تفاجأت أثناء نقاشي مع فتاة تطمح دخول عالم التجارة من جوابها على سؤال لماذا تريدين ذلك وما هدفك منه؟ 

قالت بكل حماس: لكي أكون ناجحة؛ سأشتهر في هذا المجال، وأكون غنية! 

قلت: وهل النجاح مرتبط بالشهرة والغنى؟

قالت: نعم بالطبع، فهذا معنى النجاح، وهكذا هم كل الناجحين في عصرنا! 

فقلت بعد صمت طال: ما هو تعريف النجاح لديك؟ 

قالت: أن تكون مشهوراً وتملك شركة وغنياً!

النجاح الزائف:

في الحقيقة لم تكن الإجابة صادمة لي بعد ما عرفت مسببها؛ وهو نحن! نعم المجتمع المسكين الذي ضعفت رؤيته وقصر إدراكه فجعل كل من اشتهر ناجحاً!

تلك لم تكن إجابة فتاة واحدة بل إجابة جيل كامل! فمثلها الكثير من فتياتنا وشبابنا الذين أصبحوا ضحية هذا المجتمع الذي يقدس الإعلام بكل ما فيه من خير وشر!

وكثير من أولئك الذين أصبحوا مشاهير في مجتمعنا كانوا لا شيء سابقاً، فهم لم يعملوا لينالوا الشهرة بل نالوها بمجرد تصويرهم لأحداث حياتهم، وربما لم تكن حياتهم الحقيقة بل مزيفة أيضاً، ثم تناسوا فضل المجتمع عليهم وصدقوا نجاحهم الزائف حتى صدّق المجتمع أنهم ناجحون حقاً!

لماذا إذنْ حصرنا تعريف النجاح في المظاهر؟

لماذا جعلنا من الحمقى ناجحين؟

لماذا جعلنا شبابنا وفتياتنا يعتقدون أن النجاح لن يكون إلا بالشهرة والغنى؟!

جعلناهم يسعون لنجاح زائف، أي نجاح ذلك الذي يكون من نيل الشهرة بلا عمل ولا جهد ولا بصمة ولا فكرة ولا عطاء يذكر! 

ناجح لأنه يتصرف كالأبله؟ أم ناجح لأنه يرقص؟ أم ناجح لأنه يسخر من المجتمع والدين؟ أم ناجح لأنه يتقن إحراج الآخرين والاستهزاء بهم؟ أم لأنه حسن المظهر؟ أم لأنه غني ويتفاخر بما لديه من نعم الله؟ 

للأسف هكذا هم شبابنا الذين يسميهم المجتمع «ناجحين»، يشتهر بمجرد استخفافه بالعقول التي تتابعه، فهو لا يقدم لهم أي فائدة حقيقية ولكنه حتماً يستفيد فحين يشتهر بسبب المجتمع يكسب من وراء ذلك أنواع الصفقات ثم يوصف بالناجح لأنه جنى مالاً من لا شيء!

تتزاحم عليه الشركات ليعلن لها، وتتقابل معه القنوات لتزيد مشاهدتها؛ وهي لا تدري أنها بهذا الفعل تزيد بلاء الأمة، فالإعلام اليوم أكبر مؤثر على فئة الشباب، فكيف إذا رأوا أن تلك الشركات والقنوات ترى أن هذه الفئة هي أفضل من يسّوق لها!

 بل وقد تجد منظمي الملتقيات والندوات يسعون لاستضافة أحد هؤلاء الناجحين المزيفين لينصحنا ويعلمنا كيف نكون ناجحين مثله!

النجاح الحقيقي:

ليت قومي يعلمون أن النجاح أبسط مما يتخيلون، النجاح ليس له مقياس معين، النجاح ليس ذلك الوهم أن «كل مشهور ناجح»، بل إذا تأملنا الحقيقة نجد أن العكس صحيح «ليس كل ناجح مشهور»، فكم من الناجحين الذين مروا في هذه الحياة لم يُذكر اسمهم في الإعلام ولا في الكتب!

كثيرون هم الذين حققوا إنجازات كبيرة في حياتهم وقدموا الكثير من العطاء لغيرهم وحققوا أهدافهم وفعلوا الكثير والكثير، ولكن لم يكن همهم الشهرة ومعرفة المجتمع لاسمهم حتى يذكرهم في كل مكان، بل كان هدفهم أسمى من ذلك فقد كانوا يريدون بإخلاصهم أن يُذكر اسمهم في مكان آخر؛ هناك في السماء حيث الذاكر هو الله والسامع هم الملائكة! هناك تتحقق الشهرة والنجاح الحقيقي.

النجاح له الكثير من الصور بخلاف النجاح الزائف الذي حُصر في الشهرة والمال! فالنجاح هو أن تحقق هدفك وتصل لما تريد أياً كان مجاله (ديني أو دنيوي)، ولا يشترط أن تربح مالاً أو شهرة أو مدح الناس. فالنجاح أسهل مما نتخيل وأشمل مما نعتقد.

خطوات النجاح:

لكي تصل للنجاح الحقيقي أنت لا تحتاج إلا لثلاثة أمور:

رؤية واضحة وهدف معين، ورغبة ملحة بهمة عالية، والعمل بجهد بلا ملل.

فإذا لم يكن لديك هدف معين وواضح فأنت ستستمر بالتخبط وربما تغير هدفك في كل يوم، إلى أن يفنى شبابك وعمرك قبل أن تعمل!

وإذا لم يكن لديك رغبة وهمّة عالية لأجل الوصول إلى هذا الهدف فستبقى متأخراً دائماً إما بتأجيل عمل أو تفويت فرصة أو إحباط من قبل المجتمع!

فالهمة والإصرار يجعلانك تقف بعد كل سقوط لتنهض من جديد وتستمر في طريقك مهما تعثرت، أما إذا لم يكن لديك قوة للعمل بجهد فسوف تفشل في تحقيق هذا الهدف وبجدارة، فإن من وضع له هدف معين، وكانت له رغبة ملحة في نيله ثم لم يتحمل الدراسة أو لم يتحمل التدريب أو لم يتحمل العقبات الوظيفية فلن يصل إلى ذلك الهدف أبداً

فتحديد هدف والرغبة به لا يكفي! بل يجب أن تعمل، وتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «اعقلها وتوكل»، هذه العبارة اختصرت أهم أسس النجاح في الحياة: العمل والتوكل على الله، فإن لم تعمل بما أعطاك الله من قوة ومهارة فلن يكفيك التوكل أبداً، فالعمل هو الأساس، وقد قيل: «إن لم تستطع دفع ثمن النجاح فسوف تدفع ثمن الفشل».

ناجحون بجدارة:

إليك بعض الأمثلة الواقعية على النجاح لناجحين بجدارة وعلى رأسهم ربة المنزل، فالكثير منا يعتقد أن عمل ربة المنزل أقل من باقي الأعمال، بل هناك من لا يعتبره عملاً أصلاً، لأنه بلا راتب وبلا مكانة اجتماعية ولآخره، لكنه في الحقيقة أنبل عمل، بل هو ما أخرج الناجحين حقاً!

وتدبر في قصص العلماء في كل المجالات فقل ما تخلو قصة من ذكر تأثير الأم الكبير على نجاح صاحبها، وقد حددت ربة المنزل لأنها متفرغة تماماً لإعمار أسرها ولا يزاحمها في ذلك عمل آخر، ولكن هل كل ربة منزل ناجحة؟ لا بالطبع بل من حددت هدفاً ولو بسيطاً ووصلت إليه ولو بعد سنوات كحسن تربية أبنائها أو تعليمهم أمور الدين أو حفظ أبنائها للقرآن، أو تدريس الابن حتى ينجح، أو إتقانها لمهارة معينة إلى آخره، وكذلك الأب الذي وضع هدفاً يريد تحقيقه في عائلته ووصل له فهو من الناجحين بجدارة.

وكذلك الدعاة للدين الذين ينقذون الناس من النار ويخرجونهم من الظلمات إلى النور بإذن الله ويتغربون لذلك في أفقر البلاد. وهم كثر، ولكن لم نعرف إلا القليل منهم لأنه لم يكن همهم الشهرة عند الناس بل عند الله.

وكذلك المعلم الذي يخرج لنا شباب المستقبل ويتحكم بالفكر ويؤدب الخلق وينير العقول بعلمه فكثير هم المخلصون منهم ولكن لا نعلم إلا قليلاً منهم لأن همهم لم يكن الشهرة والغنى بل كان أسمى من ذلك.

وهناك الجنود الذين يحمون البلاد، وهناك المخترعون في شتى العلوم الذين رفعوا اسم بلادنا في الكثير من المحافل، وهناك رجال الأعمال الذين أضافوا نهضة للبلد وغيرهم الكثير والكثير فلا نستطيع حصرهم ولكن هم بالتأكيد «ناجحون بجدارة» وليس بحماقة كما هو وضع مشاهير النجاح المزيف.

أنت أيها القارئ الكريم تمثل جزءاً من المجتمع فتغير أنت وسيتغير المجتمع بعدك، وكن من الناجحين نجاحاً حقيقياً ولا تلتفت للمحبطين أبداً.