رسالة إلى الأمهات


صدمة حقيقية تلقيتها عندما كنت في بداية سنوات التدريس، يومها وقف أمامي طفل في العاشرة من عمره يشكو زميله الذي أخذ قلمه، بينما ينفي الآخر عنه التهمة قائلاً: «وجدته على الأرض هو لي».

كانت تلك الحادثة سبباً لجعلي أبدأ بشرح مفهوم الأمانة للطلبة خلال حصة الرسم خاصتي، وفي كل صف أدخله.

استمر الأمر لأيام، كنت غاية في الألم والخوف من أن يكون مفهوم الأمانة غائباً عن الأطفال في مدرستي، وهالني ما رأيت من جهلهم.

بعد أيام وجدت مديرة المدرسة تثني على إرجاع الطلبة لأشياء وجدوها بشكل مكثف، ففرحت وفهمت أن دروسي عن الأمانة آتت ثمارها.

تلك القصة زادت إصراري على أن أقدم بنفسي لأولادي كل ما يحتاجونه من علم شرعي أساسي، واعتزاز بدينهم، وأن أعلمهم فصولاً من التاريخ مهمة تثير حبهم وشغفهم، وأن أهتم بتعليمهم الذاتي كثيراً، دون أن أولي اهتماماً يذكر لما يتلقونه في المدرسة، أو لنقُل دون أن أعتمد عليها، وأنها مهمة لا تحتمل الانتظار.

كنت أثق أيضاً أنني لو استطعت أن أغرس فيهم بجانب هذا العلم: «حب القراءة، والتعطش للمعلومة»، أكون قد أفلحت.

وأن الطريق إلى هذا لن يكون إلا عبر علاقة طيبة عادلة تربطني بهم، فلا ميوعة يجلبها الدلع المقيت، ولا قسوة نجنيها من الظلم، وأن ثقتهم بي هي الأهم.

الالتزام أولاً:

أدركت وأنا في مرحلة التخطيط للإنجاب أن هناك سنوات قيد تنتظرني، وأن أجمل ما يمكن أن أهديه لأولادي هو وقتي ونفسي، وأنها ستكون سنوات البناء أو الزرع، تليها سنوات من الحصاد رائعات.

لم أكن أستطيع أن أفهم فكرة أن يمنحنا الله أطفالاً كهدية ولا نستثمرها لبناء آخرتنا أولاً، ودعم ديننا بهم، ثم دنيانا؛ عندما نخرج من بيوتنا الدافئة قادة في الفكر، والشجاعة، والثقة، والعلم، والسياسة وغيرها، تملأ قلوبهم الثقة، وتسكنهم الهمة والحماسة للدعوة وللنجاح على كافة الأصعدة.

لم يكن البقاء معهم وحده هو المقصود بالتأكيد، لكنه البقاء المثمر الفاعل، والذي يكون هدفه في البناء واضحاً جلياً، ومحدداً.

وهو أكثر ضرورة وتأكيداً في المهجر، تحتاج حينها أن تبني بناء مضاعفاً من الثقة، والثبات، والتأثير، لأن المتاح من طرق التشتت، والضياع، والانفلات، وكسر الثقة والاعتزاز بالنفس والدين والانتماء، أكثر توفراً من المجتمع المسلم المحافظ بالتأكيد، وهذا يحتاج غرساً أكبر، أشد رسوخاً، وبناء محكماً قوياً، وجميلاً متناسقاً أيضاً.

وهو أيضاً سبب لتقوية وربط الطفل بالله، وما وجدت حلاً لهموم التربية سوى أن أحيل الطفل إلى ضميره المرتبط بالله حباً لا خوفاً، فأرتاح أنا لأنه يقوم نفسه بنفسه، ويحاسبها أولاً بأول.

امنح طفلك الحب، والثقة، والاحترام، والاعتزاز أيضاً:

تجربتي في التدريس كذلك منحتني فرصاً كثيرة للاطلاع على شخصيات الأطفال، استطعت من خلالها أن أفهم بعض الأمور التي تجعل الطفل مشروع قائد، فكان الحب، والثقة الممنوحة من الأهل، والاحترام، هي الأهم من بين الأسباب.

لا أنكر أنه كان هناك أولاد لا يتمتعون بحب أهلهم وثقتهم واهتمامهم بنسبة كافية وقد كانوا من القياديين، لكنهم لم يكونوا محبوبين دوماً، بل كانت تنقصهم الشهامة في أغلب الأحيان، وإن امتلكوا الشجاعة والتنمر الذي قد تمنحه لهم الخبرات الأليمة التي عاشوها وعركتهم بها الحياة، بعكس أولئك الذين تربوا بالحب وعلى المثل ومنحوا الثقة ليخطئوا، ويصيبوا، ويخالطوا البشر مدعمين ببناء أسري قوي.

الفئة القيادية التي تمتعت بحب وثقة واهتمام أهلها، والأهم اعتزازهم ومديحهم، كانت متوازنة ورحيمة أيضاً، ولا أعني هنا أبداً المتفوقين دراسياً، بل من يحتوي، ويدعم، ويغير قناعات رفاقه، وربما سلوكهم أيضاً.

الأمر الذي يحول دون بناء شخصيات متوازنة أيضاً، ويمنعنا من تقديم الحب، هو أن ننظر كآباء إلى أولادنا على أنهم ممتلكات لنا، الفكرة ظالمة للطرفين حقيقة، فهي توقف البذل العاطفي على الأغلب، فأنت لن تحتاج إلى تقديم الدعم، والحب، والتأكيد عليهما لمن تشعر بأنه ملكك، لكنك ستحرص على هذا العطاء واستمراريته عندما تكون متيقناً أنهم مجرد هدايا ربانية مؤقتة، واختبارات تمتحن أنت بها، وينطبق هذا أيضاً على كل الأشخاص الذين سيمرون في حياتك.

إياك والمقارنة:

ما زلت أذكر عندما كنت في المرحلة الإعدادية أنني تمردت على الدراسة لأنني كنت أتعرض بشكل دائم من قبل عائلتي للمقارنة مع صديقتي المقربة وابنة جيراننا، وأنهم برغم حسن نواياهم جعلوني أتخذ موقفاً مشاكساً، جعلني هذا فيما بعد امتنع تماماً عن مقارنة أولادي بآخرين لأنهم أغلى عندي من أن أفعل هذا معهم، وأكسر ثقتهم بأنفسهم وأفتح لقلوبهم أبواب الحقد والحسد.

القدوة ولا شيء آخر:

الأمر الأساس في التربية هو القدوة.. الالتزام بالصلاة، العبادة بحب ومتعة، الخلق الحسن، الشجاعة، الأمانة، الثبات على المبدأ، الثقة بالله، تنظيم الوقت، عدم هدر الوقت، حفظ النعم، الصحة، التواضع، مراعاة مشاعر الآخرين، كلها أمور يتعلمها الطفل بالقدوة بسهولة ويسر دون عثرات.

 المشكلة تكمن عندما يتم تلقينها له نظرياً ثم يجدها معكوسة في تصرفاتنا، كأن تحدثه عن القراءة ولا تقرأ، أو عن ضرورة حفظ الوقت وتهدر أنت وقتك أو صحتك، أو تفوت صلاتك دون أن تستميت لأدائها في وقتها، أن تكذب عليهم أو على أحد أمامهم.. المسؤولية عظيمة.

الاعتماد على النفس وحب العمل:

بالحب بنينا إنساناً سليم النفس، وبالقدوة منحناه ما نريده من صفات، وبالاعتماد على نفسه نعلمه قيمة العمل ونيسره عليه.

 كان أكبر خطأ ارتكبته في حياتي هو أنني لم أكن أمتلك الصبر الكافي في بداية مرحلة تكوين عائلتي لأدع طفليّ يرتبان غرفتهما وألعابهما، في حين تركت لهم المهمة عندما صاروا أربعة أولاد، ولم يعد في وقتي متسع لأفعل، فوجدت أن الأمر ترسخ في الصغار دون الكبار الذين اعتادوا مني على المساعدة، فكنت أرى أشياءهم منظمة دوماً في حين لا يهتم الكبار للأمر.

تعلمت مما حصل الكثير، وبدأت أوزع المسؤوليات على الجميع، في البداية يبدو الأمر شاقاً، لكنه مع التكرار يصبح سهلاً وعادياً وسلساً.

قس على هذا العمل في الصيف وفي أوقات الفراغ، وبالتأكيد يجب أن نضمن المكان والرفقة، لكن النتائج بديعة ورائعة في ما يتعلق بشخصية الطفل وقدرته على إيجاد فرص للعمل وكسب الرزق واستثمار المال ومعرفة قيمته عندما يحتاج هذا.

ولا ننسى طبعاً أن نغرس فيهم بالقول والفعل مفهوم الرزق في شريعتنا؛ الحلال والحرام، والأمانة، وأهمية الصدقة واستجلاب الرزق بها، كذلك الثقة بأن الله وحده هو الرزاق وليس غيره فلا ينحني لصاحب منصب أو مال، والأهم هنا بالتأكيد هو أن نكون نحن القدوة بأفعالنا.

المظهر ثم المظهر:

من أهم ما يعتمد عليه الإعلام لتشويه صورة المسلم هو المظهر، ومن أهم الأبواب التي تفتح لنا القلوب بداية هو المظهر، وهو مما اعتنى به ديننا ونبينا ولم يتهاون به مطلقاً، ومن المفيد أن يعتاد أولادنا منذ صغرهم على أسس ومبادئ وفن الاعتناء بالمظهر بداية من النظافة الشخصية، وأن يدرك أنه بهذا ينال الحسنات وتفتح له القلوب، فيزداد اعتزازاً بدينه ونفسه.

الصراحة والوحدة بين أفراد العائلة هي العمود الأهم:

خلال رحلتي وحيدة مع أولادي وفي بلاد غريبة، مررنا ككل العائلات بمراحل من الضيق المادي، والهموم وغيرها من الأمور التي يتعرض لها من يعيش مرحلة حرب، وبعيداً عن مجتمعه المتكافل.

 ما نفعني في تجاوز الأزمات هو وحدتنا، وصراحتي اللامتناهية معهم في الحديث عن المشكلات بكل أنواعها، فكانت المشكلة تتوزع على الجميع، ويحمل همها الجميع فتهون، وتطرح لها الحلول، وتذيبها المواساة، ولا تبقى بكاملها حبيسة قلب واحد، فتكون سبباً جديداً لزيادة التماسك والوحدة والمحبة والقوة أيضاً، وهو أمر يريح الأهل ويجعل الأولاد قادة عارفين وخبراء ويمنحهم القدرة على حل المشكلات التي تواجههم مستقبلاً بشجاعة.

الخلاصة:

أن تخرج داعية لا يعني أن تخرج عالماً فقيهاً بلسانه أبداً، بل أن تخرج علماً صحيحاً يتحرك داخل جسد إنسان، ومن خلال تصرفاته، فيحبه الآخر ويقبل عليه، ولا تنس مطلقاً كم هي عريقة تلك البلاد التي أسلم أهلها على يد تجار المسلمين.

ثري هو ديننا.. ممتعة هي التربية.. رائع أن تكون حياتك سعياً لتنال رضا الله.