تناول تقرير أعده مركز «بيكام» للأبحاث أحوال أكراد سوريا الذين يعيشون مأساة لا يمكن وصفها، إذ يمثلون المجموعة العرقية الأكبر في سوريا بعد العرب، دون معرفة عددهم بدقة، لأن نظام الأسد لم يمنح غالبية الأكراد هويات منذ سنوات طويلة ولم يعترف بهم كمواطنين، ولكن يقدر عددهم بين 2 و2.5 مليون نسمة.

يطرح التقرير معاناة الأكراد تاريخياً لثلاث مرات منذ الحرب العالمية الأولى، بدءاً من اضطهاد نظام الأسد لهم بسبب قربهم من تركيا والسنة، وما تعرضوا له من ظلم على يد داعش في مناطق مثل كوباني وسنجار التي احتلت من قبل التنظيم، وما تعرضوا له من ظلم كبير هذه المرة من ذوي القربى المتمثلين في قوى «بي كي كي» المسلحة وإجبار أولادهم على الالتحاق بالجيش، وتعرضهم للاعتقال والإعدامات والإبعاد بالقوة.

دفع هذا الاضطهاد إلى هجرة نحو 500 ألف من أكراد سوريا إلى تركيا، و300 ألف إلى إقليم كردستان العراق، بينما توجه 100 ألف من القادمين إلى تركيا نحو أوربا.

إن ما سنظهره في هذا البحث المتواضع لا يقتصر على الحديث عن استهداف الكرد السوريين فقط، ولكن عنهم نبدأ الحديث وننتهي بنتيجة تقول: إن الغالبية العظمى للكرد في كافة أرجاء كردستان أو المناطق ذات الغالبية الكردية هم سنيون طائفياً، وشافعيون فقهياً، وكلهم يتعرضون للتدمير من الناحية الثقافية والمذهبية، وهذا يعرّض مصالحهم وعرقهم لجرائم الإبادة ولكن من يقف خلف هذا الخطر؟

النظام الطائفي الأسدي:

عندما ثار السوريون ضد النظام الطائفي وبدأ الكرد كغيرهم من السوريين بالخروج في مظاهرات سلمية ضد نظام الأسد نشر حزب الاتحاد الديمقراطي PYD الحقد بين عوام الكرد وبدأ بتذكيرهم بالظلم الذي تلقوه على يد العرب - باعتبار عروبة النظام -، وفي حقيقة الأمر لم يكن ذلك كذباً لأن النظام الطائفي بالفعل ظلمهم وكرس التفرقة والشقاق بين الكرد والعرب، وكثيراً ما أوقع الفتن بين الطرفين، فقد قامت استخبارات النظام بقتل الشيخ معشوق الخزنوي، وظهر على التلفاز الرسمي شخص يدعى عبد الرزاق من محافظة دير الزور يقول إنه من أسهم في قتل الشيخ الخزنوي، ولكن وبتأثير من الأحزاب الكردية عرف الشارع الكردي أن هذه محاولة من النظام لضرب الكرد بالعرب، وكان النظام في الوقت نفسه يخوف العرب من الكرد، حيث كان يقول لهم إن الكرد يسعون لبناء دولة وسوف يخرجونكم منها ويسلبونكم أموالكم وأراضيكم، ثم كان هذا الحزب PYD أول جهة رفعت السلاح في سوريا بعد عملية مقتل الشاب الكردي «إدريس رشو»، ومن ثم قام بمنع التظاهرات السلمية ضد النظام بحجة أنهم لا يريدون لطائرات النظام أن تقصف المناطق الكردية.

الباحث هوشنك أوسي تحدث عن علاقة الكرد السوريين ودورهم في حزب العمال الكردستاني وكيف جعل هذا الحزب من الأكراد السوريين أعضاء من الدرجة الثانية.

وبعد الضغط من أعضائهم من الكرد السوريين عيّن الحزب رستم جودي الكردي السوري في المناطق الكردية في سوريا، لكن النظام السوري لم يقبل بذلك ومن ثم اغتيل رستم جودي في ظروف غامضة.

يقول أحد الشهود ممن كان عضواً سابقاً في العمال الكردستاني إنه كان يوصل الشباب المتطوعين للقتال في العمال الكردستاني إلى منطقة نهر دجلة لإيصالهم إلى معسكرات الحزب في جبال تركيا، وبينما كان الشبان يركبون إحدى العَبّارات الصغيرة أصيب أحد الشبان بالخوف فغادر العبارة وسرعان ما قام أحد الضباط العلويين الذين كانوا يشرفون على إدخالهم إلى الطرف التركي بإلقاء ذلك الشاب في مياه دجلة فمات غرقاً، وهنا يلاحظ دور مخابرات النظام المتكرر في تهريب المسلحين لدول الجوار سواء على شكل مناضلين أو مجاهدين، والمحصلة القيام بأدوار تخدم هدف واحد.

ويتحمل النظام الأسدي مسؤولية التغيير الذي حصل في المناطق الكردية - وهنا أقصد التغيير الثقافي من عادات وتقاليد -، وذلك بسبب تنميته للأحزاب اليسارية ذات الطابع الشيوعي والماركسي، وحتى محاولة تشييع الكرد في سوريا عن طريق «حركة المرتضى» التي كانت بإشراف جميل الأسد، ثم تلاه تنمية حزب العمال الكردستاني الذي كان يشرف عليه جميل الأسد أيضاً.

يقول الراحل الملا محمد حيدر (أحد أهم علماء السنة الكرد): «كيف تسمح حكومة لمجموعة تقول إنها ستحرر كردستان [يقصد العمال الكردستاني] بممارسة كل الاحتفالات وتجنيد الشباب، في حين أنها وضعتني بالسجن لأني أعطيت دروساً في الصلاة والصيام».

ويضيف الملا محمد حيدر أن تعامل النظام مع القضية الكردية كان صارماً، وأن النظام سجنه مرة لأنه قال في إحدى صلوات الجماعة للمصلين «استووا» باللغة الكردية.

من خلال الإجابة على هذا التساؤل يمكننا أن نبرهن على أن تحالف العمال الكردستاني مع نظام الأسد كان وما زال لأسباب طائفية، فلماذا لم يتحالف الأسد الأب والابن مع بقية الأحزاب الكردية سواء في العراق وسوريا في حين تحالف مع العمال الكردستاني، والإجابة هي أن معظم مؤسسي حزب العمال الكردستاني هم من العلويين سواء كانوا كرداً أو أتراكاً ويتقاسمون الثقافة اليسارية ذاتها ويخفون المذهبية المتأصلة فيهم.

قتل في ظروف غامضة:

استطاعت الطائفة العلوية في كل من سوريا وتركيا تدمير المناطق الكردية مرة تلو أخرى بأسلوب أقرب إلى المكائد الشيطانية، ويجدر هنا ذكر ما يرويه الأكراد في المناطق الكردية السنية قبل مجيء العدالة والتنمية للحكم في تركيا، من تعرض كثير من كتّابهم وزعماء عشائرهم للاغتيال في بداية تأسيس العمال الكردستاني، ويروي أحد كوادر الحزب الاشتراكي الكردستاني في تركيا (طلب عدم الكشف عن اسمه) أن أهم نشطائهم تعرضوا للقتل في ظروف غامضة، ويضيف: «علمنا فيما بعد أن العمال الكردستاني هو المسؤول عنها»، وهذا لا يعتبر إلا غيضاً من فيض بالنسبة للخراب والتهجير الذي تعرضت له القرى والمدن الكردية السنية، إذ كان كوادر الكردستاني يأتون إلى منازلهم (أهالي القرى والمدن) ويجبرونهم على دفع الإتاوات والتزود بالطعام، ثم ما أن يغادر كوادر ومقاتلو الحزب القرية يأتي العسكر وهو محمل بالمعلومات لمن أطعم ودفع الأموال لمقاتلي العمال الكردستاني فيبدأ القتل والتعذيب، ثم أحرقت الحكومات التركية ما يزيد عن ثلاثة آلاف قرية ومن ثم تشرد الأهالي وأجبروا على النزوح ليعملوا في المهن الدونية تاركين زراعتهم وقراهم، والبقية من مآل حالهم لن يصعب على عارف بالشؤون الاجتماعية معرفته.

كذلك علينا أن نلاحظ الذي حدث من تدمير وخراب في الولايات الكردية ذات الغالبية السنية في الآونة الأخيرة عندما دخل حزب الشعوب الديمقراطي الانتخابات البرلمانية التركية وحصل على ما يزيد عن ثمانين مقعداً نيابياً، واستبشر الناس خيراً وتوقع أكراد تركيا أن العملية السلمية باتت تأتي أكلها، ذهب رئيس الحزب (صلاح الدين ديمرتاش) المقبوض عليه حالياً في زيارة إلى روسيا في تحد صارخ للدولة التي كانت في حالة أشبه ما يمكن بالعداء مع روسيا، ومن ثم لم يترك العمال الكردستاني للعملية السلمية أن تتقدم للأمام وذلك بحفره للخنادق في بلديات الولايات ذات الغالبية الكردية السنية، ويجدر بنا أن ننتبه أن البلديات والولايات الكردية العلوية لم يحفر فيها خنادق ولم يعلن عن أي إدارة ذاتية أو ما شابه، وهكذا تم تدمير معظم الولايات ذات الغالبية الكردية السنية منها فقط في تناغم غريب مع ما حصل للتجمعات السنية في سوريا والعراق.

تشييع قسري:

إذا كان استهداف الكرد السنة في كل من سوريا وتركيا والعراق من قبل الطائفيين الشيعة يأخذ أشكال المكر والخبث فإنه في إيران واضح وضوح الشمس، فالكرد في إيران تعرضوا لعملية تشييع قسرية منذ مجيء سلطة الملالي أو ما يسمى بالثورة الإسلامية، وتعرّض علماء الدين السنة الأكراد للإعدام ونذكر منهم ناصر سبحاني وأحمد مفتي زاد، فقد اعتقل نظام الخميني ناصر سبحاني لأنه رد على كتاب الخميني «الحكومة الإسلامية» بكاتب سماه «الولاية والإمامة»، ثم أُعدم سبحاني ولم تسلم جثته لذويه.

 في مقالة للكاتب محمد صادق أمين نشرت في موقع الخليج أونلاين يقول فيها: «حبال المشانق الإيرانية لا تتوقف عن جز رقاب علماء الدين السنة ودعاتهم»، ويتحدث الكاتب محمد صادق أمين في هذا المقال أن كل السنة مستهدفون ويذكر إعدام العلماء السنة على يد السلطة الإيرانية منذ نجاح ما يسمى الثورة الإسلامية وإلى الآن، وأستطيع القول أنه لم يزل الكرد يدفعون حصة الأسد من هذا الظلم، وذلك لأن السلطة الإيرانية تخشى من الكرد السنة لسببين: كونهم كرد يعيشون على أرضهم التاريخية، ولكونهم سنة، وتتعامل إيران مع الكرد في إيران على مستويين: تضطهدهم مذهبياً، ولا تتخلى عن محاولتها في تشييعهم من جهة، وكذلك هي بتواطئها مع العمال الكردستاني تضطهد كل الحركات والأحزاب التاريخية الكردية في إيران، وهنا أعيد ما أشرت إليه في المقدمة وهو أن العمال الكردستاني كما هو في تركيا وسوريا والعراق يستخدم الشعارات القومية الكردية لتنفيذ مخططات إيران وحلفائها.

ولا أعتقد أن المهتم بالشأن السياسي ينسى ما فعل الاتحاد الديمقراطي (فرع العمال الكردستاني في سوريا) من قمع للمظاهرات السلمية في القامشلي، عندما تظاهر الكرد ضد قمع السلطات الإيرانية للمظاهرات في مدن إيران الكردية لأجل الفتاة التي انتحرت بعد أن حاول رب عملها أن يتاجر بشرفها في أحد الفنادق في إيران، وعندما استشعر العمال الكردستاني أنه قد تتحول التظاهرات إلى انتفاضة ضد نظام الملالي في إيران سارع إلى افتعال اقتتال مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران وقتل أحد مقاتلي البشمركة في الحزب الديمقراطي الكردستاني، وكان ذلك كافياً لتتوقف المظاهرات في المناطق الكردية في إيران.

التأثير الطائفي:

في إقليم كردستان العراق وإن كان يبدو للوهلة الأولى أن القضية الكردية تأخذ طابعاً قومياً فقط، علينا أن لا نغفل التأثير الطائفي الذي أودى باقتصاد إقليم كردستان عندما قطعت حكومة المالكي الموالية لإيران حصة الإقليم من الموازنة، والضغط الذي تقوم به طهران على حزب الاتحاد الوطني، وحزب كوران (التغيير) بإفشال كل سياسات التنمية السياسية والاقتصادية في إقليم كردستان العراق.

يقول مدير مركز الدراسات في جامعة دهوك زيرفان برواري: «إن استهداف الكرد السنة في العراق من قبل إيران والحكومة الطائفية في بغداد له شكلان: أولاً لأن الكرد في العراق غالبيتهم سنة، وثانياً لكونهم أكراداً، واستطاعت إيران احتواء حزب الاتحاد الوطني وحزب كوران في السليمانية لكنها تعجز عن احتواء الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يبدو أنه أقرب لمحور الاعتدال في المنطقة وطبعاً أقرب إلى الجهات السنية»، والكل يتذكر زيارة رئيس إقليم كردستان للملكة العربية السعودية، وكذلك نشهد علاقات ممتازة بين الإقليم وبقية دول الخليج العربي وتركيا، ولقد شهدنا في تسعينات القرن الماضي عندما دعا رئيس النظام السوري آنذاك حافظ الأسد رئيس إقليم كردستان لزيارة دمشق حيث طلب حافظ الأسد من مسعود البارزاني أن يجعل إقليم كردستان ممراً إلى إيران لكن البارزاني رفض ذلك العرض والسبب خشية البارزاني أن يكون إقليم كردستان العراق جسراً من جسور الهلال الشيعي التي تعمل على بلورته الحكومة الإيرانية منذ نجاح ما يسمى الثورة الإسلامية في إيران وإلى الآن، وكان الرد من قبل حافظ الأسد والسلطات الإيرانية تحريضهما للعمال الكردستاني والاتحاد الوطني آنذاك لاحتلال عاصمة الإقليم هولير (أربيل) والتسبب بنشوب حرب أهلية راح ضحيتها عشرات الآلاف.

الأكراد يدفعون الثمن:

مما سبق يمكن القول إن النظام الإيراني وعن طريق وكلائه، العمال الكردستاني ونظام حافظ الأسد الذي يبقى بشار استمراراً له، استهدفوا ولا يزالون يستهدفون الكرد في كل مكان لأسباب طائفية وقومية.

السبب الطائفي المذهبي هو العامل الأهم نظراً لقراءة سلوك النظامين ووضوح طائفيتهم الجهنمية، ولقد دفع الكرد وما زالوا يدفعون عشرات بل مئات الآلاف من الضحايا في حروب العمال الكردستاني التي لا تمت بصلة للحقوق الكردية.

وعودة إلى الكاتب الكردي السوري المعروف هوشنك أوسي في مقالته التي استرعت انتباه الباحثين «أن العلوية السياسية تتبلور عندما نعلم أن الغالبية العظمى من مؤسسي ومديري العمال الكردستاني هم علويو الأصل أو كرد سنة تأثروا بالفكر العلوي عن طريق زملاتهم للعلويين في الأحزاب اليسارية التركية كعبد الله أوجلان وغيره»، وتكمن الخطورة في المسعى الذي يحاول العمال الكردستاني القيام به وهو التغيير الثقافي الذي يقوم به هذا الحزب وهو فصل الكرد عن أصولهم القومية والثقافية.

يقول البروفسور فرهاد سيدا في مقالة له: «لقد باتت القومية الكردية منقسمة إلى ما يشبه قوميتين أو طائفتين، الأبوجية التي نمت في نهايات السبعينات وتحولت اليوم إلى ما يشبه قومية موازية للقومية الكردية، وعلى الكرد (كقومية لها جذورها التاريخية المعروفة) والأبوجية الدخول في صراع يجب أن ينتصر أحدها على الآخر لأنه من المستحيل أن يتعايشا في أي إطار».

بينما يقول الكاتب والباحث التركي «كمال أوزتورك»، في مقالته التي نشرتها صحيفة «يني شفق» التركية: «حينما آخذ أي كتاب في مكتبتي يتعلق بالأكراد أجد له مقدمة تبدأ بنبذة تاريخية. وكل الكتب تحكي كيف تبدأ حركات التمرد لدى الأكراد وكيف تُخمد وكيف تم اضطهاد الأكراد». مضيفاً: «في رأيي إن الغاية من ذلك هي معرفة كيف خُدِع الأكراد، واستُخدِموا من قبل الدول الأجنبية فيما بعد. ومع الأسف، فإن الأكراد الذين استخدمتهم كل الدول تركتهم بعد ذلك، وبرغم معرفتهم لما عانوه من عذاب طوال عقود، ها هم يسقطون في فخ الدولة من جديد».

وتابع: «بعد هذا التاريخ أصبح من المستحيل معرفة مِن قِبَلِ مَن، ولأي غرض استُخدم الأكراد المنقسمون. فألمانيا، وفرنسا، وإسرائيل، وإيران، والعراق، وسوريا، وأمريكا، وروسيا، والصين، استخدمت جميعها الأكراد لفترات وأغراض متعددة ثم تخلت عنهم».

وانتهى «أوزتورك» بالقول: «منذ أن رفعوا رؤوسهم لأول مرة في وجه الدولة العثمانية عام 1806م قاد الأكراد الذين يعيشون في المنفى مئات الحروب والتمردات ولم يستطيعوا أبداً الوصول إلى الدولة الكردية التي وُعِدوا بها. قُتِل آلاف الأكراد، ونُفي الآلاف، وانتُزِعوا من أماكنهم وأوطانهم. استخدمت أمريكا الأكراد لمواجهة صدام وحدثت مجزرة في حلبجة عام 1988م، وكانت الألم الذي لا يُنسى من بين كل ما ذُكِر، والآن روسيا وأمريكا تستخدمان الأكراد مجدداً في كردستان السورية وتخدعهم بدولة كردية مستقلة».