابلة للاشتعال تستغل من قبل الغرب كلما دعت الحاجة وتكون مثار أزمات ونزعات بين الدول، تلك الصيغة نفسها تم تطبيقها بإقليم بلوشستان المقسم بين إيران وباكستان ليكون منطقة توتر ونزاع بين الدولتين من جهة، إضافة إلى إثارة لروح الاستقلال لدى أهالي الإقليم فيسعون للانفصال والاستقلال. إنها السياسة طويلة النفس التي بدأها الغرب منذ ما يقرب من قرن ويجني ثمارها الآن.

كانت الخطوات الأولى هي تكوين الأحزاب والمنظمات الكردية الداعية إلى الانفصال، ففي تركيا برز حزب العمال الكردستاني المعروف اختصاراً بـ«ب ك ك» في السبعينات وهو من أقدم الأحزاب في تركيا، وقد برز كمنظمة ماركسية - لينينية تدعم قضية إنشاء وطن للأكراد. وقد شن الحزب تمرداً عنيفاً ضد الدولة التركية ما أدى إلى تصنيفه ضمن المجموعات الإرهابية من قبل تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي.

في العراق لعب الأكراد دوراً مهماً في الصراعات فقد أسس الحزب الديمقراطي الكردستاني على يد الملا مصطفى البارزاني عام 1946م، ويتزعمه اليوم مسعود البارزاني ابن مؤسس الحزب والذي يرأس إقليم كردستان العراق حالياً، بالإضافة إلى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي أسسه جلال الطالباني عام 1975م إثر انشقاقه عن الحزب الديمقراطي الكردستاني.

في إيران يعد الحزب الديمقراطي الكردستاني أهم كيان سياسي كردي ونشأ عام 1946م، وهو حزب يساري يدعو لحكم ذاتي في منطقة كردستان إيران ضمن فيدرالية، ولا يطالب بالانفصال.

أما أحدث تلك الأحزاب الكردية فهو حزب الاتحاد الديمقراطي والمعروف اختصاراً بـ«بي واي دي»، والذي استغل ظروف الثورة السورية وسعى لإيجاد موطئ قدم خاص به بعيداً عن أهداف الثورة بدعم من القوى الغربية، وهو امتداد مباشر لحزب العمال الكردستاني الكردي في تركيا، وقد نجح الحزب بمؤازرة من القوات الأمريكية في اقتطاع جزء من الشمال السوري سعياً منه لإيجاد منطقة جغرافية متصلة تكون نواة لدولة كردية، وهناك منظمة سياسية أخرى منفصلة وهي المجلس الوطني الكردي، الذي يتلقى الدعم من إقليم كردستان العراقي وينافس حزب العمال الكردستاني.

وتجدر الملاحظة أن اليسارية والشيوعية هي الأيدلوجيا المهيمنة على معظم التنظيمات الكردية برغم أن الشعب الكردي في معظمه مسلم سني، ومن المفارقة أن تحظى تلك الأحزاب اليسارية بدعم الغرب الليبرالي.

الأكراد والتقارب مع الصهاينة

بدأت العلاقات بين الكيان الصهيوني والأكراد باكراً منذ خمسينات القرن الماضي، كانت الرؤية الإستراتيجية الصهيونية في تلك الفترة أن عدو عدوي صديقي، وأن تعزيز العلاقات مع تلك الكيانات الإثنية في العالم العربي يساعد في الخروج من العزلة السياسية وقتها، ويكون أداة لإضعاف الدول العربية من جهة أخرى وزعزعة استقرارها. من جهة أخرى وجد قادة الأكراد المصنوعون بغيتهم في هذا الكيان المنبوذ الذي زرع زرعاً وسط العالم الإسلامي ليساعدهم في صراعاتهم داخل الدول الموجودين فيها.

ومع احتلال العراق الذي أدى إلى انهيار الدولة واندلاع الثورة السورية سعت الأحزاب الكردية لملء الفراغ وتقديم نفسها قوة عسكرية مؤثرة على الأرض تستطيع مواجهة التنظيمات الإسلامية المسلحة كتنظيم داعش وغيره.

كان أكراد العراق في المناطق التي تتمتع بالحكم الذاتي هم الأكثر استقراراً وازدهاراً حتى أفضل من الجزء العربي من العراق، بل إنهم بدؤوا في تصدير النفط بشكل مستقل، ومن هنا فإن دولاً عديدة في العالم ومن بينها دول الغرب ودول عربية طورت معهم علاقات مباشرة، بل وتساعدهم بعض الدول الغربية في المجال العسكري، فلدى الصهاينة اليوم كما لدى العالم الغربي مصالح واضحة في أن ينجح الأكراد في صراعهم، ولقد ثبت أيضاً أنهم ودودون مع الكيان الصهيوني.

وقادة الأكراد أيضاً يدركون أن النفاذ إلى قلب العالم الغربي والحصول على مساحات سياسية أكبر في صراعاتهم في المنطقة وتلقي المساعدة العسكرية يمر عبر الكيان الصهيوني ولوبياته في الولايات المتحدة.

وعلى الصعيد الاقتصادي والأمني هناك تبادل تجاري ضخم بين المنظمات الكردية خاصة في الإقليم العراقي مع الكيان الصهيوني بجانب التعاون في المجالات الأمنية.

الأكراد في الرؤية الأمريكية للمنطقة

نشرت مجلة «القوات المسلحة الأمريكية» في عدد يونيو 2006م تقريراً خطيراً عن إعادة ترتيب الواقع العِرقي والطائفي والقومي وفق تركيبة تناسب المخططات الأمريكية؛ وذلك في الدول الشرق الأوسطية الأكثر تنوعاً وامتزاجاً مثل العراق وأفغانستان والسودان والجزائر ولبنان، كان هذا التقرير قد كتبه «رالف بيترز» في كتابه «لا تكفّ عن القتال» Never Quit The Fight، وهو كولونيل سابق في الجيش الأمريكي خدم في شعبة الاستخبارات العسكرية.

تقتضي الخطة المذكورة في الكتاب إقامة دولة كردية مستقلة للأكراد الذين يعيشون في مناطق محاذية لبعضها البعض في الشرق الأوسط؛ إذ يعد التقرير الأكراد أكبر قومية في العالم لا تعيش في دولة مستقلة، وأنه يجب تحقيق دولتهم المستقلة عبر عدد من الخطوات منها:

أولاً: استغلال الفرصة التاريخية التي لاحت للولايات المتحدة بعد سقوط بغداد في إنشاء دولة كردية إثر تقسيم العراق إلى ثلاث دول؛ لأن الأكراد سيصوتون بنسبة 100% لصالح قيام دولة مستقلة إذا لاحت لهم الفرصة.

ثانياً: دعم أكراد تركيا، برغم أن هجماتهم في الداخل قد خفت خلال العشر سنوات الماضية إلا إنهم عادوا من جديد الآن، وعليه يجب استغلال هذه الفرصة للضغط على تركيا وإظهار الجزء الشرقي منها كأنه «منطقة محتلة».

ثالثاً: بعد قيام الدولة الكردية المستقلة في العراق وتركيا، فإن أكراد إيران وسوريا سينضمون بمناطقهم مباشرة إليها وسيشكلون «دولة كردستان الكبرى المستقلة» بحدودها النهائية. وستكون هذه الدولة الكردية الممتدة من ديار بكر في تركيا إلى تبريز في إيران أكبر حليف للغرب في المنطقة ما بين اليابان وبلغاريا[1].

واليوم ونحن على بعد أيام قليلة من إجراء استفتاء في كردستان العراق على شرعية الانفصال لتكوين دولة مستقلة بهم؛ نحن نسير على خطى الخطة الأمريكية لتقسيم المنطقة! ويكون استقلال ومن ثم انفصال أكراد العراق أول خطوة تتبعها خطوات بقية الكيانات والأحزاب الكردية في سوريا وتركيا وإيران.

ونستطيع القول إنه لما غابت الروح الإسلامية الرابطة بين شعوب المنطقة وأبعد الإسلام عن مجالات الحياة والسياسة وأصبحت القومية والوطنية هي الإطار الذي تضعه الحكومات ركيزة لسلطتها، أصبح من الطبيعي أن تشغل الروابط القومية والإثنية الفراغ الذي خلفته تنحية الإسلام عن قضايا الأمة.

وأخيراً لن تكون الدولة الكردية نهاية المطاف، فذلك يفتح شهية عدد ليس بالقليل من القوميات والإثنيات المختلفة داخل العالم العربي لتحذو حذو الأكراد لتتحقق الرغبة الغربية في ذكرى المئة عام على اتفاقية سايكس بيكو، وهو تقسيم والمقسم وتجزئة المجزأ. يبقى فقط الاسم ماذا سنسمي الاتفاقية الجديدة وأي من قادة وزعماء الغرب سيوضع اسمه على الاتفاقية الجديدة. ولكن العاقبة للمتقين، وكما خيب الله ظنهم بعد 80 عاما في تركيا والجمهوريات السوفيتية السابقة، وفي مسلمي البلقان ودول عربية نصبت المشانق والسجون حرباً على الإسلام وأهله، ها هي الشعوب المسلمة تنهض من كبوتها، وتتداعى لجراجها  مهما اختلف العرق أو اللون، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْـمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]، {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36].


 


[1] علي حسن باكير، خريطة الشرق الأوسط الجديد.