لا شك أن الإعلام بوسائله المتعددة يؤثر تأثيراً كبيراً في تشكيل وتوظيف الرأي العام، فهو الذي يخلق الوعي لدى المجتمع بالأفكار ويروج لها من خلال ما ينقله من أخبار ومعلومات وبرامج تهدف إلى تكوين اتجاه معين لدى المشاهد والمتلقي. وفي العصر الحديث باتت وسائل الإعلام المرئية الأداة الرئيسة للوصول إلى جمهور المشاهدين، خاصة السينما التي تعد وسيلة جوهرية في الدعاية السياسية للدول وأجهزتها السياسية والأمنية.

وفي الولايات المتحدة تستخدم هذه الآلة الإعلامية في الترويج للسياسة الأمريكية عبر توجيهات وتدخلات ناعمة أحياناً وخشنة في أوقات أخرى من قبل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) والمخابرات الأمريكية CIA، وغيرهما من المؤسسات النافذة.

فالأفلام التي تنتجها هوليود تمتلك رواجاً كبيراً وقوة إقناع هائلة ليس داخل الولايات المتحدة فحسب، بل وفي أنحاء المعمورة، وهو الأمر الذي استثمرته الأجهزة والمؤسسات الأمريكية لبث وجهة نظرها وتوجيهاتها.

وفي هذا الصدد يقول هيربرت شيللر مؤلف كتاب «المتلاعبون بالعقول» إن «مهمة بعث الرسائل الموجهة أمر سهل، إذ يمضي الأمريكيون مئات الملايين من الساعات أسبوعياً ومليارات الساعات سنوياً أمام أجهزة التلفاز».

كيف يصنع البنتاغون إعلامه؟

ونحن بصدد الحديث عن البنتاغون وأذرعه الإعلامية، وتأثيرها العابر للحدود، سنجد أنه يتدخل بصور شتى في توجيه سينما هوليود لخدمة توجهاته وآرائه:

الصورة الأولى: التدخل بشكل خشن ومباشر، وتبدو جلية واضحة في عملية تقديم الأفلام العسكرية التي تعرض على شاشات السينما، والتي نجد فيها الجندي الأمريكي لا يهزم، والسلاح الأمريكي لا ينافسه سلاح آخر، والنصر حليفاً للولايات المتحدة في كل حرب تخوضها، وأمام أي عدو، حتى ولو كان غزواً فضائياً خارجياً!

وفي السنوات القليلة الماضية ظهرت عدة أفلام، من هذا القبيل، تمجد مهام الجيش الأمريكي، منها  فيلم «إسقاط الصقر الأسود» ويتحدث عن حروب الجيش الأمريكي في الصومال، وفيلم «الملوك الثلاثة» الذي يتناول حرب تحرير الكويت ودور الجيش الأمريكي فيها، وفيلم «احتلال أرض الأحلام» الذي يتناول الغزو الأمريكي للعراق.

الصورة الثانية: هي إحدى الصور الناعمة للتدخل في صناعة السينما من قبل البنتاغون، وتتمثل في التأثير على صناع الأفلام في هوليود من مخرجين ومنتجين وكتاب سيناريوهات.

وهؤلاء لا يجدون مفراً من إعادة صياغة النصوص والسيناريوهات بناء على توجيهات البنتاغون ليتمكنوا من الحصول على الموافقات اللوجستية العسكرية والتصوير في أماكن تواجد القوات الأمريكية.

يقول فيل ستروب، المسؤول في الجيش الأمريكي عن العلاقات مع هوليود لـ«فرانس برس»: «يأتي إلينا السينمائيون الذين يريدون أن ينفذوا فيلماً بميزانية معقولة، ليستفيدوا من رجالنا ومعداتنا... في المقابل لدينا القدرة على أن نؤثر في الصورة التي يظهر بها العسكريون».

الصورة الثالثة: وهي أخطر صور تدخلات البنتاغون، وتأتي في إطار صناعة الأكاذيب والحكايات الزائفة من قبل بعض الشركات والوكالات التي يستأجرها البنتاغون، وذلك بغية التأثير واستلاب عقلية المشاهد العربي المسلم.

وفي هذا الشأن، أشار تقرير «مكتب الصحافة الاستقصائية» البريطاني الصادر في الثاني من أكتوبر 2016م إلى أن البنتاغون أنفق نحو 540 مليون دولار بين عامي 2006 و 2011م في إطار حملة دعائية تستهدف تنظيم القاعدة في العراق، منوهاً إلى أن تلك الحملة تضمنت تصوير أفلام مزيفة كوسيلة دعائية سوداء ضد هذا التنظيم وغيره من فصائل المقاومة العراقية.

وفي إطار هذه الصفقة كلف البنتاغون وكالة الإعلان والعلاقات العامة البريطانية «بيل بوتينغر» Bell Pottinger بإنتاج برامج دعائية تستهدف تنظيم القاعدة في العراق.

وأفصح مارتن ويلز، أحد موظفي الوكالة البريطانية السابقين، عن تفاصيل تلك الصفقة في مقابلة مع «مكتب التحقيقات الصحفية»، حيث أوضح أن شركة الدعاية البريطانية أنتجت أفلاماً مزيفة على أنها تابعة لتنظيم القاعدة.

ويؤكد ويلز أن أهم جزء في هذا المشروع السري كان إنتاج تسجيلات مزورة لا تتجاوز مدتها 10 دقائق، ونسبتها لتنظيم القاعدة، بلغة العرب وموجهة إلى قنواتهم في المقام الأول، وهو الأمر الذي كان يتم بتوقيع قائد القوات الأمريكية في العراق آنذاك ديفيد بترايوس وأحياناً بعض مسئولي البيت الأبيض.

وإلى جانب الدعاية السلبية، عن عنف القاعدة الذي صنع في غرف البنتاغون المغلقة، كانت الأشرطة تحتوي على خاصية تتيح للبنتاغون معرفة المناطق التي شوهدت فيها بالضبط مما يمكنه من رصد أصداء دعايته السوداء وتأثيرها على الجمهور العربي.

وقد أفصح ويلز أن المحتوى الذي كان ينتجه للشركة ينقسم إلى ثلاثة أنواع: الأول، إعلانات متلفزة تصور عناصر القاعدة في صورة سلبية، والثاني، مقاطع إخبارية مفبركة تبدو وكأنها صناعة عربية، أما النوع الثالث فقد كان الأكثر سرية، حيث يعتمد على إنتاج أفلام دعاية مفبركة لتبدو وكأنها قادمة من القاعدة، وكانت الشركة تتلقى تعليمات محددة جداً من المسؤولين العسكريين الأمريكيين حول كيفية صنع تلك الفيديوهات.

واللافت هنا أنه لم يكن بإمكان الجهة المنفذة صناعة مواد موجهة إلى الإعلام الأمريكي لأن القانون هناك يحمي المواطنين من الدعاية الكاذبة للاستخبارات! ولكن محتوى هذه الأفلام الزائفة وصل إلى الأمريكيين وغيرهم، بصورة غير مباشرة، ورسم صورة موغلة في العنف والوحشية عن تنظيم تتخذ واشنطن من عدائه ذريعة لضرب أهداف مختلفة في أرجاء العالم العربي والإسلامي على وجه التحديد.

جملة من الأهداف والغايات:

هذه الصور الثلاث من صور استخدام البنتاغون لمنصة السينما الهوليودية تتضامن وتتشارك في صناعة وصياغة جملة من الأهداف والغايات التي تغياها وسعى إليها، وهي حينئذ تصب في مجرى التأثير على الجمهور العربي على وجه التحديد.

الهدف الأول للبنتاغون يتجلى في محاولة تشويه المفاهيم الإسلامية الراسخة، فالجهاد في سبيل الله وصد العدوان والاحتلال الغربي بات مرادفاً للإرهاب، بل واختزلوا الإسلام كدين في لفظة الإرهاب، حتى أصبح الحديث عن الإسلام في المحافل والمنتديات وعلى ألسنة الساسة قريناً للحديث عن الإرهاب والاعتداء والقتل وسفك الدماء.

وكان لتيارات الجهاد الشرعي النصيب الأكبر من حملات التشويه، إذ وصفت بالإرهاب والتطرف، وغير ذلك من الأوصاف، بهدف دمغ كل جهاد إسلامي بهذا الوصف، ومن ثم القضاء على ذلك المفهوم في تصورات وأذهان الشباب العربي المسلم.

يضاف إلى ذلك محاولة تبرير العمليات الأمريكية في كل من العراق وأفغانستان واليمن والصومال وغيرها من البلاد العربية، وإشاعة دعاية سوداء تمنع منظمات المقاومة الشرعية من القيام بعمليات تجنيد واسعة لمواجهة المحتل الأمريكي.

والهدف الثاني يكمن في محاولة إلحاق الهزيمة الحضارية والفكرية بالمشاهد العربي المسلم من خلال الأفلام التي تناولت قضية الإرهاب والتي دائماً ما كانت تشير فيها إلى أن الإرهابي هو عربي مسلم، في حين يظهر الأمريكي كشخص متحضر، لاسيما جنود الجيش الذين يظهرون وكأنهم النموذج المبهر في الشجاعة والشرف والالتزام!

فالأفلام التي يرعاها البنتاغون تُظهر العالم الخارجي المتدني (العالم الثالث)، الذي هو العالم العربي، وكأنه يفتقر إلى المعايير والقيم الأخلاقية العليا التي مصدرها الولايات المتحدة، وهذا العالم السفلي العربي هو المسؤول عن سائر الآثام والشرور التي أصابت الإنسانية، وعلى الولايات المتحدة التصدي له من خلال جيشها الذي لا يقهر أبداً!

وأخيراً نقول:

إن المعركة الحقيقية والفاصلة اليوم هي معركة الإعلام، الذي أصبح يوظف لأغراض سياسية وأيدلوجية خطيرة بهدف صناعة وتشكيل وعي الجمهور، وهو الأمر الذي نجد صداه في تزايد أعداد القنوات الفضائية الغربية الناطقة بالعربية في إطار ما يمكن وصفه بالموجة الجديدة للغزو الثقافي، والسيرك الإعلامي المنصوب حول عقل المشاهد العربي الذي بات مهدداً بتُـخمة من الفضائيات التي تنبُـت كل يوم من حوله وتحاصره أينما ذهب.

ومن ثم تبدو الحاجة الملحة لإستراتيجية عربية وإسلامية مضادة لهذا الغزو الإعلامي، خاصة مع التفوق الكبير للإعلام الغربي والأمريكي على وجه الخصوص.