«تفقهوا قبل أنْ تُسوَّدوا»[1]..

بهذه العبارة خط لنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قانون تأهيل المربين وإعدادهم. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الرجل الذي جعل من التعليم إستراتيجية أولية في بناء الدولة الإسلامية، حيث كان العلم حاضراً في أغلب شؤون سياسته للدولة، وأصبحت في عهده حواضر الدولة الإسلامية مراكز تعليمية (دمشق والكوفة والبصرة والمدينة ومكة)، وانتشر المعلمون في الهجر والبوادي ورُسمت لهم الرواتب... إلى غير ذلك من السياسات والإجراءات التي وضعها هذا الملهم في بناء الدولة العلمية[2].

قانون «التفقه قبل التسيُّد» يمثل خلاصة تجربته وعصارة خبرته رضي الله عنه، وهو قانون جدير بالدراسة والتأمل.

هذا القانون يتضمن معنى التدرج في الانتقال من حالة الأخذ إلى حالة العطاء. وفي سياق التأهيل التربوي للمربين يرسم هذا القانون طريق الانتقال من حالة التلقي والاستفادة إلى حالة العطاء التربوي، وهي ظاهرة المعنى في أنه لا يصلح لأنْ يكون قائداً في الأعمال التربوية - سواء كان معلماً أو مشرفاً أو مديراً - إلا بعد أنْ يتلقى القدر الكافي من التأهيل التربوي؛ حتى يصبح فقيهاً في التربية، قادراً على التأصيل، قادراً على حل النوازل والمشكلات، قادراً على تشييد البناء وصناعة الرجال، فعند ذلك يصبح المربي «سيداً». قال وكيع: «يعني قبل أنْ تجلِسوا للناس، فتُسألوا»[3]، والجلوس للطلاب والطالبات والتصدي لسؤالاتهم ومعالجة قضاياهم وبناء شخصياتهم يستدعي مخزوناً كافياً من المفاهيم والمعارف، مما يتطلب جهداً سابقاً في التفقه والتعلم.

 إن التفقه والازدياد من العلم الشرعي والتربوي مفضٍ إلى أهلية التصدر للعمل التربوي، والتي تحمل معنى من معاني السيادة والرئاسة، حيث التمكن من التوجيه والتأثير وإصدار القرارات وقيادة المجموعات، وحينها يغتبط صاحبها بما يملكه من معارف ومهارات تعينه على تجويد عمله التربوي. قال ابن المنير: «وجه مطابقة قول عمر رضي الله عنه للترجمة [يقصد تبويب البخاري رحمه الله: باب الاغتباط في العلم والحكمة] أنه جعل السيادة من ثمرات العلم، وأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة، وذلك يحقق استحقاق العلم، لأنه يُغتبط به صاحبه، لأنه سبب سيادته»[4]. وعقَّب عليه بدر الدين العيني بقوله: «لا شك أن الذي يتفقه قبل السيادة يُغبط في فقهه وعلمه، فيدخل في قوله: باب الاغتباط في العلم»[5].

الصف الخداج:

حماس العاملين في الإدارة التربوية لإقامة البرامج وتشييد المشاريع واستقطاب الطلاب قد يدفعهم إلى أنْ يصدِّروا لتربية الطلاب من لم تكتمل أهليتهم لهذا العمل استعجالاً واندفاعاً.

وكذلك عجز الإدارة عن استيعاب الشرائح الموجودة بين أيديهم قد يدفعهم للتنازل عن شروط التأهيل التربوي، فيجدون أنفسهم مضطرين لدفع غير المتأهلين إلى ميدان العمل التربوي المباشر مع الطلاب.

وسبب ثالث وهو أن تهيؤ الفرصة لإقامة البرامج التربوية، من جهة إقبال الطلاب والطالبات على المحضن التربوي، قد يدفع الإدارة إلى الزجِّ بمن لم تكتمل أهليتهم لإدارة المجموعات الطلابية، ومعالجة قضاياهم التربوية، خوف فوات هذه الفرصة السانحة.

هذه ثلاثة أسباب، وغيرها قد تفرز جيلاً من المربين لم تكتمل فيهم أهلية القيام بمباشرة العمل التربوي مع المجموعات الطلابية، وهي أسباب تبدو منطقية تُسوِّغ للإدارات التربوية إجراءاتهم الإدارية، وأما في حقيقة الأمر فإنَّ الاستجابة لها على النحو الذي ذكرته قد تفضي إلى خطأ بعيد المدى، وهو إنتاج صفٍّ من المربين غير مؤهلين التأهيل الكافي لممارسة الدور التربوي، وتأثير ذلك سلباً على جودة المخرجات التربوية لا يخفى.

إنَّ الترؤس بلا فقه، والقيادة بلا معرفة، وتربية النشء بدون آلة مكتملة مسألة ذات بعد إستراتيجي، إذ العلم ركيزة من ركائز الانطلاق، وبتخلف هذه الركيزة سيضعف الدور المنوط بالمربي، قال سفيان الثوري رحمه الله: «من ترأس في حداثته كان أدنى عقوبته أن يفوته حظ كبير من العلم»[6].

وصعوبة استدراك ما فات من المعرفة والمهارة بعد الترؤس مشكلة سيعاني منها من استيقظ ضميره، وحاول اللحاق، قال النووي رحمه الله: «(تفقهوا قبل أن تسودوا) معناه: احرصوا على إتقان العلم والتمكن في تحصيله وأنتم شُبان لا أشغال لكم ولا رئاسة ولا سنٍّ، فإنكم إذا كبرتم وصرتم سادةً متبوعين امتنعتم من التفقه والتحصيل»[7]، فتضعفوا ويزداد ضعفكم حتى يخفت بريقكم وينطفئ وهجكم. ولهذا قال الشافعي رحمه الله: «تفقه قبل أن ترأس، فإذا ترأست فلا سبيل إلى التفقه»[8].

أيضاً فإنَّ هذا الصف الخداج سيتحول بعد مدة من الزمن من ممارسة الأدوار الصفية داخل المحاضن إلى قيادة المهام الإشرافية ذات البعد المفاهيمي والوجداني، وحينها سيجدون أنفسهم عاجزين عن الوفاء بمتطلبات هذه المهام الإشرافية.

إن الترؤس قبل التفقه ربما يكون خطيئة إستراتيجية سنتجرع علقمها بعد مدة، حين يُقبض علم التربية بموت أصحابه وذهابهم، حتى إذا ساد العملَ التربوي مَنْ لم تكتمل أهليتهم ولم تنضج خبراتهم، فحينها سيتخرج في محاضننا التربوية الطلاب الضعفاء والسلبيون والكسالى ومن ليسوا قادرين على حمل الرسالة على وجهها، ولا قادرين على أخذ الكتاب بقوة.

التعلم المستمر:

إن الدعوة إلى التفقه والتعلم قبل ممارسة التربية ليس إقراراً بحتمية التوقف عنهما عند الممارسة، ولكن من فاته ذلك من قبل فليس بمستدرك بعده كل ما فاته؛ كما بينت آنفاً.

ومن المهم لفت عناية المربي إلى أنَّ انشغاله بالعمل التربوي لا يجيز له التوقف عن التعلم والتفقُّه، ولا يأذن له في طيِّ كتب العلم وإغلاق باب مكتبته، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]. إنَّ التعلم وتحديث المهنة ليسا مرحلة لها بداية ونهاية، وإنما هما وظيفة العمر إلى الممات، قال صالح بن الإمام أحمد بن حنبل: «رأى رجلٌ مع أبي محبرةً، فقال له: يا أبا عبد الله! أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمامُ المسلمين! فقال الإمام أحمد: مع المحبرة إلى المقْبرة». وبينما كان محمد بن إسماعيل الصائغ يصوغ مع أبيه ببغداد إذْ مرَّ بهما الإمام أحمد وهو يعدو ونعلاه في يده، يسابق الشباب الصغار إلى حلقة العلم، فأَخذ أبو محمد بمجامع ثوب الإمام أحمد، فقال: «يا أبا عبد الله! أَلا تستحيي! إلى متى تعدو مع هؤلاء الصبيان؟ قال: إلى الموت»[9].

لقد وضعت القلم مشدوهاً، وحاولت أن أترسم صورة في ذهني لهذا الموقف.. موقف إمام أهل السنة، وصاحب المسند، وعملاق الصمود، إذ يجري مع الصبيان، حافية قدماه، ممسكاً بنعليه، يسابقهم إلى حلقة العلم. ماذا أبقيت لماء وجهي يا أبا عبد الله! قدَّس الله تعالى روحك، وأعلى نزلك، وجزاك خير ما جزى معلِّماً عن طلابه.

إنه يقول بلسان حاله: لا ينبغي للظروف العارضة أنْ تمنعك من تعلُّم المفيد، ولا ينبغي أنْ تمنعك من أنْ تكون متجدداً، ولذا عقب البخاري رحمه الله على قول عمر رضي الله عنه: «تفقهوا قبل أنْ تسودوا» بقوله: «وبعد أنْ تسودوا. وقد تعلَّم أصحاب النبي في كبر سنهم»[10].

التعلُّم المستمر سمة المربي الناضج، الذي يدرك خطورة العمل الذي يمارسه، ويدرك الأثر الإستراتيجي لتحديث معارفه ومهاراته. وبما أنَّ ميدان التربية هو الإنسان، فإنَّ كثيراً من المتغيرات تطرأُ على ظروفه ومحيطه، مما يتطلب من المربي مواجهة ذلك بمزيد من الحكمة والنضج، ولا يكون ذلك بدون تعلُّم مستمر، يضمن سلامة منهج التربية ويحدد بوصلة الطرائق والأدوات.

والمربي الناضج يدرك أيضاً خطورة جموده وتركه للتعلم الموازي لعمله، إنه يستشعر مسؤوليته تجاه نفسه بقدر ما يشعر بمسؤوليته تجاه طلابه ومحضنه.

ما عدا ذلك فهو إيذان بانهيارات تربوية تطال الطلاب والمحضن والبرامج، بل ربما تطال المنهج!

كم من مربٍّ تقدم به السن، وتكالبت عليه العلائق والعوائق، ولا يزال يحتفظ بروح شابة متجددة مواكبة، فهل لديكم تفسير لهذا الأمر غير اهتمامه بنفسه تعلماً وتحديثاً لمعارفه ومهاراته!

والشيخوخة والهرم سنة ظاهرة في هذا الكون، في الأحياء، وفي المشاريع، وفي الأفكار، وفي الأعمال.. ولبقاء الحياة لا مناص من التجديد الذي يعيد الوهج والحياة والأمل إلى كل هذه الأشياء التي تشيخ، وبالنسبة للمربي فإن التعلُّم من أقوى وسائل التجديد التي تعيد حيويته التربوية.

إنتاج المربين:

نحن اليوم أمام مهمة ملحة، ومن غير المستحسن تأجيلها، وهي تخريج مربين بأفضل المواصفات والمعايير، قادرين على ممارسة التربية في المحاضن وقيادتها.

نحن اليوم بحاجة إلى أنْ تكون أولوية إنتاج المربين وفق معايير وشروط ومواصفات في الدرجة نفسها التي تسكن فيها أولوية تربية الناشئة من سلم الأولويات.

وهي مهمة ملقاة على عاتق الإدارات التربوية ومراكز الإشراف ومعاهد التعليم بالدرجة الأولى، إذ هي مواطن هذه المهمة، وهي المواقع المنطقية لعمل هذا النوع من البرامج.

وبادئ ذي بدء يجب أنْ يكون لدى المربين تعريف واضح ومحدد للمربي: من هو؟ وماذا يعمل؟، وسيكون هذا التعريف مفتاحاً أولياً لرسم خطة الإنتاج.

ثم ننطلق بعد ذلك في نقاط واضحة نحدد مواصفات المربي بموضوعية، لأن هذه المواصفات ستتحول بعد ذلك إلى أهداف تربوية لإنتاج المربين، ومن المهم في هذه الخطوة التفريق بين مواصفات تقع موقع الشرط وبين مواصفات واجبة لكنها لا تقع موقع الشرط، أيْ إنَّ هناك مواصفات للمربي لا ينبغي التنازل عن اكتمالها فيه، كاستقرار الشخصية مثلاً، وهناك مواصفات قد نرتضي للمربي منها حداً أدنى، كالقدرة على التفكير الإبداعي.

ومواصفات المربي تشمل عدداً من جوانب شخصيته: الجانب النفسي، والجانب العلمي، والجانب العقلي، والجانب الجسدي، والجانب الروحي الإيماني، والجانب الاجتماعي، والجانب العملي.

وفي كل جانب من هذه الجوانب تكمن العديد من المعارف والمهارات والاتجاهات؛ إذا ما تم حصرها وتصنيفها وترتيبها في ورش عمل وحلقات نقاش وأوراق عمل فإننا سنحصل على الخام الذي يتشكل منه المربي.

والمربي وظيفة من أهم وظائف الدعوة إلى الله والعمل لهذا الدين، ولمنزلتها العالية فإنها تتطلب شروطاً لا تقبل التساهل والتهاون في تعيين الأفراد عليها، وهذا يعني أنني أفترض أن الذين تخرجوا في برامج تأهيل المربين ينبغي أنْ يُعرَضوا على الشروط والمعايير الخاصة بالتربية في المحاضن، لتتم إجازتهم من عدمها. إننا سنكون بحاجة إلى إيجاد مسارات تربوية ما ذات شروط أخف ومعايير أقل، لتوجيه المربين الجدد إليها والإفادة منهم فيها.

وتربية الأطفال تختلف عن تربية المراهقين، والتربية في المحاضن الصغيرة تختلف عن التربية في المحاضن الكبيرة، والتربية المتخصصة تختلف عن التربية العامة.. كلها بينها فروق كما أنَّ بينها نقاط جامعة، وعليه فإننا - إذ نعمل على إنتاج المربين - بحاجة إلى رسم مواصفات المحضن ومعاييره وشروطه.

وفي زمن التقنية وسهولة الحصول على المعلومة وسهولة المتابعة، فإنَّ إنشاء منصة إلكترونية توفر - على الأقل - المتطلبات العامة لإنتاج المربين، من المعارف والمهارات يعدُّ من الواجبات المتحتمات على الإدارات التربوية، إذ كثير ممن يمارس التربية في المحاضن هم أشخاص فاعلون مؤثرون، لكنهم لا تربطهم بالمؤسسات القريبة منهم أو الحاضنة لهم رابطة التعلُّم.

ومن الملفت للانتباه - أيضاً - ازدياد وعي الأسر بأهمية التربية، وحرص الكثيرين من الآباء والأمهات على تربية أولادهم بشكل سليم، ومعالجة قضاياهم بطريقة صحيحة، وسيكون لهذه المنصة الإلكترونية تأثير بالغ الإيجابية على أدائهم التربوي، وبهذا نكون أصبنا مرَّتين: مرة حين أفدنا المعلمين والمعلمات، ومرة حين أفدنا الآباء والأمهات.

فهل من مبادرات تنطلق في هذا الاتجاه؟


 


[1] البخاري 1/43، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة.

[2] الدور العمري في مجال التربية والتعليم مما يستحق أن تفرد له الدراسات المتخصصة وصفاً وتحليلاً.

[3] الزهد ص327.

[4] المتواري على أبواب البخاري ص60.

[5] عمدة القارئ 2/54.

[6] العزلة للخطابي ص83.

[7] بستان العارفين ص41.

[8] الفقيه والمتفقه 2/152.

[9] مناقب الإمام أحمد ص36.

[10] الصحيح 1/34، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة.