صخر بن حرب، اسم على مسمَّى! هو صخر حقاً بل أشدُّ قسوةً.. إحدى وعشرون سنةً وآيات الله التي تشَّقق لها الأرض، وتصَّدع لها الجبال، تقرع قلبه فلا يلين لها، ولا يخضع. كان رأس الكفر، لا ينام عن محاربة دين الله، ولا يألو جهداً في الصدِّ عنه بل يقود هذه الحرب، ويسعر نارها، فلا تكاد تخبو حتى يبعثها من جديد.

ربعة لا بالطويل ولا بالقصير، عظيم الهامة، دويهية صاحب رأي ومكيدة وتدبير. ابن حرب حقاً، وافق اسمه الواقع، وانطبق عليه، فقد عاش محارباً مخضرماً في الجاهلية والإسلام، ناضل عن هبل واللات والعزَّى ومناة الثالثة الأخرى أشدَّ ما ناضل عابد وثن عن وثنه، وكاد يدفع حياته يوم أحد فداءً له، بسيف البطل حنظلة بن أبي عامر الذي تمكن من أبي سفيان، وعلاه بسيفه لولا شداد بن الأسود بن شعوب الذي عاجل حنظلة فقتله، وحنظلة هذا هو غسيل الملائكة رضي الله عنه. فقال أبو سفيان: حنظلة بحنظلة! يعني بابنه حنظلة المقتول ببدر كافراً، وكان من الفرسان الشجعان الأشداء، وبه يكنى أحياناً.

أبو سفيان يعلم علم اليقين صدق الرسول وعظمة الرسالة، وفي حياته قبل إسلامه، ومنذ أن بزغ نور الدعوة كلمات ومواقف كثيرة لو تتبعتها لوقعت دون عناء على حقيقة صارخة، وهي أن أبا سفيان كان يعلم أن محمداً هو نبي الله حقاً، بل إن الرجل عرف النبوة في صاحبها قبل البعثة، ورأى بعض إرهاصاتها رأي العين لكن الكبر والأنفة وحب الرئاسة حال بينه وبين اتِّباع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا حال أغلب أصحاب الزعامة والجاه، يصدُّون عن دين الله، خشيةً على مصالحهم ونفوذهم، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنه الدين الحق.

والذي لا ينقضي منه العجب حديث أبي سفيان مع هرقل عظيم الروم في صحيح البخاري وغيره، عندما أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجاراً بالشام بعد صلح الحديبية، فأتوه وهو بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، وسألهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسئلة تدلُّ على دهائه وعلمه، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ يقول أبو سفيان: قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها! قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة.

إنها جاهلية - لا ريب - لكنها لم تكن خلواً من القيم النبيلة والمثل الرفيعة، فأبو سفيان يستحيي أن تؤثر عنه كذبة، وكان رجلاً مشركاً، بينما أساطين السياسة في الجاهلية المعاصرة، لا يتورعون عن الكذب بل لا يكادون يصدقون حتى اقترنت السياسة عندهم بالكذب والغدر والخيانة، فأيُّ الجاهليتين أخبث وأوعر؟!

ثم سأله هرقل: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. أفمن يصف دعوة محمد بهذا الوصف، أليس بمؤمن؟! لكن كما قال ربنا سبحانه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُفْسِدِينَ} [النمل: 14].

شقَّ رسول الله طريقه، يصدع بالحق، ويدعو قريشاً إلى عبادة الله وحده لكن المشركين عارضوا دعوته، وآذوا أصحابه، حتى اضطروهم إلى الهجرة إلى بلاد الحبشة، في السنة الخامسة للبعثة، وكان من بين المهاجرات أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، ألا يدعو ذلك للعجب والتأمل؟! ابنة زعيم قريش وحامل لواء الكفر والتكذيب، تهجر بيت الشرف والرئاسة والنعمة، وتنطلق مع أولئكم الركب، تقطع القفار، وتركب البحار، فراراً بدينها، فما أعظم هذا الدين الذي تضحي من أجله رملة! لكنَّ الله أبدلها ببيت أبي سفيان بيتاً أعظم منه وأكرم وأنعم، فقد هلك زوجها عبيد الله بن جحش في الحبشة، فما انقضت عدتها حتى استأذنت عليها جارية النجاشي، فدخلت عليها، وبشرتها بأعظم بشارة، وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الزواج منها. وكان قد كتب إلى الملك أن يزوجه رملة، فزوجه إياها، ومهرها أربعة آلاف درهم؛ وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، وجهازها كله من عند النجاشي، وذلك سنة سبع للهجرة، ولها من العمر بضع وثلاثون سنة. ولما بلغ أبا سفيان بن حرب، نكاح النبي صلى الله عليه وسلم ابنته، عجب له، وقال: «ذَاكَ الْفَحْلُ لا يُقْرَعُ أَنْفُهُ»، أي إنه الكريم الذي لا يُردُّ. وهذا يدل على عقل أبي سفيان وشرفه..، نعم، محمد بن عبد الله عدُّوه، وهو ينكر نبوته، لكنه يعرف قدره، ويعطيه حقه، فيفتخر بمصاهرته، ويتيه بها.

ودارت الأيام دورتها، والأيام دول، وها هو زعيم قريش ورأسها المطاع، يقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، يرجو عفوه عن قريش بعد غدرة غدرتها بخزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، طوته، فقال: يا بنية ما أدرى أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عنى؟ فقالت: هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه. فقال: يا بنية والله لقد أصابك بعدى شر! بل أصابها خيرٌ عظيم، لكنَّ أباها لم يبلغ بعد ما بلغت، وهو لا يفقه - وقد حجبت قلبه حجب الكفر الغليظة - حقائق الإيمان وأسراره العجيبة.

حروب كثيرة شنتها قريشٌ ضِدَّ المسلمين، وأشهرها بدر وأحد والخندق كان هو جُذَيْلُها المُحَكَّكُ وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ، وهو وإن فاته الخروج في بدر إلا إنه كان مسعرها، عندما استنفر قريشاً لاستنقاذ أموالهم من أيدي المسلمين الذين عرضوا لها، وبعث ضمضم بن عمرو الغفاري، فخرج سريعاً إلى مكة، وأخذ يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره قد جدع بعيره، وحوَّل رحله، وشقَّ قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان، قد عرَض لها محمدٌ في أصحابه لا أرى أن تدركوها. الغوث الغوث! فتجهز الناس سراعاً، وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحدٌ. وخرجوا سراعاً إلى حتفهم، {لِيُحِقَّ الْـحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْـمُجْرِمُونَ} [الأنفال: ٨].

وهنالك في بدر قُتِل رؤوس الكفر: أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة وشيبة وسواهم من صناديد قريش ورؤسائهم، وطرحت جيفهم في القليب، ووقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخاطبهم قائلاً: يا عتبة يا شيبة يا أمية بن خلف يا أبا جهل بن هشام! هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً؟!

لكن أبا سفيان ما لبث بعد سنتين من «بدر» أن ردَّ إلى قريش بعض هيبتها التي مرَّغتها «بدر» بالتراب، وكان ذلك يوم أحد، إذ استطاع بالدهاء والحيلة الحربية أن يحوِّل دفة المعركة، وينتزع من المسلمين - على حين غِرَّة - نصراً خاطفاً من بعد هزيمةٍ نكراء مني بها جيشه، وهنالك ابتلي المسلمون، وزلزلوا زلزالاً شديداً، وقُتِل من أبطالهم سبعون، على رأسهم حمزة أسد الله وأسد رسوله وعمه وأخوه وتِربه وحبيبه، وجُرِح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشُجَّ وجهه الشريف، وكُسِرت رباعيته، وهمَّ المشركون بقتله، وكادوا يصلوا إليه لولا عصبة من أصحابه، بذلوا في سبيله المهج، منهم سعد وطلحة الخير.

وعقيب انتهاء المعركة، أشرف أبو سفيان قائد جيش المشركين في زهو وغرور، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه! فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إنَّ هؤلاء قُتِلوا فلوا كانوا أحياءً لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يسوؤك! فقال أبو سفيان: أعل هبل! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه! قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: لنا العزَّى ولا عزَّى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه! قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني[1].

 هكذا كان رسول الهدى صلى الله عليه وسلم يدير الحرب الإعلامية بعفةٍ وأدبٍ وهدوءٍ واعتدالٍ دون إسفافٍ في الكلام أو فجورٍ في الخصومة أو خنوعٍ للتهمة أو رضا بالدون.

واشتد أبو سفيان في فجوره، وتمادى في طغيانه، حتى إنه أشرف بنفسه على إعدام الصحابيين الشهيدين زيد بن الدثنَّة وخبيب بن عدي، فكان لا بدَّ من الثأر لهما والانتقام من قريش في زعيمها ورأس الكفر والبغي فيها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري، وأمره أن يقتل أبا سفيان بن حرب، وبعث معه جبار بن صخر الأنصاري، فخرجا حتى قدما مكة لكنَّ القوم أحسُّوا بهما، فطلبوهما، فأعجزوهما هرباً في قصة طويلة[2]، وهنا موقف لأبي سفيان مع زيد بن الدثنة رضي الله عنه يجدر ذكره؛ إذ اجتمع رهط من قريش لتنفيذ حكم الإعدام به وكان أسيراً لدى قريش، فقال له أبو سفيان حين قَدِمَ ليُقتل: أنشدك بالله يا زيد، أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحبِّ أصحاب محمد محمداً[3].

لم يمض على غزوة أحد إلا سنتان أو أقل حتى نجح اليهود في تأليب القبائل ضد المسلمين وإقامة حلف قويٍّ من أعزِّ قبائل العرب وأكثرها نفيراً، واليهود من ورائهم، يمدونهم في الغي، ويعملون سلاح الخيانة والغدر ونكث العهود والمواثيق... وهو سلاحهم الذي اشتهروا به، وبرعوا فيه عبر التاريخ. ذلك الحلف الغاشم الذي تعاقد أطرافه على إبادة المسلمين واستئصال شأفتهم، فخرجت قريش وبنو سليم وبنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة وغطفان، فاجتمع منهم عشرة آلاف مقاتل، بقيادة أبي سفيان، وحاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً بتمامه لكنَّ الله ردَّهم بغيظهم، لم ينالوا خيراً، وسلَّط عليهم جنوده من الريح والبرد والصواعق، وقذف في قلوبهم الرعب، فارتحلوا عن المدينة، وكفى الله المؤمنين القتال، وكاد أبو سفيان أن يهلك في تلك الساعة لكن قدَّر الله وما شاء فعل، أما صاحبه في تلك الليلة الذي أدركه، ولو شاء قتله لقتله، فهو حذيفة بن اليمان طليعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال حذيفة: فمضيت حتى أتيتهم فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهماً في كبد قوسي، وأردت أن أرميه ثم ذكرت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحدثن فيهم شيئاً حتى تأتيني»، ولو رميته لأصبته! فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي.

لم يأذن الله لك يا حذيفة بقتل الرجل، ذلك لأنَّ أبا سفيان خُلِق للجنة، وكتبه الله من أهل السعادة برغم أنفه وأنف من كره! فقد تداركه الله بالإسلام يوم الفتح، فأسلم شبه مكره خائف؛ إذ أخذته خيل المسلمين حتى أجاره العباس بن عبد المطلب، وكان صاحباً لأبي سفيان، فدخل به على رسول الله، وشهد شهادة الحق، فأسلم، واستأمن لقومه، ثم خرج به العباس، فحبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها، إرهاباً له حتى يعلم أنه لا قِبل لقريش بحربهم ولا طاقة، ومرت القبائل على راياتها، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس! من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً! قال العباس: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذن. قال العباس: النجاء إلى قومك. مسكين هذا الرجل فإنه على وفور عقله وواسع حكمته ظلَّ حتى آخر لحظة يقرأ النبوة قراءة خاطئة، ويحسب محمداً طالب ملك! وهي تهمة أهل الجاهلية للمرسلين في كلِّ مكانٍ وحين: {فَقَالَ الْـمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 24].

ثم جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجاً. ولم يلبث أبو سفيان أن صلح حاله، وحسن إسلامه، وأبلى في سبيل الله بلاءً عظيماً، ليمحو كلِّ هذا التاريخ المشحون عداوة وبغضاً لله ورسوله، وليكفِّر كلَّ الجرائم والآثام، ويبدِّل السيئات حسنات، وما ذلك على الله بعزيز، وإنما العبرة بالخواتيم.

ودعنا نستبق الأحداث، وانظر إليه في اليرموك لما تراءى الجمعان، والتحم الفريقان، وهو في أتون المعركة، غير هيَّابٍ ولا جزع، وقد هدأت الأصوات، فسمع الناس صوتاً يكاد يملأ العسكر، يقول: يا نصر الله اقترب! الثبات الثبات يا معشر المسلمين!

 فنظر الناس إلى مصدر الصوت فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد الخير، وكان أحد قادة الجيش، وأفضل بنيه. وقاتل أبو سفيان يوم ذاك قتالاً شديداً. هذا القائد المحنك والرئيس المجرب، يقاتل اليوم جندياً من جنود الإسلام، تحت إمرة خالد، وكان من قبل أحد جنوده وطوع بنانه، في حرب الله ورسوله، فسبحان مالك الملك ومقلِّب القلوب! اتخذ رضي الله عنه مكانه في القلب من الجيش، لا يهن ولا يجزع، بل كان خطيب الجيش، ينادي فيهم: «يا معاشر أهل الإسلام حضر ما ترون فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم»، وجعل يقف على كل كردوس، ويقول: «الله الله إنكم دارة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم دارة الروم وأنصار الشرك. اللهم إنَّ هذا يوم من أيامك. اللهم أنزل نصرك على عبادك». ثم سار إلى موقفه رحمه الله، وصدق فيه قول الحق سبحانه: {إلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِـحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الفرقان: 70].

وتتابع الخطباء يعظون الجيش، ويحرضونه على القتال، وهكذا يكون الاستعداد للمعركة، بشحذ الهمم والطاقات، وشحن النفوس بالقوة الروحية وملئها بالإيمان بالله واليوم الآخر والطمع بالجنة، أما أن نحشوها بالعصبيات الجوفاء والفلسفات الخاوية فإنه لا يزيدها إلا فشلاً وخذلاناً.

وليست اليرموك أول مشاهده في الإسلام، فقد شهد حنيناً، مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفر، وأعطاه من غنائمها مئة بعير وأربعين أوقية كما أعطى سائر المؤلفة قلوبهم، وأعطى ابنيه: يزيد ومعاوية، فقال له أبو سفيان: والله إنك لكريم فداك أبي وأمي! والله لقد حاربتك فنعم المحارب كنت ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيراً.

ثم شهد معه الطائف، وكان من الأبطال الشجعان، ورُمِيَ بسهم، ففقئت إحدى عينيه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذه عيني أصيبت في سبيل الله. قال: إن شئت دعوتُ فرُدَّت عليك، وإن شئت فالجنة؟ قال: الجنة. لقد غدت الجنة أسمى أمانيه وأغلى من حبيبتيه، وهو مستعدٌّ لبذل نفسه التي بين جنبيه. ألا تعجب أيها القارئ لأبي سفيان، وللنقلة العجيبة التي أنعم الله عليه بها، فمنذ أيامٍ قليلة ما كان على الأرض وجهٌ أبغض إليه من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أصبح وجهه أحبَّ الوجوه كلها إليه، وما كان من دينٍ أبغض إليه من دين الإسلام، فقد أصبح أحبَّ الدين كله إليه. عداوة انقلبت مودة، وحوَّلت الرئيس المطاع إلى جنديٍّ مطواع، والشانئ الموتور إلى محبٍّ خالص الحبِّ، خالط حبُّ الله ورسوله مشاش عظمه، واستقر في سويداء قلبه، حتى بذل عينه وهو حريص على بذل ما هو أكبر وأغلى، فسبحان مقلب القلوب!

ثم فقئت عينه الأخرى في يومٍ من أعظم أيام الإسلام، يوم اليرموك، فعمي في سبيل الله ورسوله، وصبر لله وظفر، ثم كان بعد ذلك يقوده مولى له، عوضَّه الله الجنة.

ولد قبل عام الفيل بعشر سنين، وتوفي - رحمه الله وغفر له - في المدينة سنة إحدى وثلاثين، وعمره ثمان وثمانون سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ذلكم هو أحد سادات العرب المعدودين وأبطالهم الشجعان، صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي الأموي، وأمه صفية بنت حزن وهي عمة ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد دفعني إلى تناول حياته أن أكثر الناس لا يعرفون عن الرجل إلا أنه كان رأس الكفر وصاحب الأمر والنهي في قريش وقائد حربها الغشوم ضد نبي الرحمة ودينه الحق، ثم أسلم مكرهاً يوم الفتح أو تقيَّة، ولم يدخل الإيمان قلبه كما يزعم الذين في قلوبهم مرض، فماذا يريدون من رجلٍ فقد حبيبتيه في سبيل الله!

أمَّا بلاؤه في الإسلام وجهاده وتضحيته وبذله الذي طوى تلك الصفحات السوداء، فأزعم أنه يجهله الأكثرون، ويتجاهله آخرون، فأردت أن يرى الناس «القمر من جانبه المضيء».


 


[1] صحيح البخاري (4/ 66).

[2] سيرة ابن هشام، ت السقا (2/ 633).

[3] سيرة ابن هشام ت السقا (2/ 172).