إن أهمية الحديث عن التصورات في الإسلام في هذا العصر بالذات تكمن في جانبين، الأول: أن الأجيال الحالية عاشت وما زالت تعيش في ظل أنظمة لا تحتكم إلى الإسلام، وتتربى وتنشأ في ظل منظومات تربوية لا تعطي للإسلام صورته الحقيقية، كما أن أغلب التصورات التي يأخذها الشاب المسلم من المدرسة والثانوية والجامعة لا تخدم التصورات التي جاء بها الوحي، إنما تخدم تصورات غريبة عن هوية المسلمين، وثقافتهم وتاريخهم، ما يعني أن مخرجاتهم التي يتخرجون بها بعد خمس عشرة سنة من التعليم لا تعطيهم حصانة ثقافية وأخلاقية أولاً، وثانياً لا تجعل منهم نماذج صالحة للحياة والاستخلاف بالمعنى الذي أراده الإسلام. والجانب الثاني أن العلمانيين المهيمنين على المشهد التربوي والثقافي والسياسي خاصة يطعنون في تصورات الإسلام للحياة.

ما يجعل الحديث عن التصورات الإسلامية لمختلف شؤون الحياة ضرورة كبرى في ظل التحول الكبير الذي يعرفه الصراع بين الإسلام والأيدلوجيات الأخرى.

العقل ونظام التصورات:

يعمل الحاسوب من خلال برمجيات دقيقة، تخوله القيام بملايين العمليات في الثانية الواحدة، والأمر نفسه بالنسبة للعقل البشري، فهو مصمم للعمل وفق التصورات التي زرعت فيه، وكل تصرفات الإنسان هي في الأخير نتاج تصوراته عن الحياة ودوائرها الكبرى والصغرى، فالفرد الذي يقدس الوقت ويجتهد في استثماره يكون منطلقه في ذلك تصور صحيح لأهمية الوقت في الحياة ودوره في تحقيق المشاريع الحياتية، والفرد الذي لا يهتم بصحته أو لا يذهب إلى الطبيب في حال أصيب بمرض ما، يكون ذلك ناتجاً عن تصور خاطئ لقيمة الصحة في حياة الإنسان، والفرد الذي يتحمس للعمل الجماعي، ويسعى إلى العمل بروح الفريق، يكون حائزاً على تصورات تعي أهمية المصلحة العامة أمام المصلحة الخاصة، بينما تجد التصورات الخاطئة الضيقة لمفهوم التنافس هي السبب في تحول الفرد إلى الطغيان وتبني منهج الهدم داخل أي مشروع يوجد فيه، والشعوب التي تهتم بالمطالعة تكون مستندة في ذلك إلى تصورات فردية تواترت مخرجاتها حتى صارت تُكون تصوراً جمعياً للمجتمع، والعكس صحيح، بمعنى أن كل مواقف الإنسان ناتجة عن تصوراته، وأن الطابع العام لأي مجتمع هو نتاج تصورات جمعية تسكن الوعي المجتمعي، وهنا يمكن أن نضرب مثالاً واضحاً تعيشه مختلف الشعوب العربية، وهو قضية نظافة البيوت العربية مقابل غياب النظافة في الشوارع، القضية ترجع إلى امتلاك الفرد تصوراً خاطئاً عن حقيقة الشارع؛ لذلك كان إهماله نتيجة حتمية لهذا المفهوم.

تفكيك العقل من خلال ضرب التصورات:

من هنا ندرك خطورة التصورات، ونعي أيضاً خطورة الحرب التي تشن يومياً ضد العقل المسلم، عبر صواريخ الفكر الماسحة للتصورات السليمة، والتي تعمل مثل القنابل الفراغية، التي تشتهر بتفريغ موقع الانفجار ليحل محله ضغط رهيب يؤدي إلى دمار هو الأخطر في تاريخ الحروب العسكرية، الأمر نفسه يحدث مع القنابل الفراغية الفكرية، إنها تؤدي إلى تفكيك التصورات السليمة التي يمتلكها الفرد، ثم إحلال تصورات جديدة مكانها.

وقد أدرك خصوم الإسلام نجاعة هذه الخطة، حيث عملوا على تفريغ العقل المسلم من التصورات الصحيحة التي ينطلق منها في حياته، ويمكن تسمية هذه العملية بعملية التفكيك الممنهج، ليتم بعدها تركيب تصورات جديدة نحو مختلف القضايا والمسائل الحياتية، ولنضرب لذلك مثلاً: فبعد أن كان تصور المسلم للرجولة يعني الصرامة والانضباط والاستعداد لمشاق الحياة، تغيّر تصوره لها بشكل مخيف، وهذا ما يفسر مثلاً إقبال الشباب على التزين بالكيراتين وصبغ الشعر، ووضع الكريمات على الوجه، أو لبس ألبسة تتنافى مع الرجولة، المثال هنا يتحدث عن المظاهر، لكن البحث في ما وراء هذه السلوكيات هو الذي يكشف أسبابها، وهي التفكيك الممنهج للتصورات المختلفة، بدءاً من طريقة الحديث والكتابة، وصولاً إلى زعزعته في أسئلة الوجود.

وقد يرى البعض أن ذلك قد أصاب عقول العامة فقط، غير أن الواقع يثبت أن القنابل الفراغية الفكرية قد ضربت الجميع، بدليل تغيّر معاني الأخوة داخل الحقل العملي وصفوف المصلحين، حتى صار الانضباط يرفض مثلاً باسم رفض الأبوية، وصارت الصداقة تعني الارتباط بالشخص وفق قدرته على تحقيق المصالح وفق معيار «اخدمني أخدمك». والأمثلة كثيرة تفوق الحصر، فليتأملها من يريد التوسع أكثر.

هل يقبل الإسلام تصورات الآخر؟

قبل الجواب على هذا السؤال، تتداعى على العقل المسلم ضجة عجيبة هي: لماذا ترفضون الآخر؟ لا يمكن الإطالة في هذا الأمر لكن ليسأل المسلم نفسه لماذا يرفض العالم الغربي ارتفاع الأذان في سمائه؟ الجواب سهل ولا يحتاج كثير تأمل: لأنه يوحي لهم أن وجوده يغير تصور الغربي للحياة، ما يفسر حرصهم على حماية تصوراتهم الخاصة. إذن حماية التصورات في دنيا البشر أمر معقول.

الإسلام واضح في جوابه عن هذا السؤال: إنه لا يقبل وجود تصورات أخرى في حياة المسلمين، لسببين مهمين، هما:

الأول: أن الإسلام يملك تصورات واضحة ونهائية لكل قضايا الحياة، في مجال الإنسان، والكون، والمعتقدات، والمعاملات المختلفة، فتصوره مثلاً عن حقيقة الأسرة، وحقيقة الوجود، ودور الإنسان في الحياة، وتصوره لمسائل العدالة والحرية، والحقوق والواجبات.. تصورات ربانية المصدر، مثالية شاملة لكل تفاصيل الحياة؛ لذلك لا يحتاج المسلم إلى تصور جديد مثلاً في مجال الأحوال الشخصية فهي مسألة محسومة تصوراً.

الثاني: أن قبول الإسلام بتصورات أخرى يعني موافقته على وجود أيدلوجيات مناقضة للتصورات التي يمتلكها المسلمون، وهذا الأمر يؤدي إلى زعزعة المجتمع الإسلامي، وتفكيكه وانهياره، والواقع الحالي يعج بأمثلة لا حصر لها.

فمثلاً مسألة الحرية المطلقة مرفوضة في التصور الإسلامي؛ لأنها تتناقض مع قضايا كبرى كالاستقرار، والوحدة، ورفض الفوضى. والتصور الإسلامي لحرية المعتقد واضح، يحترم الأديان السماوية، يجيز التعامل معها، يجيز الزواج بين المسلم والنصرانية واليهودية، ولا يجبر غير المسلم على اعتناق الإسلام، لكنه يرفض الردة بشكل واضح، لا يفهمه من يقول ما ذنب من يعتنق غير الإسلام، وكيف يعتبر الإسلام المسلم المرتد مجرماً، وهل ذنبه أنه ولد مسلماً. الحقيقة أن هذه الاعتراضات لم تكن تُقال لو كان قائلها قد سبر أغوار المقاصد الكبرى للإسلام، بالتوازي مع معرفة حقيقة النفس البشرية المتمردة الرافضة للانضباط إذا ترك لها الحبل على الغارب، فالإسلام عندما يحسم أمر حرية المعتقد إنما يروم الحفاظ على استقرار المجتمع الإسلامي، والاستقرار أحد ركائز الحياة، وغيابه يعني انهياراً حاداً. وهذا معروف وتتقبله العقول السليمة.

وحتى نقارب هذا المفهوم بالواقع، نضرب مثالاً بالانضمام إلى جهاز الاستخبارات في كل دول العالم، فالفرد يبقى غير مسؤول أمام هذا الجهاز ما لم ينضم إليه، فإن انضم إليه طواعية، فإنه يعترف ابتداءً أن الخروج من الجهاز يعني الموت، لسبب واضح ومعقول: وهو أن الخروج يعني تسريب معلومات حساسة وخطيرة يؤدي تسربها للعدو إلى انهيار الأمن القومي للبلد، وليتخيل المرء جهازاً يعد العقل المفكر والمدبر لإستراتيجية الأمن، وصمام الاستقرار العسكري، ليتخيل أنه يبيح لأفراده الخروج من الخدمة والانضمام إلى جهاز بلد آخر معاد له، هذا يعني تعريض الأمن والسيادة إلى الخطر المحتوم، ما يجعل رفض الاستقالة والتوقف عن العمل أمراً معقولاً مشروعاً، لا يعترض عليه حتى أرباب المذاهب الليبرالية.

الأمر نفسه يقال في قضية الردة، فالإسلام ينظر إليها على أن السماح بوقوعها يعني تقويض استقرار المجتمع، وتفكيكه، وخلق طوائف، وبؤر صراع داخله، والإسلام ليس ديناً باهتاً حتى يتقبل هذا الأمر، لذلك يرفض هذا الأمر قطعاً، فمصلحة المجتمع تقتضي حماية عقيدته وفكره.

لهذا يجب أن يفهم العقل المسلم أن التصورات الإسلامية في القضايا الكبرى والحساسة، كالعقيدة والأخلاق والمعاملات والكون والحياة والإنسان والزمان والعلم والحريات والعدالة والقيم، إلخ، محسومة بل ويعتبرها نظاماً عاماً غير قابل للمساس، بينما يقبل الاستفادة طبعاً من الأمور التي تدخل في نطاق الوسائل، ولا يرفضها إطلاقاً.

وهنا نستذكر حادثة حدثت في العهد النبوي، تؤكد على صرامة الإسلام في الحفاظ على تصوراته للحياة، فعندما استعمل اليهود في المدينة لفظ «راعنا» بمعنى سيء، نزل الوحي يحذر وينهى عن استخدام هذا اللفظ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 104]، هذا هو موقف الإسلام مع كلمة واحدة، لذا فإن موقفه من التصورات المصادمة له بات واضحاً.

التصورات وعلاقتها بالهزيمة النفسية:

 لا يمكن هزيمة أمة تعتز بانتمائها، وتثق في ما تملكه من رصيد ثقافي وحضاري حتى وإن كانت ضعيفة عسكرياً، بالمقابل يمكن إلحاق الهزيمة بأي أمة تمكنت منها الروح الانهزامية، ما يدلل على أفضلية الحروب النفسية عبر التاريخ، والخنوع والركود الذي يعيشه المسلم اليوم في مواجهة خصومه يرجع إلى هزيمته نفسياً.

وقد كانت الطعون والاتهامات المتدفقة يومياً على عقل المسلم من الأسباب المباشرة في ذلك، ومن جملة طعون خصوم الإسلام في حقيقته: هدم تصوراته بعد تشويهها، وربط أي حادثة سلبية به مباشرة، بل وربط الظواهر السلبية به، كربط حالة التخلف بالإسلام صراحة، وأن أحكامه سبب الرجعية وعدم التقدم في المجالات المدنية، بل يعتبرونه أكبر عائق في طريق البناء الحضاري، وقد نجحوا في التشويش على الأجيال الحالية، خاصة عند عقدهم لمقارنات ماكرة، فيصورون الهند مثلاً كدولة متطورة مع وثنيتها، ويصورون المسلمين شعوباً بربرية همجية، إلى أن يصلوا بالعقل المسلم إلى حالة من الشك، متسائلاً عن حقيقة دور الدين في حياة المسلمين.

التصورات والحوارات الملغومة:

 إن المتابع للمنشورات التي تنشر في شبكات التواصل الاجتماعي يرصد كمّاً هائلاً من الصور التي تقف وراءها عادة مخابر غربية وحتى محلية، توجه العقل المسلم نحو تبني تصورات تعادي الإسلام، فعلى سبيل المثال: تنشر صور كثيرة تحمل مقولات تستهزئ بالمسلمين، ثم يكتب في أسفلها «يا أمة ضحكت من جهلها الأمم»، ثم يسوّقون بعد ذلك بعض الفتاوى والأحكام ليمعنوا في الاستهزاء بالإسلام، والهدف هنا هو: بث الهزيمة النفسية في المسلمين، وجعلهم يخجلون من الدفاع عن هويتهم الإسلامية؛ ولذلك تجد الكثير من الحوارات التي تجري بين من يناصر استئناف الحياة بالإسلام وبين من يريد العلمانية، تجد العلماني يقول للأول: إن الغرب قد وصل إلى القمر ولا يزال المسلمون يتحدثون عن التراث والماضي، والسيف والخيمة.

قد تبدو هذه الحوارات عادية، لكنها حوارات خطيرة، ومؤشر على الضعف المعنوي الذي أصاب المسلمين، بسبب التشويش الذي طال تصوراتهم، ولا يستغرب المرء اليوم أن يحاور مثقفاً مسلماً صاحب شهادات كثيرة ومن أرقى الجامعات الغربية، ثم يكتشف ضحالة تصوره عن الإسلام، وسطحية معلوماته عن حقيقة الرسالة الخاتمة، بل إن أسباب تغير الكثير من المهاجرين والمبتعثين ترجع في الأساس إلى انبهارهم بالآخر، وسبب ذلك غياب تصورات واضحة لدى المسلم عن الكون، والحياة، والإنسان، والعلاقة بين هذا الثلاثي.

كيف نحمي تصوراتنا:

لا يحتاج الجواب هنا إلى الذهاب بالفكر إلى آفاق بعيدة، بل كل ما في الأمر هو الإصرار على الحديث عن ثوابت الإسلام وقطعياته، والمتأمل في واقعنا يجدنا نجري وراء الصراع مع مخلفات العولمة - الأمركة - مطاردين كل ما ينتج عنها، والصحيح هو العودة إلى تحصين التصورات الإسلامية وحمايتها، عن طريق الحديث في الأركان والمقاصد الكبرى للإسلام والأخلاق والقيم في كل المجالات، وأهمها مجال التربية والتعليم؛ لأنه أساساً محور صراع التصورات.

 وليتيقن المسلم أن الإسلام لم ينتصر على كل المؤامرات التي حيكت ضده عبر خمسة عشر قرناً، إلا بالدوران حول أركانه ومبادئه وتصوراته للحياة والكون والإنسان.