دور الكيان الصهيوني في ترتيبات المرحلة النهائية بسوريا خلال النصف الأول من عام 2017م

يسفر صراع مختلف القوى الإقليمية والدولية للاستئثار بأكبر نصيب من المكاسب الميدانية في المنطقة العربية عن متغيرات كبرى في المشهد الجيوسياسي.

وفي كواليس المؤتمرات الدولية والدبلوماسية المعلنة حول سوريا تخوض أجهزة استخبارات الدول الفاعلة في تفاصيل خرائط «سرية» تهدف إلى اقتسام مناطق التأثير والنفوذ، حيث تتفاوض الإدارة الأمريكية الجديدة مع الروس على خطة تتضمن إنشاء حزام حول سوريا يمتد من جنوب البلاد إلى شمالها بهدف منع مقاتلي «داعش» من الانتقال إلى البلدان المجاورة، ووضع ترتيبات أمنية خاصة بجنوب سوريا، ومنح الأكراد صلاحيات وإمكانات عسكرية لتأمين الحدود الشمالية، في حين تتولى قوات عشائرية ذات أغلبية سنية المناطق الشرقية تحت قيادة أمريكية مباشرة.

وتركز هذه الورقة على نموذج التفاعل مع المتغيرات الحادة في المنطقة من خلال تسليط الضوء على الدور الذي تلعبه تل أبيب في الأزمة السورية، وذلك من خلال سعيها لتبوء دور فاعل في كواليس الدبلوماسية الخفية، حيث استبق وزير الدفاع الصهيوني أفيغدور ليبرمان زيارته لموسكو (26 أبريل 2017م) بشن غارات جوية بالقرب من دمشق، وذلك في أعقاب محادثة أجراها رئيس وزراء الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طلب فيها عدم تجاهل مصالح تل أبيب في ما تجريه موسكو من اتصالات مع مختلف الأطراف حول ترتيبات الوضع النهائي في سوريا.

وجاءت الدبلوماسية المقرونة بالعمل العسكري في أعقاب حديث ساخن دار بين نتنياهو ووزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس عندما زار الأخير تل أبيب (21 أبريل 2017م)، حيث أبدى رئيس الوزراء الصهيوني عدم رضاه عن سير الأمور في الجنوب السوري، وطالب واشنطن بتقديم المزيد من الضمانات حول ترتيبات مرحلة ما بعد السيطرة على الرقة، وبتوضيح طبيعة التعاون العسكري الروسي - الأمريكي، وكيفية التعامل مع القوات الإيرانية والميلشيات التابعة لها في سوريا، وسبل تأمين المناطق الآمنة داخل سوريا.

ومن خلال تتبع مداولات نتنياهو مع الرئيس ترمب وصهره جاريد كوشنر خلال الفترة (فبراير - يونيو 2017م)، وما تزامن معها من إجراءات متسارعة على الأرض؛ تحاول هذه الدراسة تحديد معالم إستراتيجية الكيان الصهيوني الحثيثة للانخراط في أدق تفاصيل العمليات السياسية والأمنية والعسكرية في سوريا، وذلك بخلاف الصورة المحايدة التي يحاول الظهور بها أمام المجتمع الدولي.

ويمكن تلمس أبرز ملامح إستراتيجية الكيان الصهيوني إزاء سوريا في المحاور التالية:

أولاً: احتواء أطراف الصراع في الجنوب السوري:

ينفذ الكيان الصهيوني سياسة معقدة في الجنوب السوري من خلال إقامة علاقة تعاون مع مختلف أطراف الصراع، ووفقاً لدراسة أعدها معهد «راند» حول خيارات الكيان الصهيوني في سوريا؛ حدد الباحث لاري هناور أهداف تل أبيب فيما يلي:

• تحجيم الدور العسكري الروسي لمنع إقامة حضور روسي دائم في الجنوب السوري.

• منع إيران من نقل أسلحة نوعية إلى «حزب الله» على الحدود مع الجولان.

• ضمان استمرار حكم الأسد مع إبقائه في حالة ضعف لا تشكل خطراً على تل أبيب، إذ إن انهيار حكمه سيصب في مصلحة خصومه «المتشددين».

• احتواء المعارضة السنية، إذ إن تل أبيب لا ترى في فصائل المعارضة ولا في الجماعات المتشددة التابعة لتنظيمي داعش والقاعدة تهديداً على أمنها، وذلك نظراً لانشغال هذه المجموعات بالاقتتال فيما بينها وبمحاربة النظام، في حين يتركز اهتمام الجماعات المتشددة على زعزعة استقرار الدول المجاورة للكيان الصهيوني كالأردن ومصر، دون أن تبدي أي اهتمام باستهداف هذا الكيان.

ويمكن تفصيل أهم ملامح الإستراتيجية الصهيونية في الجنوب السوري فيما يلي:

1- التنسيق مع الروس:

برغم قلق تل أبيب إزاء العمليات الروسية جنوب سوريا؛ إلا إن نتنياهو يفاخر في الأوساط السياسية بنجاحه في إنشاء غرفة تنسيق عسكري وفتح خط مباشر مع الرئاسة الروسية دون أن يحد ذلك من قدرته على ضرب الأهداف التي يحددها في الأراضي السورية، بغض النظر عن منظومات الدفاع الجوي التي جلبتها روسيا للسيطرة على الأجواء في المنطقة.

وكانت المفاوضات الروسية مع الكيان الصهيوني قد أسفرت عن مجموعة من الترتيبات الأمنية والعسكرية، تضمنت تعزيز أدوات التنسيق لمنع اقتراب المقاتلات الصهيونية والروسية المحلقة في الأجواء السورية، والإبقاء على مسافة لا تقل عن 20 ميلاً فيما بينها، وامتناع المقاتلات والمروحيات الروسية من الاقتراب من الحدود السورية مع الكيان الصهيوني، والتعهد بعدم قصف أية أهداف على بعد 15 كم من الحدود.

وبرغم تشدد موسكو إزاء عملياتها في سوريا، ورغبتها في فرض احتكار شامل للأجواء السورية من خلال نشر منظومات صاروخية متطورة؛ إلا إنها أبدت تعاوناً كاملاً مع الطرف الصهيوني، حيث عبر بوتين عن تفهمه الكامل للمتطلبات الأمنية للكيان الصهيوني متعهداً بحفظ حق تل أبيب في القيام بأية عمليات استباقية ضد النظام وحلفائه على الأراضي السورية.

2- تفعيل «وحدة الارتباط» مع المواطنين السوريين:

في مقابل علاقة التنسيق مع روسيا؛ بادر الكيان الصهيوني إلى تعزيز علاقاته مع المواطنين السوريين في القنيطرة من خلال إنشاء وحدة ارتباط مع السوريين المقيمين في الأراضي الخاضعة لسيطرة المعارضة، وأوكل إليها مهمة تقديم المساعدات الإنسانية والطبية لكسب قلوب سكان القرى السورية المجاورة.

وأشارت دراسة نشرها موقع «نيوز ديبلي» (15 يونيو 2017م) إلى أن الكيان الصهيوني قد عمل بهدوء خلال السنوات الخمس الماضية على إيجاد موطئ قدم له في جنوب سوريا لمنع القوات الموالية للنظام من السيطرة على المنطقة ولتعزيز ادعاءاته المتعلقة بمرتفعات الجولان، حيث تحولت العلاقة مع سكان تلك المنطقة بالتدرج من معالجة قضايا إنسانية إلى تنسيق عمليات متكاملة متعددة الأوجه، الأمر الذي مكنها من إنشاء «منطقة آمنة إسرائيلية»، على نحو غير رسمي، تمتد بعمق 10 كم وبطول 20 كم ما وراء خط ترسيم الحدود الواقع في الجزء المحتل من مرتفعات الجولان، وذلك لمنع قوات النظام وحلفائه من إيجاد موطئ قدم على طول الشريط الحدودي.

وأحالت الدراسة إلى الدور الذي قامت به «وحدة الارتباط» منذ إنشائها عام 2016م في تسهيل اجتياز المواطنين السوريين الحدود إلى داخل الكيان الصهيوني، وتنسيق عمليات إدخال شحنات دورية من الطعام والملابس ومواد البناء والمواد التعليمية، بحيث أصبح من المألوف اليوم أن ترى حافلات الكيان الصهيوني تدخل وتخرج من جنوب سوريا محملة بمواطنين سوريين من مناطق سيطرة المعارضة في القنيطرة معظمهم يدخل الكيان لأجل تلقي العلاج الذي عادة ما يتم في مستشفى «زيف» في صفد وفي مشفى غرب الجليل في نهاريا أو في مركز «رامبام» الطبي في حيفا، ويمكث بعض المرضى عدة أيام، وقد تصل الإقامة لشهر كامل أو حتى عام ونصف العام، يُمنحوا خلالها الفرصة لتعلم اللغة العبرية والتأقلم مع المحيط الجديد.

ووفقاً لتقرير أصدرته قوات فض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة «أندوف»؛ فقد ازداد التفاعل بين الجيش الصهيوني وأولئك القاطنين ضمن مناطق سيطرة المعارضة على طول السياج الحدودي، حيث تمت ملاحظة تضاعف حركة نقل المؤن على جانبي الحدود.

وتنسق منظمات المجتمع المدني في الكيان الصهيوني، مثل «منظمة العون الإسرائيلية» و«شيفات أشيم» مع وحدة الارتباط للتواصل مع مجالس المعارضة المحلية في نحو 35 قرية سورية لإيصال المساعدات إليهم، ولعل مؤسسة «أماليا» الصهيونية هي الأنشط من بين هذه المؤسسات، حيث وسعت عملها ليشمل 17 قرية في القنيطرة وجنوب محافظة درعا وجزء من السويداء، كما نفذت مجموعة مبادرات تدريبية ومشاريع بناء مستشفيات ومدارس.

ويسعى مؤسس «أماليا» موتي كهانا إلى دفع حكومة تل أبيب للموافقة على تبني 100 طفل سوري، وهو ما وافق عليه وزير الداخلية آرئيل درعي شريطة أن يتم تبنيهم من قبل عائلات صهيونية، وأن يُمنحوا سكناً وإقامة في المرحلة الأولى، ومن ثم يحصلوا على الجنسية «الإسرائيلية» في مرحلة لاحقة.

3- تقديم الدعم والخدمات الطبية لبعض فئات «المعارضة»:

وفقاً لتقرير نشره موقع «ديلي بيست» فإن تل أبيب تحرص على إقامة علاقة ودية مع الفصائل التي تتعاون معها في الجنوب السوري، مشيراً إلى تلقي نحو ألفي مقاتل من عناصر المعارضة العلاج في مستشفيات صهيونية، وعلى رأسهم «هيئة تحرير الشام» (النصرة سابقاً) التي استفادت من الخدمات الطبية الصهيونية بصورة كبيرة، حيث تتضمن الخدمات التي تقدمها تل أبيب عمليات إجلاء الجرحى بناء على اتفاق بعدم التحقق من هوية المصابين، وضمان عدم التحقيق معهم عندما ينقلون إلى مستشفيات الكيان الصهيوني.

وأشار التقرير إلى أن تل أبيب تتعامل مع القوى الموجودة في الجولان على أنها قوات محلية ولديها أهداف محددة ضد النظام، وضد بعضها البعض، ولذلك فإنها لا تجد ضيراً في تقديم الدعم لهذه الفئات المتصارعة، وخاصة فصيل «شهداء اليرموك» المرتبط بتنظيم «داعش» والذي يخوض معارك شرسة مع «هيئة تحرير الشام» التابعة لتنظيم القاعدة ومع الفصائل الأخرى الفاعلة في القنيطرة والتي تستفيد جميعها من دعم الكيان الصهيوني الطبي والإغاثي، كما تتمتع بالحماية من ضربات الأسد لمجرد وجودها قريبة من الحدود السورية مع الكيان الصهيوني.

وفي ظل الاشتباكات اليومية التي تسفر عن أعداد كبيرة من الإصابات؛ فإن الكيان الصهيوني قد وجد في تلك البيئة المشتعلة فرصة مواتية لإعادة تجربته في لبنان، إذ إنه لم يرسل قواته على الأرض، بل سارع إلى سد الفجوة من خلال تقديم الخدمات الأساسية لمختلف الجهات المتصارعة، وزيادة عدد السوريين المعتمدين عليه والمتقبلين لوجوده في المنطقة.

وأشار التقرير إلى أن جبهة الجولان تمثل المنطقة الأكثر دينامية وتعقيداً في إستراتيجية الكيان الصهيوني تجاه سوريا، حيث يدعو ضباط مرموقون تل أبيب لأداء دور نشط في الحرب السورية، والتخلي عن موقفها المتمثل بعدم التدخل، بطريقة تؤدي إلى دعم جهود استنزاف مختلف الخصوم من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لهم.

أما على الصعيد السياسي، فيقوم الكيان الصهيوني علناً بمغازلة معارضين سوريين، مثل عصام زيتون وكمال اللبواني، الذين يزورون الكيان الصهيوني بشكل منتظم، وتروج تل أبيب كذلك لجبهة «الخلاص الوطني» بزعامة فهد المصري، الذي يجاهر بالدعوة إلى تدخل الكيان الصهيوني في سوريا.

4- إنشاء قوات محلية موالية لتل أبيب:

تشير العديد من الدراسات الغربية إلى أن الكيان الصهيوني يكرر تجربته أثناء الحرب الأهلية اللبنانية في الجنوب السوري، ففي عام 1975م استغل الكيان الصهيوني الفوضى التي عمت لبنان إثر نشوب الحرب الأهلية، وأنشأ شبكته الخاصة من اللبنانيين في الجنوب فيما أسماه سياسة «السياج الجيد»، والتي أتاحت للكيان الصهيوني ملء الفراغ في المنطقة التي يقطنها العديد من الطوائف التي هَجَرَتها الحكومة أمنياً ومادياً، وعملت على إثارة الهواجس الطائفية وعلى التخويف من الدور الذي يمكن أن يقوم به الفلسطينيون لإحكام قبضتهم على المنطقة، وذلك بالتزامن مع إرسال مساعدات إنسانية وطبية من خلال المعبر الموجود في بلدة «بوابة فاطمة»، ومن ثم شرع الكيان الصهيوني في إرسال السلاح، وبادر بإنشاء مليشيات خاصة به.

وفي هذه الأثناء لم يكن من المستهجن أن يسعى اللبنانيون للحصول على العلاج وفرص العمل في الكيان الصهيوني الذي كان يعتبر أكثر استقراراً من لبنان آنذاك.

كما أنشأت تل أبيب في العام نفسه (1975م) «جيش لبنان الحر» ودربته ومولته تحت قيادة الضابط اللبناني السابق أنطون لحد، الذي كلف بمهمة استهداف أية جهة يشتبه بمعارضتها، وأوكلت إليه مهمة تمهيد الطريق لاحتلال جنوب لبنان الذي استمر حتى عام 2000م.

وبعد مرور أربعين عاماً على تلك الأحداث؛ يشهد الجنوب السوري سيناريو مشابهاً لما حصل في جنوب لبنان، حيث قامت تل أبيب في غضون السنة الماضية بدعم وتمويل فصيل يطلق عليه اسم «لواء فرسان الجولان» بقيادة أحمد الخطيب، من قرية «مسحرا» في القنيطرة، وتكفلت بتقديم مبلغ شهري بقيمة خمسين ألف دولار شهرياً لتجنيد نحو ألف مقاتل، لكن الحقيقة أن العدد الفعلي لقواته يتراوح بين 300 و400 عنصر.

ويتمتع اللواء بتسليح خفيف فقط، إذ إنه يعمل بشكل رئيس كقوة حرس حدود، ويقوم بدوريات في المنطقة التي ينتشر فيها، انطلاقاً من قرية «جباتا الخشب» بالقنيطرة، وذلك ضمن نطاق قوات الفصل التابعة للأمم المتحدة «أندوف».

5- الدروز مكون أساسي في «معادلة الجنوب»:

مثلت هزيمة النظام بمعارك الجنوب في يونيو 2015م نقطة فاصلة في محافظة السويداء؛ حيث أدت هجمات المعارضة إلى تحرير مطار «الثعلة» العسكري إثر انهيار اللواء «52» في درعا، وقيام قوات النظام بتنفيذ انسحاب نتج عنه حالة غير مسبوقة من الفوضى.

وفي ظل الفراغ الأمني وانتشار الفوضى في محافظة السويداء؛ طالب دروز الكيان الصهيوني حكومة تل أبيب بالتحرك لمساعدة إخوانهم في سوريا، حيث طلب زعيم الطائفة الشيخ موفق طريف من رئيس الأركان ومن رئيس الحكومة التحرك لمنع حدوث مجازر في القرى الدرزية السورية، وطالبت حكومة نتنياهو بدورها الولايات المتحدة بمد العون للدروز في سوريا عبر الحدود الأردنية.

ووفقاً لموقع «ألمونيتور» (يوليو 2015م) فإن الضباط الدروز في جيش الاحتلال طالبوا حكومة نتنياهو بحماية إخوانهم الدروز في سوريا من «خطر التنظيمات المتطرفة»، وأرسلوا معونات من أجل تسليح الدروز في الداخل السوري.

ومثل التدخل الروسي في سوريا (30 سبتمبر 2015م) فرصة لتل أبيب للشروع في مفاوضات مكثفة مع الكرملين حول الوضع في المحافظات السورية الجنوبية، حيث أرسلت وزارة الدفاع الصهيونية وفداً إلى موسكو لمناقشة آثار عمليات القصف في الجنوب، وسبل تثبيت الوضع الخاص لدروز السويداء، وطلب الوفد الصهيوني من موسكو تقديم ضمانات بعدم التعرض للسويداء، وتوفير الحماية وسبل الإمداد لأهل المحافظة، وحصل الوفد بالفعل على ضمانات من المسؤولين الروس بأن العمليات العسكرية ستهدف إلى حماية الأقليات العلوية والكردية والدرزية بصورة خاصة، وذلك بالتزامن مع تصريحات أطلقها لافروف حول ضرورة حماية الأقليات وعدم السماح للسنة في سوريا بالانفراد بالحكم.

وتحدث الإستراتيجيون الروس في هذه الأثناء عن خطة طموحة تشمل سائر أنحاء القطر السوري، تتضمن دعم الانفصاليين الأكراد في الشمال، وتعزيز استقلال الدروز في الجنوب، وتأسيس جيب علوي في الغرب، ضمن ترتيبات مرحلة انتقالية تقوم على أساس فيدرالي يضمن لموسكو دعم الأقليات في هذه المناطق.

وسرعان ما تم تنفيذ ذلك على الأرض؛ حيث عملت القوات الروسية على عزل جبل الدروز بصورة كاملة عن العمليات العسكرية، وتعهدت بتوفير الحماية لهم من أية هجمات محتملة لتنظيم «داعش» أو جبهة النصرة، كما ركزت عملياتها في المناطق الشرقية من الجنوب السوري على دفع المقاتلين وعائلاتهم للاتجاه نحو معبر القنيطرة الحدودي «عين زيفان» مع الكيان الصهيوني.

وأكدت دراسة لمعهد «راند» أن تل أبيب عززت اتصالاتها السرية مع دروز سوريا لتأمين الإمدادات لهم في ظل تنامي الصراع في الجنوب، كما طمأنت حكومة تل أبيب المجتمعات الدرزية في الجولان المحتل أن التحالف معهم يتجاوز الحدود «الإسرائيلية»، مؤكدة أن حكومة نتنياهو توصلت إلى تفاهمات إقليمية تضمن عدم المساس بأبناء «الطائفة المعروفية» في سوريا، حيث تم فتح ممر آمن من جبل العرب ومحافظة السويداء جنوب سوريا إلى الأردن، لينتقل عبره الدروز الراغبون بذلك إلى الأردن في حال اضطرارهم للهرب من بلداتهم.

ونشط في هذه الأثناء الحاخام يحيائيل أكشتاين، رئيس مؤسسة «صندوق الصداقة»، في «زيارة العائلات الدرزية السورية الموجودة في مخيمات اللاجئين في الأردن، من أجل تزويدهم بالمساعدات الإنسانية»، يرافقه الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، موفق طريف الذي قدم لهم قسائم شراء مواد غذائية، كمساعدة منه للعائلات، مؤكداً أن «المساعدة المقدمة للعائلات الدرزية غير مخصصة لمرة واحدة فقط، بل هي مساعدة تمتد على الأقل لستة أشهر».

6- التفاوض مع النظام وحلفائه:

نظراً لرغبة تل أبيب في بقاء الصراع الداخلي في سوريا ممتداً لأطول فترة ممكنة، فقد ارتكزت إستراتيجيتها على إبقاء الوضع الراهن دون ترجيح كفة أي من الأطراف المتصارعة، وعلى قصر نشاطها العسكري في مجموعة ضربات موضعية ضد مواقع النظام و«حزب الله»، وذلك بهدف منع إيران من تزويد «حزب الله» بأسلحة نوعية أو إنشاء بنية تحتية على الحدود معها، والإبقاء قدر المستطاع على حالة الاقتتال بين الميلشيات التابعة لإيران مع فصائل المعارضة حتى لا يتمكن أي منها من مهاجمة الكيان الصهيوني في المستقبل المنظور.

وبرغم توجيه الكيان الصهيوني نحو 22 غارة جوية على مواقع في الأراضي السورية منذ عام 2013م، واستهداف مواقع للنظام وحلفائه بالمدفعية الثقيلة، إلا إن علاقات التواصل لم تنقطع بين الطرفين، ولا تزال الوساطة الروسية بين دمشق وتل أبيب تثير تساؤلات متعددة حول طبيعة التوازنات التي يرغب الكيان الصهيوني بالمحافظة عليها في المنطقة، خاصة وأن الكيان الصهيوني قد نجح في المحافظة على وتيرة ثابتة من التواصل مع نظام دمشق تتوج بزيارة سرية لوزير الاتصالات الدرزي في الحكومة الصهيونية أيوب قرا، إلى الأراضي السورية بحجة البحث عن رفات بعض الجنود الصهاينة، لكن مصادر رجحت أن جهوده كانت منصبة نحو إنقاذ أسرة يهودية في حلب.

كما قامت روسيا بدور الوساطة بين تل أبيب ودمشق في عدة قضايا، أبرزها:

• الكشف عن ثلاثة جنود مفقودين في سوريا.

• إعادة دبابة صهيونية من طراز (M48 Patton).

• مطالبة النظام بالاعتراف بدوره في الجنوب السوري وإعادة الأمور كما كانت عليه قبل عام 2011م.

• عرض نتنياهو تخلي النظام عن حلفائه الإيرانيين مقابل الاعتراف بدوره في الجنوب السوري.

ووفقاً لموقع «ديبكا» (16 يونيو 2017م)؛ فإن بشار الأسد أرسل رسالة إلى نتنياهو عبر وسطاء روس عبر فيها عن تفهمه لقلق تل أبيب من التصعيد العسكري في المحافظات الجنوبية، ومن الحشود العسكرية لكل من الحرس الثوري الإيراني و«حزب الله» اللبناني، وأكد حرصه على عدم خرق الهدنة القائمة على الحدود السورية مع الكيان الصهيوني منذ عام 1974م، وتعهد بعدم تعريض مصالح الكيان للخطر إذا لم يتدخل في العمليات الجارية، وألمح إلى أن القوات الأجنبية ستغادر المنطقة فور تحقيق أهدافها العسكرية.

وتؤكد هذه التسريبات حقيقة ما يدور في المفاوضات الجارية (في الأردن) بين موسكو وواشنطن حول الوضع النهائي في الجنوب السوري، حيث قدمت موسكو تعهدات بسحب الحرس الثوري الإيراني و«حزب الله» من الجنوب السوري، مقابل انتزاع موافقة أمريكية - صهيونية على تمكين النظام من إعادة السيطرة على المعابر الحدودية مع الأردن، والاعتراف بدور روسيا في حفظ الحدود السورية - الأردنية - الصهيونية، وتوليها الإشراف على تنفيذ هدنة عام 1974م.

ثانياً: تبني مشاريع التجزئة والتقسيم:

  الدعوة الرسمية إلى تقسيم المنطقة العربية:

مثل مقال وزير الدفاع الصهيوني أفيدور ليبرمان الذي نشره في موقع «ديفينس نيوز» الأميركي (5 ديسمبر 2016م) نقطة تحول في سياسة تل أبيب تجاه الأزمة السورية، حيث وصف ليبرمان ما يحدث في سوريا والعراق واليمن وفي باقي بلدان المنطقة بالزلزال التاريخي، مؤكداً أن «الحل لمشاكل المنطقة يكمن في رسم حدود جديدة لبعض الدول، بحيث تتغير الحدود بشكلها الحالي خاصة في العراق وسوريا، ويتم وضع خطوط فاصلة بين مناطق الشيعة ومناطق السنة للقضاء على الفتنة الطائفية وفتح الطريق أمام قيام دول تتمتع بشرعية داخلية».

وأشار ليبرمان إلى أن اتفاقية سايكس - بيكو قد أنتجت بلداناً مصطنعة في الشرق الأوسط، وذلك لأنها قامت على اعتبارات استعمارية لم تأخذ بعين الاعتبار نمط عيش السكان والخلافات الطائفية والعرقية العميقة داخل المجتمعات، مؤكداً أنه من الخطأ الاعتقاد أن هذه الدول يمكن أن تتعايش في حدودها الحالية، وأن ذلك الحل ينطبق على الصراع «الفلسطيني - الإسرائيلي»، حيث قال إن الوضع سيؤول في آخر المطاف إلى دولتين.

وفي أعقاب نشر المقال الذي يمثل أول موقف رسمي يدعو إلى التقسيم؛ شهدت الأشهر الستة الماضية نشاطاً محموماً من قبل قادة عشائر وقبائل ومكونات البدو والدروز في المناطق السورية المحاذية لبادية شمال الأردن لإنشاء كيان فيدرالي في تلك المناطق.

وتم تحشيد مختلف المكونات القبلية والاجتماعية السورية المحاذية لحدود الأردن في منطقة الرمثا شمالاً والجبال الوعرة عند البادية الشمالية للمطالبة بإقامة علاقة خاصة مع المحافظات الجنوبية التي اندفع بعض مواطنيها لصياغة مشروع حكم ذاتي لإقليم جنوب سوريا، ودار الحديث حول إمكانية تسليح العشائر السورية في تلك المناطق وإدماجها في كيان فيدرالي جنوب البلاد.

ويبدو أن المشروع قد حظي بمباركة واشنطن التي رأت أنه من غير الممكن إنشاء جبهة جنوبية ضد تنظيم «داعش» دون تعاون الأردن الذي يشكل العمق الإستراتيجي للمحافظات الجنوبية في ظل تدهور وضع النظام وعدم قدرته على بسط نفوذه في تلك المحافظات.

لكن واشنطن رغبت في تحقيق ذلك المشروع الطموح بالتفاهم مع الروس، مما دفع السلطات الأردنية لفتح مجال التفاوض المباشر مع مسؤولين بالمؤسسات الأمنية والعسكرية في دمشق للتداول بشأن تنظيم الأوضاع في الجنوب، بحيث يمكن إنشاء تشكيلات قبلية من عشائر حوران لشن عمليات في درعا وباديتها الجنوبية وصحرائها بالإضافة إلى تسليح الدروز وإشراكهم في المعركة التي يريد الأمريكيون أن تكون حاسمة ضد «داعش»، وذلك وسط إدراك أردني مسبق بأن الخبرة الذاتية في ملف المكونات الاجتماعية لجنوب سوريا يمكن استثمارها وتوظيفها لضمان نفوذها في تلك المنطقة.

 تبني مشروع إنشاء منطقة آمنة في الجولان:

في تفاعل مع دعوات وجهها «معارضون» سوريون محسوبون على الكيان الصهيوني لإنشاء منطقة آمنة في جنوب سوريا في فبراير الماضي؛ أشار كمال اللبواني إلى وجود تغير في لهجة صناع القرار الصهاينة، مؤكداً أنه «تمت الموافقة على إنشاء منطقة آمنة في الكنيست وأنهم مستعدون للمساعدة إذا طالبنا بذلك»، مضيفاً أنه التقى عدداً من كبار المسؤولين والدبلوماسيين الأجانب لدعم فكرة إنشاء منطقة آمنة بعمق 10 كم داخل الأراضي السورية وحوالي 20 كم على طول الحدود، بدءاً من جنوب هدار وصولاً إلى جنوب القنيطرة، وتضم داخلها نحو 17 قرية يبلغ عدد سكانها حوالي 15 ألف نسمة.

وفي تأكيد لما ذكر اللبواني تحدث عصام الزيتون (الذي يتمتع بعلاقات متينة مع الكيان الصهيوني) عن وجود علاقة سرية بين الكيان الصهيوني وبعض قادة فصائل المعارضة المنضوية تحت مركز العمليات العسكرية في الأردن، مشيراً إلى وجود خطة صهيونية لإنشاء منطقة آمنة: «تبدأ من جباتا الخشب [جنوب هدار] وتمتد إلى صيدا الجولان وتل الحارة».

ويبدو أن هذا المشروع يحظى بتعاطف كبير في الأروقة الأمريكية، حيث تشير المصادر إلى أن نتنياهو طالب في زيارته الأخيرة إلى واشنطن (15 فبراير 2017م) بإنشاء منطقة آمنة في الجنوب السوري بهدف منع إيران و«حزب الله» من إنشاء قواعد متقدمة في الجولان، كما أبدى رغبته في أن تكون المناطق العازلة: «جزءاً من أي اتفاق مستقبلي لإنهاء الحرب في سوريا»، وسمع نتنياهو من الرئيس ترمب كلاماً إيجابياً بهذا الخصوص.

وتحدثت مصادر عسكرية مطلعة عن تحركات عسكرية مكثفة خلال الأسابيع الماضية على طول الحدود الأردنية - السورية، وذلك في ظل تنامي الحديث عن فرص انسحاب القوات الإيرانية والميلشيات التابعة لها، وتوافق واشنطن وموسكو على إنشاء كيان فيدرالي في الجنوب.

وتتواصل في هذه الأثناء الاجتماعات الأمنية والعسكرية في غرفة «موك» لمناقشة هذه الخطط، بحضور بعض قادة الفصائل المسلحة وضباط أميركيين وبريطانيين.

  دعم مشروع «فيدرالية حوران»:

رحب مركز «يروشليم لدراسة المجتمع والدولة» (30 أبريل 2017م)، المقرب من دوائر صنع القرار في تل أبيب، بوثيقة وقعت عليها شخصيات سورية تدعو للإعلان عن جنوب سوريا كإقليم مستقل ضمن الاتحاد «الفيدرالي السوري المستقبلي».

وأكد رئيس مجلس إدارة المركز، وكيل وزارة الخارجية الصهيوني السابق دوري غولد أن الوثيقة التي أطلق عليها «ميثاق حوران»، والتي وقعت عليها شخصيات من جنوب سوريا تقيم حالياً في إسطنبول «تمثل تطوراً يصب بشكل غير مباشر في مصلحة إسرائيل».

وأشار غولد إلى أن إقامة إقليم يضم درعا وجبل الدروز والقنيطرة يعد من أفضل الخيارات التي يمكن أن تسفر عنها التسوية الشاملة للصراع في سوريا، وفي حال تطبيق ما جاء في «ميثاق حوران» فإن فرص تحول منطقة جنوب سوريا إلى منطقة تهديد للكيان الصهيوني سواء من خلال تواجد إيران و«حزب الله» أو من خلال تمركز الجهاديين فيها ستتقلص إلى حد كبير، معتبراً أن تطبيق «ميثاق حوران» يعد من المصالح المشتركة لكل من الكيان الصهيوني وروسيا.

وزعم المركز أن روسيا تجري بالفعل اتصالات مع الأكراد في شمال شرق سوريا بهدف إنشاء إقليم كردي مستقل، منوهاً إلى أن كل ما يعني الروس هو الحفاظ على دمشق ومناطق الساحل ضمن سيطرة نظام الأسد بسبب تركز مصالحهم في هذه المنطقة.

وعلى الصعيد نفسه؛ تحدثت مصادر مطلعة عن رعاية بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لمحادثات مع وجهاء عشائر وشخصيات من الجنوب لأجل تشكيل حكم ذاتي في محافظتي درعا والسويداء، وذلك بالتزامن مع انتشار وثيقة بعنوان: «مشروع الحكم الذاتي لإقليم جنوب سوريا»، تدعو إلى إقامة حكم إداري وسياسي لتدبير وإدارة شؤون المنطقة الجنوبية، التي تشمل محافظات درعا والسويداء والقنيطرة، ويتكون من: برلمان، وحكومة، ومجلس أعلى للقضاء، وذلك بالتزامن مع وثيقة أخرى انتشرت في شهر أبريل الماضي تحت مسمى «وثيقة العهد».

وفي تطور ملفت للانتباه؛ بادر النظام (3 مايو 2017م) بافتتاح «معبر جمركي» بين درعا ودمشق يتقاضى عبره ضرائب ورسوماً على مختلف البضائع المارة من وإلى درعا، وهو ما يعد خطوة غير مسبوقة، ذلك أن المعابر عادة تفتح بين الدول المتجاورة وليس ضمن الدولة الواحدة، وذلك في تماهٍ مع مخططات الفصل الفعلي التي ظهرت بواكير الدعوات له في تل أبيب، ودأب عدد من الدروز المحسوبين على الكيان الصهيوني وجهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية على الترويج لها بالتعاون مع بعض الشخصيات الطموحة للعب دور سياسي في حوران.

وحذر موقع «ديبكا» (1 مايو 2017م) الاستخباراتي الصهيوني من الجهود التي يبذلها النظام وحلفاؤه الإيرانيون لإفشال «وثيقة حوران» التي ترسخ الفيدرالية في سوريا، وذلك من خلال تحريك الحرس الثوري الإيراني باتجاه شرقي درعا حتى تخوم قرية «إنخل» على بعد 30 كم من القنيطرة، وإرسال قوات أخرى باتجاه نبع الفوار على بعد 13 كم عن القنيطرة، وذلك بهدف تشكيل منطقة صد إيرانية لإفشال مشروع الفيدرالية الذي تنص عليه «وثيقة حوران».

ويسود الاعتقاد أن الاستخبارات الصهيونية هي التي تقف خلف صياغة هذه الوثيقة، حيث تمهد الوثيقة لفصل المحافظات الجنوبية عن سوريا وإخضاعها للنفوذ الصهيوني - الأردني، مما يمكن تل أبيب من منح هذه المنطقة صفة الحكم الذاتي على غرار ما تخطط له الإدارة الأمريكية مع وحدات حماية الشعب الكردي في محافظتي الرقة والحسكة.

  المطالبة بإنشاء «كانتون السويداء»:

تنخرط أجهزة أمنية عربية وغربية في صياغة خرائط (لم يكشف عنها بعد) حول وضع محافظة السويداء خلال المرحلة الانتقالية وترتيبات الوضع النهائي.

وتؤكد التسريبات أن واشنطن قد تفاوضت مع الروس على منح الدروز استقلالية كاملة، وإنشاء كانتون مستقل بهم على مختلف الصعد السياسية والإدارية والأمنية ضمن مشروع متكامل لتوطين الميلشيات المسلحة في مختلف المحافظات السورية وإخضاعها للجنة عسكرية يترأسها وزير الدفاع السابق العماد علي حبيب.

وتهدف الخطة إلى تمكين الأقليات من الدفاع عن نفسها في المرحلة الانتقالية، ودعمها لتشكيل قوات خاصة بها في مناطقها وخاصة في الجيوب: العلوية باللاذقية، والكردية بالحسكة، والدرزية في السويداء، والتي اتفقت موسكو وواشنطن خلال المفاوضات الجارية في الأردن على إنشائها ضمن مشروع فيدرالي متعدد الأبعاد.

ويمكن ملاحظة تجاوب مراكز الفكر الغربية مع هذا المشروع الطموح، حيث ظهرت عدة دراسات تعزز مفهوم «التجزئة داخل الحدود»، وتدعم مطالب الحكم الذاتي في مناطق الأقليات، وتم التركيز بصورة أساسية على الأهمية الإستراتيجية للدروز في المرحلة المقبلة.

ومن ضمن هذه الدراسات، بحث نشره معهد واشنطن تحدث فيه فابريس بالونش عن «المكانة الإستراتيجية» للدروز في المنطقة الجنوبية الجبلية والتي تمنحهم النفوذ والقدرة على التأثير لدى الجهات الطامحة إلى السيطرة على مستقبل سوريا، واستند البحث إلى إحصائيات عام 2010م للتأكيد على أن عدد دروز سوريا يبلغ حوالي 700 ألف مواطن درزي، أي ما يعادل 3 في المئة من إجمالي عدد السكان، معظمهم في محافظة السويداء التي بلغ عدد سكانها آنذاك 375 ألف نسمة، 90 بالمئة منهم دروز، بالإضافة إلى وجود نحو250 ألف درزي آخر يقيمون في دمشق وضواحيها (جرمانا، وصحنايا، وجديدة عرطوز)، ونحو 30  ألف درزي على الجانب الشرقي من «جبل حرمون»، و2٥ ألف في ١٤ قرية في «جبل السماق»، شمال شرقي إدلب.

وفي تأكيده على الأهمية الإستراتيجية للدروز في معادلة توازن السلطة في دمشق؛ أشار بالونش إلى أن الضواحي الدرزية المحيطة بالعاصمة تضطلع بدور رئيس في الدفاع عن المدينة كونها تحيط بالبلدات الخاضعة لسيطرة الثوار، وتشكل حاجزاً فاصلاً يقطع الاتصال بين المناطق السنية في الغوطة الشرقية والغوطة الغربية.

وعلى نحو مماثل، تشكل القرى الدرزية في جبل حرمون معقلاً للموالين للنظام عند الأطراف الجنوبية الغربية للعاصمة وتسمح لجيش النظام بالبقاء على اتصال مع مرتفعات الجولان، كما تمنع ارتباط المتمردين في محافظة درعا مع أولئك في القلمون شمالي شرقي دمشق.

وفي الوقت نفسه، يشكل «جبل الدروز» منطقة عازلة في جنوب العاصمة، كما يحافظ على الرابط البري بين سوريا والأردن، في حين تسهم القواعد الجوية العسكرية في المنطقة في الدفاع عن مواقع النظام بمحافظة درعا.

وألمح الباحث إلى وجود استقلالية عسكرية فعلية للدروز في الوقت الحالي، إذ إن جيش النظام لا يشارك بقوة في الدفاع عن «جبل الدروز»؛ بل يقع الجزء الأكبر من هذه المهمة على عاتق حوالي 10 آلاف عنصر من الميلشيات المحلية التي تعرف المنطقة جيداً، ولديها حافز أكبر للدفاع عن منطقتها، مؤكداً أن الاتفاق غير الرسمي الذي توصل إليه الأسد مع الزعماء الروحيين للطائفة الدرزية نصّ على إبقاء المجندين الدروز في محافظة السويداء، مع الإشارة إلى أن الأسد يعتمد على هؤلاء الزعماء للتحكم بالدروز.

ثالثاً: تحقيق الاعتراف الدولي بسلخ الجولان المحتل:

تعد فكرة نزع الشرعية عن مطالبة سوريا باستعادة الجولان أحد أبرز ملامح إستراتيجية الكيان الصهيوني في المرحلة الحالية، إذ ترغب تل أبيب في الاستفادة من تدهور الأوضاع الأمنية والعسكرية في سوريا لتحقيق الاعتراف الدولي بخضوع هضبة الجولان التي استولت عليها عام 1967م، والشروع في زيادة وتيرة الاستيطان وبناء المزيد من البنى التحتية والسياحية.

ويحتل الكيان الصهيوني منذ يونيو 1967م حوالي 1200 كلم مربع من هضبة الجولان السورية التي أعلنت ضمها في 1981م من دون أن يعترف المجتمع الدولي بذلك، في حين لا تزال حوالي 510 كم مربعة تحت السيادة السورية.

وكان نتنياهو قد أعلن على هامش مناورات عسكرية نفذها جيش الاحتلال في الشمال أن «إسرائيل لن تنسحب من الجولان».

وفي أعقاب ذلك التصريح المثير للجدل عقدت الحكومة الصهيونية اجتماعاً طارئاً لمناقشة التبعات الأمنية والسياسية لذلك التصريح الذي أطلقه نتنياهو استباقاً لزيارة قام بها إلى موسكو لمناقشة ترسيم الحدود مع سوريا، وذلك في أعقاب تسريبات أمنية أفادت أن واشنطن وموسكو قد اتفقتا على إعادة الجولان لسوريا ضمن صفقة يتم العمل عليها في الخفاء.

وفي زيارته لموسكو أكد نتنياهو لمضيفه على ضرورة إشراك تل أبيب في ترتيبات المرحلة النهائية، ثم طلب بعد ذلك من وزير الخارجية الأمريكي عدم طرح مسألة الجولان التي تم السكوت عليها لعقود طويلة، واتهمه بأنه يحاول من خلال ذلك إرضاء إيران بأي ثمن، حتى ولو كان ذلك على حساب تل أبيب التي تواجه مخاطر نمو تنظيم «داعش» وتغلغل الحرس الثوري الإيراني على الحدود معها.

وفي أعقاب جولته الدبلوماسية، بادر نتنياهو إلى عقد اجتماع طارئ للحكومة الصهيونية ناقش فيه سبل وضع الترتيبات الأمنية والعسكرية لضم الجولان بصورة نهائية، وتعهد باعتماد ميزانية كبيرة لبناء المزيد من المستوطنات في الجولان.

وبناء على ذلك الاجتماع، بادر وزير البناء والإسكان الصهيوني، الجنرال احتياط يواف غالانت، إلى تقديم خطة انتقال سياسي في سوريا تشمل إنشاء منطقة حكم ذاتي في الجنوب يمكن من خلاله إقصاء النفوذ الإيراني والاعتراف بسيادة الكيان الصهيوني على هضبة الجولان، مقابل ضخ سيولة نقدية لإعادة إعمار المناطق التي دمرها الصراع في السنوات الست الماضية.

ووفقاً لصحيفة «يديعوت أحرونوت» (12 فبراير 2017م) فإن غالانت عرض هذه الخطة على بنيامين نتنياهو، وتضمنت في شقها السياسي منع تشكل محور إيراني - سوري - لبناني في الجنوب السوري، والتوصل إلى اعتراف دولي بسيادة الكيان الصهيوني في هضبة الجولان المحتل، كجزء من اتفاق مستقبلي للأزمة في سوريا، ويمكن بموجبه أن تقود الولايات المتحدة الأميركية نوعاً من «القوة الخاصة» لإعادة إعمار البلاد باستثمار عشرات المليارات، وأن يوافق الروس على ذلك، مقابل اعتراف دولي بمحورية الدور الروسي، وبحق موسكو في نفوذ فعلي في المنطقة.

وادعى غالانت أن تنفيذ هذه الخطة يخدم مصالح الولايات المتحدة وروسيا وأوربا و«العالم السني المعتدل»، الذي يفترض فيه أن يشارك في إخراج هذه الخطة إلى حيز التنفيذ.

وقد قامت حكومة تل أبيب في الفترة الماضية بإنشاء العديد من مشاريع البنى التحتية في الجولان المحتل، بما في ذلك: توسيع الاستيطان، وضخ المال لتعزيز الاقتصاد المحلي، وتشجيع مواطني الجولان المحتل على القبول بالهوية «الإسرائيلية»، في حين يضغط نتنياهو على قادة الدول الغربية المنخرطة في الشأن السوري للاعتراف بأن الوقت قد حان لضم الجولان تحت سيادة الكيان الصهيوني بصورة دائمة.

وعلى الصعيد نفسه؛ ترى الحكومة الصهيونية أن إنشاء منطقة عازلة جنوب سوريا لا يساهم في إنشاء مسافة بين حدودها وبين قوات النظام السوري فحسب؛ بل يساعد على توطيد سيطرتها في مرتفعات الجولان كذلك، فعلى إثر اندلاع الأزمة السورية؛ أصبح المسؤولون الصهاينة يشيرون لعدم الاستقرار في سوريا كحجة لإعادة فتح النقاش حول سبل تحقيق الاعتراف الدولي بسيادة الكيان الصهيوني على المناطق التي يحتلها من الجولان.

وكان موقع «ديبكا» اليهودي قد كشف عن خطة مشتركة بين الكيان الصهيوني ودول عربية لإنشاء نحو أربع مدن آمنة للاجئين السوريين جنوب غربي البلاد تتسع الواحدة منها لما يتراوح بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألف لاجئ، وينفذها متعهدون سوريون متمولون يعملون على توفير 50 ألف منزل مع توفير الموارد اللازمة لهم وتوصيل الخدمات الأساسية وتشييد البنى التحتية، ودفع مكافآت ورواتب للأسر المقيمة فيها، بحيث تتكفل بعض دول الخليج بتكاليف إنشاء هذه المدن.

ولم تتوفر معلومات حول موقف واشنطن وموسكو من هذه الترتيبات التي تهدف بالدرجة الأولى إلى إنشاء شريط آمن في الداخل السوري لمنع تغلغل عناصر تنظيم «داعش» إلى حدود الكيان الصهيوني.

رابعاً: توسيع دوائر النفوذ الأمني والاقتصادي:

  التطبيع تحت ذريعة «محاربة الإرهاب»:

أسهمت الأزمة السورية في تعزيز علاقات التعاون الأمني بين الكيان الصهيوني وبعض جيرانه، حيث أكد موقع «إنتل نيوز» الأمني (21 أبريل 2016م) أن تل أبيب والقاهرة وعمان قد أبرمت اتفاقاً لتعزيز التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات في مجال مكافحة تنظيم «داعش».

ونقل الموقع عن نائب رئيس الأركان الصهيوني اللواء يائير غولان أن المعلومات هي السلاح الأقوى في المعركة مع التنظيمات المتطرفة، حيث تخوض القاهرة حرباً ضد تنظيم «داعش» في سيناء في حين تشعر عمّان بالقلق من اختراق التنظيم لأراضيها، مؤكداً أن تل أبيب ستقدم معلومات مهمة للطرفين في تعزيز الأمن الوطني لكلا الدولتين اللتين تربطهما معاهدات سلام واتفاقيات تعاون أمني منذ عدة عقود.

وتحدثت مصادر أمنية مقربة من تل أبيب عن توجه بعض الدول العربية لتدشين مشروع تعاون إقليمي يضم الكيان الصهيوني بهدف التصدي للتحديات التي تواجهها المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بإيران وتنظيم «داعش» وفروع تنظيم القاعدة، حيث يسود الاعتقاد بإمكانية كسب تل أبيب كحليف يمكن التعاون معه في مواجهة هذه التحديات.

وكان موقع «ديبكا» اليهودي قد اعتبر أن خطاب نتنياهو الذي تحدث فيه عن اتصالات مباشرة مع «زعماء إقليميين» فيما يتعلق بالمخاطر الإقليمية، يعتبر أول اعتراف علني لمسؤول في الكيان الصهيوني بوجود اتصالات مباشرة مع قادة عرب، وادعى الموقع أن هذه الاتصالات شملت: تركيا وبعض الدول العربية والإفريقية، مؤكداً أن تنامي مشاعر السخط إزاء إيران يمثل الدافع الرئيس لتحقيق التقارب بين تل أبيب ومختلف دول المنطقة.

وادعى التقرير أن أجهزة استخبارات بعض الدول العربية تنسق مع نظيرتها في الكيان الصهيوني في مواجهة الأخطار المتمثلة بتنظيم «داعش» و«حزب الله» بصورة خاصة، ويضم ذلك التعاون:

• تبادل المعلومات حول البرنامج النووي الإيراني، والمنشآت النووية وأنشطة التخصيب، والبرامج الصاروخية الإيرانية، وتحرك القطع العسكرية الإيرانية ومنصات الصواريخ، وأنشطة مصانع السلاح الإيرانية وجهود التجميع، والمهندسين والخبراء الإيرانيين المرتبطين بتطوير البرامج النووية والصاروخية.

• سبل مواجهة مخاطر الحرب الإلكترونية الإيرانية والشبكات التابعة لها في المنطقة.

• تعزيز منظومات الدفاع الصاروخية وتوفير التدريب والتقنيات الحديثة في مواجهة مخاطر البرنامج الصاروخي الإيراني، والإعداد لعمليات مشتركة تضم المنظومات الدفاعية وسلاح الجو في هذه الدول لمواجهة الخطر الصاروخي الإيراني.

• بحث آفاق التعاون بين أجهزة الاستخبارات الصهيونية والعربية في مجالات الملاحة والأخطار المشتركة في البحر الأحمر وشرق المتوسط حيث ترابط مجموعة من السفن الصهيونية لحماية الموانئ الرئيسة خاصة وإيلات والعقبة من خطر تنظيم «داعش».

• تبادل المعلومات فيما يتعلق بتطورات الملف السوري، وتحركات فصائل المعارضة وخاصة في المحافظات الجنوبية وشؤون الأقليات في المنطقة، وأنشطة منظمات المجتمع المدني التابعة لهذه المجموعات السكانية.

• تبادل المعلومات بخصوص أنشطة «حزب الله» حيث تقدم الاستخبارات الصهيونية معلومات قيمة لنظرائها العرب نتيجة اختراق بنية الحزب في لبنان وفروعه الخارجية على حد سواء، فضلاً عن المعلومات القيمة التي يقدمها حول أنشطة تنظيم «داعش» في العراق وسوريا وشبه جزيرة سيناء.

 الموازنة بين الملفين الكردي والتركي:

في زيارتين متواليتين لواشنطن؛ تحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع زعماء يهود عن ضرورة تعزيز التعاون والتنسيق خاصة في المسألة الكردية، إلا إن الجالية اليهودية في واشنطن لم تبدُ متعاطفة مع خطاب أردوغان الذي تلقى أسئلة صعبة حول دعم «حماس»، وموقفه المتشدد من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

أما في تل أبيب؛ فتشعر حكومة نتنياهو بضرورة تحقيق التوازن بين حاجتها الماسة إلى أنقرة في ما يتعلق بصفقات الغاز الخارجية من جهة، وتوجهها لتعزيز علاقاتها تاريخية مع الأكراد من جهة ثانية، خاصة وأنها تعد أن إقامة دولة كردية في الشمال السوري سيعزز أمنها، ولا ترغب في فقدان حلفائها التاريخيين شمالي سوريا والعراق لصالح تركيا.

في هذه الأثناء؛ تحدث موقع «إنتلجنس أون لاين» (26 أبريل 2017م) عن مشروع أعده وزير الدفاع التركي فكري إيشيك لتعزيز التعاون العسكري مع الكيان الصهيوني، وذلك بالتعاون مع الملحق العسكري في السفارة التركية بتل أبيب العقيد آدم شاكر، وذلك استجابة لاهتمام تل أبيب المتزايد بما حققته تركيا في مجالات تطوير الأسلحة والعتاد والتقنية العسكرية، وخاصة في مجال الطائرات غير المأهولة، سواء تلك التي تستخدم في جمع المعلومات الاستخبارية والمراقبة أو تلك ذات القدرات الهجومية.

وشهد شهر مايو الماضي وصول وفد اقتصادي تركي، هو الأرفع والأكبر منذ عشر سنوات، إلى الكيان الصهيوني حيث ضمّ أكثر من 120 من رجال الأعمال، من بينهم مصدّرون ومديرون لشركات تركية كبرى في مجالات الطاقة والبناء والطيران والغذاء والزراعة، وأكد رئيس الوفد التركي أن الوقت قد حان «لتغيير نظرة الإسرائيليين تجاه الأتراك، وكذلك الأتراك تجاه الإسرائيليين».

وقد تم ترتيب هذه الزيارة بتنسيق من قبل اتحاد غرف التجارة في الكيان الصهيوني وغرفة التجارة «الإسرائيلية» - التركية ورابطة المصنعين و«معهد التصدير الإسرائيلي»، إضافة إلى جهود خاصة بذلتها كل من وزارة الخارجية الصهيونية والتركية والسفارة التركية في تل أبيب.

وتزامنت زيارة الوفد التركي مع نشر بيانات اقتصادية صهيونية تشير إلى أنه في الربع الأول من العام الجاري، ارتفعت الصادرات التركية إلى الكيان الصهيوني بنسبة 20 في المئة، فيما ارتفعت الصادرات «الإسرائيلية» إلى تركيا بنسبة 45 في المئة، حيث تبدي محافل التقدير الإستراتيجي في الكيان الصهيوني اهتماماً متزايداً بما تسميه «التطورات الدراماتيكية» التي طرأت على الصناعات العسكرية التركية في العقد الأخير.

ورأت دراسة نشرها موقع «ديفينس ون» العسكري أن عودة العلاقات التركية مع الكيان الصهيوني لها علاقة بثروة الغاز القابعة شرق البحر الأبيض المتوسط، مؤكدة في المقابل أن العامل الكردي هو العنصر الأساسي الذي يقود تركيا للتطبيع مع «إسرائيل»، حيث ترغب أنقرة في تخفيف نزعة تل أبيب لدعم استقلال أكراد العراق، وتفويت فرصة إقامة علاقة بين أكراد سوريا مع «إسرائيل».

ويعتقد الأتراك أنه ومن خلال رسائل السلام «لإسرائيل» فإن رعاة إقليم كردستان في واشنطن سيصغوا لمخاوف أنقرة تجاه المسألة الكردية.

  توسيع النفوذ الأمني عبر اختراق أجهزة الاستخبارات الغربية:

في ظل التوجه الفرنسي للقيام بدور فاعل في محاربة الإرهاب» بسوريا، وإرسال المزيد من القوات العسكرية والفرق الأمنية المختصة؛ كشفت مصادر استخباراتية (27 مارس 2017م) عن محاولة جهاز الموساد اختراق الاستخبارات الفرنسية، وتجنيد بعض موظفيها كعملاء مزدوجين يقدمون معلومات سرية لتل أبيب.

 ووفقاً لهذه المصادر فإن عناصر من الموساد أقاموا علاقة مع بعض العملاء الفرنسيين «إلى درجة تجاوزوا بها الحدود وحاولوا تجنيدهم كعملاء مزدوجين»، وذلك على خلفية علاقة التعاون بين جهازي الموساد والمخابرات الفرنسية لجمع معلومات حول برامج النظام السوري لتطوير الأسلحة الكيميائية.

وفي غضون هذه العملية المشتركة التي أُطلق عليها اسم «راتافيا»؛ حاولت الأجهزة الفرنسية والموساد تجنيد أحد كبار مهندسي النظام السوري وإغواءه للقدوم إلى فرنسا للحصول على مزيد من التدريب، ومن ثم إقناعه بتجنيد المزيد من المهندسين، لكن جهاز الموساد استغل قربه من عناصر استخباراتية فرنسية وحاول تجنيد بعضهم لصالح الموساد الذي كان يريد أن يثبت أن التعاون بين الاتحاد الأوربي والنظام السوري قد مكن بشار الأسد من تطوير برنامج السلاح الكيميائي سيئ الصيت.

وعلى إثر نجاح الموساد في تجنيد المهندس السوري والحصول منه على معلومات حساسة حول ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية؛ لاحظت الاستخبارات الفرنسية العديد من الحوادث المشبوهة مثل حضور أحد العملاء الفرنسيين مأدبة «غداء السبت» لدى منزل مسؤول مكتب الموساد في باريس، وبعدها قيل إن ذلك العميل قد سافر إلى دبي لقضاء إجازة بينما كان قد ذهب في الحقيقة إلى تل أبيب وأمضى بعض الوقت مع عملاء الموساد دون الكشف عن ذلك لمسؤوليه.

خامساً: إنشاء منظومة إقليمية للتعاون العسكري:

تعمل الإدارة الأمريكية الجديدة منذ توليها على مشروع تشكيل تحالف دفاعي إقليمي شرق أوسطي شبيه بحلف «الناتو».

وكان وزير الدفاع الأمريكي، ماتيس، قد أكد خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره أفيغدور ليبرمان (أبريل 2017م) أن: «تحالفنا مع إسرائيل هو حجر الزاوية في هيكلية أمنية إقليمية واسعة جداً، تضم التعاون مع مصر والأردن والسعودية وشركائنا في دول الخليج... وهدفي هو تعزيز شراكتنا في هذه المنطقة لمواجهة التهديدات المشتركة وردع أعدائنا».

وفي تعليقه على ذلك المشروع تحدث تقرير نشره موقع «إسرائيل ديفينس» (26 أبريل 2017م) عن: «تشكيل هيكلية أمنية إقليمية تهدف إلى ردع وهزيمة التهديدات، وإنشاء تعاون عسكري وتقني واستخباراتي، ويمكن تحقيق ذلك من خلال إجراء تدريبات مشتركة على مستوى القادة العسكريين، وإنشاء بؤر تعاون وثيق في مختلف أنحاء الشرق الأوسط والخليج من أجل هزيمة إيران، وهو ما يتطلب عمليات تنسيق وتدريب مشترك، الأمر الذي يستوجب تبادل معلومات إستراتيجية وتكتيكية».

ومن خلال تصريحات ماتيس ومواقف المسؤولين اليهود في الأسابيع الماضية؛ يتبين وجود تعاون فعلي بين الكيان الصهيوني ودول «الناتو الشرق أوسطية» المقترحة، حيث تحدث مراقبون عن رغبة الرئيس الأمريكي ترمب في تشكيل تحالف مع الدول العربية تحت مظلة «محاربة الإرهاب»، وذلك من خلال: «جمع قدرات الدفاع الجوي لمختلف دول التحالف، وتنسيق عمل الرادارات ومنصات الإطلاق في نسيج واحد قدر الإمكان، لمواجهة الصواريخ الإيرانية».

وباعتبار أن الولايات المتحدة شريكة في تطوير منظومات الدفاع الجوي الصهيوني، وهي التي باعت الدول الأخرى في الحلف منظومات دفاع، فيمكنها أن تقوم بعملية الجمع بين القدرات العسكرية المتوفرة لدى الكيان الصهيوني وهذه الدول، وإنشاء جهاز إشراف وسيطرة مشترك متعدد الأذرع، وتعزيز منظومات القتال المشتركة في ميدان المعركة.

أما على صعيد العلاقة مع روسيا؛ فقد دأبت حكومة تل أبيب على إثارة المخاوف من تبعات الأزمة السورية بهدف تعزيز قدراتها الأمنية والعسكرية، حيث استغل نتنياهو حادثة التداخل بين المقاتلات الصهيونية والروسية (أبريل 2016م) لإنشاء علاقة تعاون جوي مع موسكو لم تحظَ به أي من دول الجوار.

وتحدثت المصادر عن توجيه بوتين وزير دفاعه سيرجي شويغو - الذي كان حينها مشغولاً بعدد من المؤتمرات - بترك كل انشغالاته جانباً وأن يلتقي بقائد سلاح الجو الصهيوني لإنشاء آلية تعاون مشترك.

وفي زيارته لموسكو طلب نتنياهو من بوتين إشراك الكيان الصهيوني في العمل العسكري المشترك الناشئ بين واشنطن وموسكو لمكافحة تنظيم «داعش» في سوريا، وعرض مقابل ذلك اعتماد روسيا كوسيط رئيس في النزاع الصهيوني - الفلسطيني، مع إمكانية اختيار موسكو أو جنيف مكاناً لانعقاد جولات المفاوضات بين الفلسطينيين واليهود.

وتتوج الاجتماع بالاتفاق على إجراء مناورات روسية - صهيونية مشتركة لأول مرة في تاريخ البلدين، وتم وضع الترتيبات الأولية للمناورات بمشاركة رئيس الاستخبارات العسكرية الصهيونية الجنرال هارتزي هاليفي، ورئيس جهاز الموساد يوسي كوهين، بحيث يتم تنفيذ هذه المناورات بمشاركة القوات الروسية في قاعدتي «حميميم» الجوية وطرطوس البحرية، بالاشتراك مع سلاح الجو والبحرية الصهيونية في الصيف.

وتعمل تل أبيب على الاستفادة من رغبة روسيا في تعزيز دورها في تلك المنطقة بالتعاون مع دول المنطقة، وخاصة مصر والكيان الصهيوني واليونان وقبرص، ولذلك فإنها تعمل على تعزيز التعاون مع هذه الدول، وتشجعها على البحث عن فرص الاستثمار في مجالات الطاقة من خلال التواجد في تلك البؤرة الإستراتيجية التي تصل البحر الأحمر بالمتوسط، وتتضمن: مد أنابيب الغاز وتوصيل كابلات بصرية وإنشاء منصات تنقيب وتوفير الحماية الأمنية والتعاون الاستخباراتي.

وفي الوقت ذاته تعمل تل أبيب على تعزيز موقعها الإقليمي والدولي كمصدر لتقنيات السلاح النوعي، حيث كشف موقع «إنتلجينس أون لاين» عن رغبة تل أبيب في توسيع قطاع التصنيع العسكري من خلال بيع منظومات صواريخ (SPIKE) المضادة للمدرعات، وتعزيز مكانة شركات (Rafael) للمنظومات الصاروخية، و(Israeli Industries Aerospace ) للطائرات دون طيار.

ماذا يريد الكيان الصهيوني؟

في ظل الجهود الحثيثة التي يبذلها صهر الرئيس الأمريكي اليهودي الأرثوذكسي جاريد كوشنر، ومستشاره للأمن القومي هربرت مكماستر؛ يمنّي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه بالولوج عبر بوابة الأزمة السورية إلى عهد ذهبي لـ«دولة إسرائيل»، يتمثل في: إنشاء دائرة نفوذ للكيان الصهيوني في العمق العربي، وتقسيم دول المشرق العربي على أسس إثنية وطائفية، وإنهاء المقاطعة المفروضة على الكيان من الدول العربية، وتدشين تحالف شرق أوسطي عسكري، ونقل العاصمة إلى القدس، وتحقيق الاعتراف الدولي بالسيطرة على هضبة الجولان المحتل، وإحلال السلام مع الفلسطينيين عبر حل الدولتين.

ولا يمكن النظر إلى المكتسبات التي يعمل نتنياهو مع مستشاري البيت الأبيض على تحقيقها في معزل عن المخاض العسير الذي تمر به المنطقة العربية جراء موجة الثورات الشعبية التي أودت بزعامات تاريخية، ويبدو أنها لن تنقضي قبل الإطاحة بمنظومات قائمة، وبشخصيات لا تقل أهمية عن الذين غادروا المشهد السياسي في غضون السنوات الست الماضية.

ويبدو أن الأيام المقبلة حبلى بتطورات كبيرة في المنطقة العربية، قد يظهر وقعها في الساحتين السورية والفلسطينية بصورة خاصة، حيث يُتوقع أن تسفر الأحداث المتسارعة عن متغيرات كبيرة في المعادلة الأمنية العربية التي سادت في غضون العقود الخمسة الماضية، مما يدفعنا للتأكيد على ضرورة مبادرة الدول العربية إلى وضع إستراتيجية شاملة لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة، ودعوة المنظومة العربية لتبني مجموعة من المبادئ لتفادي استدراجها إلى مشروع التوسع الصهيوني في عهده الجديد.