بذكر الصالحين ودراسة سير أبطال المسلمين تتنزل البركات، وتوقظ الهمم، ويزال الوهن. خاصة في هذا العصر التعيس البائس الذي دبَّ فيه اليأس والقنوط إلى النفوس بعدم نصر المسلمين لدين الله، وتشاغلهم عن ذروة سنام الإسلام وعزوفهم عنه، وهو الجهاد، بقسميه؛ جهاد الطلب والدفع في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، الذي لم يغفل عنه رسولهم منذ أن هاجر إلى المدينة وإلى أن توفاه مولاه. فقد غزا تسع عشرة غزوة، وأرسل نحو خمس وثلاثين سرية، وكان رزقه تحت ظل رمحه، ولهذا لقب بنبي الملحمة.

لا صلاح لآخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، كما قال الإمام مالك، وكان صلاح أولها بالاعتصام بالكتاب والسنة، وبرفع راية الجهاد، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

من هو عقبة بن نافع؟

هو عقبة بن نافع الفهري القرشي، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم تصح له صحبة، استشهد عام 63هـ، وعمره أربع وستون سنة.

قال عنه الذهبي: «كان نائب إفريقية لمعاوية وليزيد، وهو الذي أنشأ القيروان وأسكنها الناس. وكان ذا شجاعة وحزم وديانة، لم تصح له صحبة، شهد فتح مصر».

وكان رحمه الله مجاب الدعوة، قال الوافدي: جهزه معاوية على عشرة آلاف، فافتتح إفريقية. واختط قيروانها، وكان الموضع غيطة لا يرام من السباع والأفاعي. فدعا عليها، فلم يبق فيها شيء، وهربوا حتي إن الوحوش لتحمل أولادها. ونادى: إنّا نازلون فاظعنوا، فخرجن من جحورهن هوارب.

فتوحاته الأولى:

بدأ عقبة رحمه الله جهاده مع عمرو بن العاص رضي الله عنه في فتوح مصر، وقد اكتسب خبرة عسكرية عالية من عمرو بن العاص.

بعثه عمر إلى «زويلة»، وذلك في 21هـ، فأصبح ما بين «برقة» و«زويلة» من ليبيا سلماً للمسلمين.

وفي العام نفسه بعثه عمرو إلى بلاد النوبة فواجه المسلمون مع أهلها قتالاً شديداً، ولهذا يعتبر أول من مهد لفتح بلاد النوبة.

مغامراته في جوف الصحراء:

قال الليث بن سعد: «ثم خرج إلى المغرب بعد معاوية بن خديج، عقبة بن نافع سنة 46هـ». خاض عقبة الصحراء، وفتحها بلدة بلدة، بجيش قليل وعزم أكيد، فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.

خط مدينة القيروان:

من أعماله الجليلة، إنشاؤه مركزاً ومستقراً للمسلمين، بعد هذه الفتوحات المضنية، لا يشاركهم فيه غيرهم، فكانت القيروان المركز الذي يأمنه المسلمون، وينطلقون منه في أعمالهم الجهادية.

رحلته الجهادية المشهورة:

ختم عقبة رحلته الجهادية الميمونة، ومغامراته المباركة، برحلة قطع فيها ما يزيد على الألف ميل: من القيروان في تونس، إلى ساحل المحيط الأطلسي في المغرب، وكانت بداية هذه الانطلاقة سنة 62هـ.

وصيته لأولاده:

عندما عزم وصمم على هذه الرحلة الجهادية، مع جيشه الذي قدم به من الشام، وكان قوامه عشرة آلاف مجاهد، بجانب ما انضم إليهم من القيروان، دعا أولاده قبل سفره، وقال لهم: «يا بني أوصيكم بثلاث خصال، فاحفظوها ولا تضيعوها:

إياكم أن تملؤوا صدوركم بالشِّعر وتتركوا القرآن، فإن القرآن دليل على الله عز وجل. وخذوا من كلام العرب ما يهتدي به اللبيب، ويدلكم على مكارم الأخلاق، ثم انتهوا عما وراءه.

وأوصيكم ألا تستدينوا، ولو لبستم العباءة، فإن الدين ذل بالنهار وهمٌّ بالليل، فدعوه تسلم لكم أقداركم وأعراضكم، وتبقى لكم الحرمة في الناس ما بقيتم.

ولا تقبلوا العلم من المغرورين المرخِّصين، فيُجهِّلوكم دين الله، ويفرقوا بينكم وبين الله تعالى، ولا تأخذوا دينكم إلا من أهل الورع والاحتياط، فهو أسلم لكم، ومن احتاط سلم، ونجا في من نجا».

ثم قال: «عليكم سلام الله، وأراكم لا تروني بعد يومكم هذا.

ثم قال: «اللهم تقبل نفسي في رضاك، واجعل الجهاد درجتي ودار كرامتي عندك».

إن هذه الوصية النافعة لا تخرج إلا من قلب سليم موفق.

سار عقبة في جيش عظيم حتى انتهى إلى مدينة «باغية» لا يدافعه أحد، والروم يهربون من طريقه يميناً وشمالاً، فحاصرهم وقد اجتمعوا بها فقاتلهم قتالاً شديداً فانتصر عليهم، وغنم منهم مغانم كثيرة.

ثم رحل فنزل على «تلمسان» وهي من أعظم مدائنهم فانضم إليها من حولها من البربر والروم، فخرجوا إليه في جيش ضخم فنصره الله عليهم.

فسار بجيشه حتى وصل إلى بلاد «الزَّاب» فسأل عن أعظم مدائنهم فقيل له: «أَرَبَه» وهي دار ملكهم وكان حولها ثلاثمئة وستون قرية. فهزمهم وقتل كثيراً من فرسانهم.

ثم رحل إلى «تاهرت» فاستغاث الروم بالبربر فأجابوهم ونصروهم، وقام عقبة خطيباً في جيشه فقال بعد حمد الله والثناء عليه، محرضاً لهم على الجهاد وحاثاً لهم على الثبات: «أيها الناس إن أشرفكم وخياركم الذين رضي الله تعالى عنهم، وأنزل فيهم كتابه، بايعوا رسول الله بيعة الرضوان على من كفر بالله إلى يوم القيامة، وهم أشرافكم والسابقون منكم إلى البيعة، باعوا أنفسهم من ربِّ العالمين بجنته بيعة رابحة، وأنتم اليوم في دار غربة، وإنما بايعتم ربَّ العالمين وقد نظر إليكم في مكانكم هذا، ولم تبلغوا هذه البلاد إلا طلباً لرضاه، وإعزازاً لدينه، فأبشروا كلما كثُر العدد كان أخزى لهم وأذل إن شاء الله تعالى، وربكم عز وجل لا يسلمكم، فألقوهم بقلوب صادقة، فإن الله عز وجل جعلكم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، فقاتلوا عدوكم على دعوته، والله لا يرد بأسه عن القوم المجرمين».

فالتقى المسلمون بأعدائهم في «تاهرت»، وقاتلوهم قتالاً شديداً، واشتد الأمر على المسلمين ولكن انتصروا عليهم أخيراً وانهزم أعداؤهم من الروم والبربر.

وما زال عقبة يسير من نصر إلى نصر، برغم قوة أعدائه وكثرتهم حتى وصل إلى المحيط الأطلسي فقال: «يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك، ثم قال: اللهم اشهد أني قد بلغت الجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بالله حتى لا يعبد أحد من دونك».

ثم وقف ساعة، ثم قال لأصحابه: ارفعوا أيديكم، ففعلوا. فقال: اللهم إني لم أخرج بطراً ولا أشراً، وإنك لتعلم إنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين، وهو أن تُعْبد ولا يشرك بك شيئاً، اللهم إنا معاندون لدين الكفر، ومدافعون عن دين الإسلام، فكن لنا، ولا تكن علينا يا ذا الجلال والإكرام». ثم انصرف راجعاً.

كان قدوة وأسوة عقبة في رحلاته الجهادية القائد البطل خالد بن الوليد رضي الله عنه.

وكان من عادة عقبة أن يكون في مقدمة الجيش عند الغزو، ويكون في الساقة (المؤخرة) عند قفول الجيش.

استشهد عقبة ومن معه قريباً من القيروان، وهو قافل من المغرب الأقصى.

ألا رحم الله عقبة، وتقبل جهاده، ونسأل أن يخلف على المسلمين خيراً منه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين وأزكى الصلاة وأتم التسليم، على حبيبِ رب العالمين، محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه والتابعين.