في حلكة الليل، وعلى أصوات الجنادب التي شق صريرها جدار الصمت الواهي، رمش بعينيه الصغيرتين وهو يطيل التحديق في الظلمة الممتدة فوقه دون نهاية، وكأن السقف تماهى مع السماء لينفتح كلاهما عن نفق ممتد من السكون المبطن ببكاء قلبه الحزين.

لا يدري كم ظل يعرج في النفق المعتم فوقه، لكنه انتبه أخيراً أن تماهي السقف مع السماء بدأ يتلاشى مع تسلل التباشير الأولى للفجر، يوشك الفجر أن يطلع، وبعدها الشمس ستعلن عن نفسها لتجلد روحه بسياط أشعتها الملتهبة كما تفعل كل صباح، سوطها اليوم سيكون أقوى وأشد حرارة، فاليوم عيد، ولا رفقة معه يشاركها هذه اللحظات الجميلة.

«هل بالضرورة أن يأتي الصباح!»..تساءل بأسى وهو يحاول تبيان يديه النحيلتين في الضوء الخافت الذي بدأ يتسرب من النافذة، دس رأسه تحت الوسادة، وخرجت شهقاته مكتومة بينما أخذ ظهره يهتز.

استقبل صباح العيد السابق كما لم يستقبله اليوم، بمجرد أن شعر بدنو الفجر قفز للنافذة، ليراقب المدينة التي تنفض عن أجفانها بقايا النوم، بالتزامن مع أذان الفجر، لم ينتظر كثيراً أمام النافذة، فسريعاً هز والده الذي يشاركه الفراش والغرفة الوحيدة التي تقبع في سقف العمارة، وما أن يطرد الوالد بقايا النوم من أجفانه حتى يغتسلان بالماء البارد، وبينما يرتدي والده ملابس اليوم السابق، يرتدي هو ملابس العيد التي عمل والده جاهداً لتوفير ثمنها.

توقف ظهره الصغير عن الاهتزاز، مسح دموعه واتجه إلى النافذة، فتحها على مصراعيها ليمتلئ صدره بنسيم الفجر البارد، ابتلع غصة حاولت التحرر من حلقه، انتعل حذاءه الممزق وغادر الغرفة.

توفي والده قبل شهور قليلة وتركه يواجه قدره ووحدته، لم يملك الوقت حتى للنحيب عليه، سريعاً حمل الصندوق الذي اعتاد والده حمله كل صباح ونزل لشوارع المدينة، يلمع أحذية الرجال لتبقى يده متسخة طوال اليوم، مهما حاول معها لا يزول لون طلاء الأحذية الأسود ولا رائحته النفاذة.

من السقف المرتفع راقب الناس وهم يتوافدون لجامع الحي، شعر بالحنين للاصطفاف معهم، كما فعل العيد الماضي والذي قبله، حانت منه التفاتة لملابسه الرثة، هز كتفيه بلا مبالاة، فلا يملك سواها، غسل وجهه بالماء البارد وتوضأ، حاول إصلاح شعره الذي لم يحلقه منذ وقت طويل، نزل درجات العمارة بسرعة وانخرط مع الجموع محاولاً التواري عن الأنظار قدر ما يستطيع، صحيح أنهم اعتادوا على مظهره الرث وهو يتجول بينهم كل يوم حاملاً صندوق عدته، لكن اليوم عيد، لن ينحني ظهره عند قدمي أحد، سيحاول أن يعيش هذه الساعات القليلة تماماً كما عاشها مع والده قبل رحيله.

قبل أن يضع قدمه داخل الجامع حانت منه التفاتة إلى الداخل، تسمر في مكانه للحظات قبل أن يعود أدراجه، عاد مسرعاً لغرفته، غير عابئ بالأجساد التي يرتطم بها أثناء هروبه من خجله وانكساره من ملابسه البالية وحاله الرث.

دخل غرفته، وأغلق الباب بقوة، وقف لحظات يلتقط أنفاسه، التفت لصندوق عدته، «حسناً سينتهي العيد قريباً وتنتهي معه كل هذه المشاعر المتضاربة».. حدث نفسه معزياً.

عندما توجه ليرمي جسده وقهره على فراشه، لاحظ تكوماً على الفراش، لوهلة ظن أنه لا يزال نائماً هناك، اقترب ليجد كيساً بلاستيكياً ممتلئاً يتوسط فراشه، لا يتذكر أنه وضع شيئاً هنا قبل أن يخرج، لأنه في الأساس لا يملك شيئاً ذا قيمة، بتردد اقترب من الكيس وفتحه، ثمة قميص جديد، وحذاء لا يزال بكرتونه، وقبل أن يخرج بقية الأشياء، أتاه صوت من ركن الغرفة المظلم: «حاولت أن ألحقك قبل أن تخرج لكنك كنت أسرع مني».

ترك ما بيده بسرعة وانتصب مرتبكاً، ليقترب منه جاره العجوز وهو يتكئ على عصاه ، طالما واظب والده على زيارته وقضاء حوائجه، لكن منذ وفاته لم يشاهده أبداً.

اقترب العجوز منه واحتوى وجهه الصغير بين يديه وقال هامساً: «أعتذر لأني دخلت بيتك دون إذن، هل تسامحني!»

أومأ برأسه إيجاباً بعد أن انعقد لسانه.. «حسنا.. سأنتظرك خارجاً، بدل ملابسك والحقني، لنذهب سوياً لصلاة العيد».

خرج العجوز بينما ظل هو جامداً في مكانه، وحين أتاه صوته يستعجله لبس ملابسه بسرعة وتبعه، لم يمتلك في غرفته مرآة لينظر لنفسه لكنه شعر بانتعاشة تسري في عروقه وهو ينتعل حذاء جديداً لامعاً.

عندما خرج من غرفته شعر أنه الشخص الذي كان قبل أن يقهره اليتم.

«تبدو لائقة عليك».. قال العجوز وهو يراقبه بفخر، ليكمل: «كان والدك صديقاً عزيزاً عليَّ، وحين رحل تركناك جميعاً تواجه قدرك، يا لقسوتنا!»

لم يقل شيئاً، اكتفى بالصمت.

قال العجوز وهو يقترب منه: «سامحني يا بني، شغلني حزني على موت زوجتي عن كل من حولي، لكن لا عليك ستغدو الأمور أفضل منذ اليوم».

حدق ملياً في الغرفة البائسة التي خرج منها منذ لحظات، تنهد بعمق وهو يهم بالمغادرة «تعال معي؟!».. قال آمراً.

«إلى أين؟».. سأل الصغير مستفهماً.

«نلحق صلاة العيد في الجامع ثم نعود لشقتي، ستعيش معي من اليوم وصاعداً، فكما ترى أنا عجوز ولا أستطيع أن أعيش بمفردي وأنت أصغر من أن تعيش بمفردك».

«لكن...» بترت عبارته ولم يدرِ ماذا يقول.

«كنت أراقبك منذ فترة منذ نافذة غرفتي، وأنت تنزل كل صباح حاملاً معك صندوق عدتك، وأنتظر عودتك كل مساء تجر قدميك من التعب، كنت أقول لن يذهب اليوم التالي، لكنك تعاود النزول بإصرار أكبر، أعجبتني شجاعتك وتماسكك في الحين الذي استسلمت أنا لليأس والعزلة، منتظراً الموت أن يأتي ويرحم الدنيا من عجوز مثلي، لكنه لم يفعل، ودون أن أدري بث إصرارك وعزيمتك الحياة مجدداً في قلبي، أحتاجك بجانبي».

وعندما لم يعقب الصغير قال: «تعال يا بني، اليوم عيد، لنعش هذه الفرحة سوياً، ثم لكل حادث حديث».

مشى العجوز مبتعداً بينما تصلب هو مكانه، ينقل بصره بين الجار وبين الغرفة التي يعلَق في ظلمة سقفها كل مساء، وبدل أن يتبع العجوز هرول نحو غرفته، لم يلبث لحظات حتى خرج منها وهو يحمل صورة والده بين ذراعيه، سينزل درج العمارة مجدداً، وينخرط بين الجموع الذاهبة للصلاة، لكن هذه المرة لن يحاول الاختباء أو التواري عن الأنظار.