مراكز الأبحاث في أميركا

العنوان: مراكز الأبحاث في أميركا.

المؤلف: توماس ميدفيتز.

الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية.

تاريخ النشر: 2015م.


في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر تزايد الحديث في الإعلام العربي عن مراكز الأبحاث الأمريكية، وأثارت بعض التقارير والدراسات الصادرة عنها جدلاً كثيفاً، مثل بعض الدراسات الصادرة عن مؤسسة «راند». ومع هذا الاهتمام إلا إن كثيراً من التناول لهذه المراكز كان يتسم بالاختزال والفقر التحليلي، ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب.

بأدوات منهجية سوسيولوجية يناقش توماس ميدفيتز أستاذ علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا نشأة مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة وتاريخها وأساليب تأثيرها، وذلك عبر ستة فصول. ويعقد المؤلف الفصل الأول لعرض مشكلة تعريف مراكز الأبحاث، فبرغم مرور عقود من البحث حول هذا الموضوع يقول المؤلف إنه «لم يقدّم أحد بعد إجابة شافية على أهم سؤال على الإطلاق: ما مركز الأبحاث؟»، وهذا يوضحه الاختلافات الكبيرة بين التقديرات المتباينة لأعداد مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة. ويحاول المؤلف وضع حل إجرائي لهذه الأزمة المصطلحية بالقول بأن مراكز الأبحاث شبكة هيكلية من المؤسسات تتخلل المجالات الأكاديمية والسياسية والتجارية والإعلامية وتربط بينها وتتداخل معها. ولتوضيح هذا المفهوم يصوغ المؤلف مقاربة نظرية لواقع مراكز الأبحاث المعقد، فهي تؤدي دوراً «بهلوانياً»، وتستخدم ارتباطها بالمجالات الأربعة (الأكاديمية والسياسية والاقتصادية والإعلامية) لتبرز تميّزها عن غيرها من المؤسسات، فتبرز مراكز الأبحاث أحياناً انتماءها إلى عالم الإنتاج المعرفي دعماً لمصداقيتها الأكاديمية، ودفعاً لاتهامها بأنها «جماعة ضغط متنكرة»، كما تتجنب الاتهام بأنها مؤسسة «البرج العاجي» بانفصالها عن المعارك السياسية اليومية عبر توسيع ارتباطاتها بالفاعلين السياسيين، ومع ذلك فهي مهددة بالظهور بمظهر التابع لحزب سياسي أو جماعة سياسية، وهو خطر يمكن التخفيف منه بواسطة الاستقلال المالي، ولجمع المال يجب أن يتجه مركز الأبحاث لجمع التبرعات عن طريق تفصيل عمله على مقاس مصالح الرعاة المحتملين، ثم في النهاية يمكن أن تدعم مراكز الأبحاث صورة استقلالها عن طريق السعي إلى الانتشار الذي يتطلب علاقات اجتماعية مع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية. وبهذه المقاربة يمكن فهم درجة التركيب والتعقيد والضبابية للمجال البيني الذي تعمل فيه هذه المراكز، والذي هو سبب أساسي للتأثير الذي تحدثه.

ويقدم الفصل الثاني تاريخاً مفصلاً لظروف نشوء ما يسميه المؤلف بالنماذج الأولى لمراكز الأبحاث في الولايات المتحدة، وذلك عبر سرده لخمس موجات للتطور التنظيمي منذ أواخر القرن التاسع عشر، وحتى عام 1962م تقريباً، وقد تكوّنت الموجة الأولى في تسعينات القرن التاسع عشر من اتحاد منظمات مدنية مختلفة أنشأها مصلحون اجتماعيون، والموجة الثانية كانت مكاتب بحثية محلية أسسها رجال أعمال ومحاسبون وكان ذلك في بدايات القرن العشرين، والموجة الثالثة بدأت تظهر في العقد الثاني من القرن العشرين على صورة جماعات سياسية تقدم معلومات عن الدول والأسواق الخارجية للحكومة الفيدرالية، أما الموجة الرابعة فنشأت نتيجة نضج الاقتصاد كعلم أكاديمي فظهرت مكاتب ومراكز أبحاث الاقتصاد وقامت باستحداث أدوات تقنية جديدة لإدارة الاقتصاد القومي، ثم جاءت الموجة الخامسة من النماذج الأولى لمراكز الأبحاث في أربعينات القرن العشرين بسلسلة من مجموعات التخطيط العسكري نتيجة الدور المتصاعد للولايات المتحدة بوصفها قوة عظمى، وبسبب تزايد الإنفاق الفيدرالي على التنمية. ويدلل المؤلف في هذا الفصل على أن الذي ساعد في نشوء هذه النماذج الأولى من مراكز الأبحاث هو الائتلاف الغامض بين الجماعات التي تعتقد بأهمية الحلول التقنية لأزمات الرأسمالية، وقد همّشت هذه الجماعات مع مرور الوقت من دور مجموعتين من النخب في الحوار السياسي: الأولى أكثر المثقفين استقلالية، والثانية الرأسماليون الراديكاليون.

ويخصص المؤلف الفصل الثالث لتحليل عملية تبلور فضاء مراكز الأبحاث الذي تكوَّن في بدايات الستينات من القرن العشرين، وذلك عبر عملية تقارب بنيوي بين مجموعتين متميزتين من الخبراء، الأولى: التكنوقراط الذين أصبحوا بحلول منتصف القرن العشرين المصادر الأساسية للاستشارات السياسية الإستراتيجية. الثانية: نوع بارز من «النشطاء الخبراء» الذين مثلوا تحدياً للتكنوقراط، ثم لاحقاً نشأت أنواع من التعاون الضمني بين الطرفين، وكانت من نتائج ذلك مراكز الأبحاث. وفي الفصل نفسه يقدم المؤلف ثلاثة أسباب مع إيضاحات مسهبة لهيمنة المحافظين على مراكز الأبحاث، ويذكر أن السبب الأول يكمن في تلقي المراكز المحافظة للدعم المادي من المؤسسات التجارية الضخمة. والسبب الثاني تحررها النسبي من قمع الدولة الذي كان يحيط أحياناً بمراكز أبحاث اليسار. أما السبب الثالث فيرجع للتحرر النسبي من استحواذ الجامعة، التي أحبطت أيضاً نمو المراكز التقدمية.

وفي الفصل الرابع ينشغل المؤلف بتحليل قواعد البحث السياسي في مراكز الأبحاث والعلاقات المتداخلة بين الفضاءات الأربعة، الأكاديمية والسياسية والاقتصادية والإعلامية، وينتقد التصنيفات التقليدية لمراكز الأبحاث إما بوصف بعضها بأنه «جامعة بلا طلاب» أو بكون بعضها «مراكز دعائية»، ويرى أن هذه التصنيفات تفشل في تفسير التغير المستمر والتحولات التي تجتاح بعض مراكز الأبحاث، كما أن التهجين هو السمة الغالبة فيها، فالمكتب القومي للبحوث الاقتصادية NBER ليس مجرد مركز أبحاث أكاديمي بل هو أيضاً مركز أبحاث حكومي، وهذا التهجين سمة غالبة على المراكز الأخرى، بما يؤكد من قصور التصنيفات التقليدية الجامدة. ويتوصل إلى أن النموذج البديل لفهم قاعدة البحث السياسي يكمن في ضرورة أن تبرز مراكز الأبحاث استقلالها المعرفي، وتبعيتها أو اعتمادها على عملاء في مواردها والتعريف بها، وذلك من خلال عمل توازني معقد، وفهم هذا العمل التوازني هو الخطوة الأولى لفهم البحث السياسي بوصفه شكلاً مميزاً من أشكال الممارسة الفكرية.

وفي الفصل الخامس يعرض المؤلف نموذجاً تطبيقياً ويطبق نظريته عبر الرصد والتأريخ لدور مراكز الأبحاث في النقاشات العامة والمناظرات والاتجاهات السياسية حول سياسات مكافحة الفقر والرعاية الاجتماعية منذ نهاية الخمسينات وحتى صدور التشريع الإصلاحي الخاص بالرعاية الاجتماعية عام 1996م، وفي آخر الفصل يقدم النتائج التي توصل إليها بعد تحليل هذا النموذج، ويرى أن مراكز الأبحاث أعادت تنظيم الفضاء المؤسسي لإنتاج المعرفة واستهلاكها في الولايات المتحدة بطريقة منعت المتخصصين المستقلين في العلوم الاجتماعية من تشكيل أنفسهم كمشاركين فاعلين في الجدل السياسي، وبحلول التسعينات كان يمكن لأي سياسي شارك في معركة تعديل نظام الرعاية الاجتماعية أن يختار بحرية من مخزون لا ينفد من الحجج والإحصاءات ونقاط الحجاج لدعم موقفه السياسي، ويعود السبب الرئيس في ذلك لمراكز الأبحاث، والتي وفرت «سوقاً» لمشتري الخبرة والمعرفة.

وفي الفصل الأخير والخاتمة يستعرض المؤلف ثلاثة محاور تكميلية للنقاش، الأول عن معاداة الفكر النظري في الثقافة الأمريكية. والثاني عن مكانة من يسمى بـ«المفكر العام»، والجدل حول ما إذا كان مستوى الحياة الفكرية العامة في الولايات المتحدة قد هبط نتيجة زيادة التخصص والانعزال بين الباحثين. والثالث عن الجدل الدائر حول إمكانية ظهور «علم اجتماع عام». ثم يختم بخلاصة رئيسة تؤكد أن نمو مراكز الأبحاث خلال الأربعين سنة الماضية أدى دوراً محورياً في تقويض أهمية المعرفة العلمية المنتجة باستقلالية، وأثرت بصورة بالغة في قيمة المعرفة ذاتية التوجيه في الحياة العامة.

  مراكز الأبحاث خلال الأربعين سنة الماضية أدت دوراً محورياً في تقويض أهمية المعرفة العلمية المنتجة باستقلالية، وأثرت بصورة بالغة في قيمة المعرفة ذاتية التوجيه في الحياة العامة.