من منا لم يسمع عن كندا وموقفها من اللاجئين، إنها كندا التي رحبت باللاجئين السوريين وفتحت لهم أبوابها حيث بلغ عددهم عشرات الآلاف، وما زالت الحكومة تسعى إلى استقدام المزيد منهم عن طريق برنامج اللجوء الحكومي، فأعطت الحكومة الكندية الحق لخمسة أشخاص كنديين على الأقل أو منظمة أو كنيسة فرصة كفالة عائلة أو أكثر لمدة عام، مقابل الالتزام القانوني بدفع مصاريف العيش والإقامة والمساعدة على التأقلم وإيجاد عمل، ومع زيادة الطلبات قررت الحكومة قبول ألف طلب في العام.

 لا شك أن كل قارئ سيقيم تلك المواقف بأنها قمة الإنسانية، لكن قبل الحكم لنرجع إلى التاريخ قليلاً، لنتأمل الموقف الكندي في التعامل مع سكان أرضها الأصليين وليس هذا تاريخاً ضارباً بجذوره في القدم بل هي أحداث وممارسات وقوانين كان يُعمل بها منذ أقل من قرنين، فقد سنت كندا في العالم عام 1867م قانوناً سُمي بقانون الهنود الحمر، وشرعت الحكومة في انتهاج سياسة الإدماج الإجباري لأطفال القبائل في المجتمع «المتحضر»، فأنشأت العشرات من المدارس الداخلية التي كان يُزج بصغار الهنود فيها بعد أخذهم عنوة من أهلهم، وظلت الانتهاكات تطال هؤلاء الأطفال الصغار، الذين منعوا من معرفة آبائهم وأسرهم، ويطالهم التعذيب إن تلفظ أحدهم بكلمة واحدة من لغته الأصلية، فكانوا يعذبون بالمنع من النوم والاستمرار في الوقوف طوال الليل، وتم إجبارهم على الذهاب إلى الكنيسة وتغيير دينهم، ناهيك عن التحرش الجنسي والضرب والمعاقبة بالمنع من الطعام لأدنى مخالفة للقوانين القاسية التي فرضت عليهم.

ظل هذا القانون سارياً إلى سبعينات القرن الماضي إلى أن تم إلغاؤه وقام رئيس وزراء كندا ستيفين هارفر بالاعتذار رسمياً للهنود الحمر بسبب قيام كندا بمحاولات لطمس هويتهم، وقال خلال حفل أقيم في العاصمة الكندية أوتاوا، وبحضور 200 طالب يمثلون الطلاب الذي اختطفوا من عائلاتهم: «إن حكومة كندا تعتذر عن ذلك بكل صدق وتطلب العفو من سكانها أبناء هذه البلاد على ما حصل لهم. ونعترف اليوم أن سياسة الإدماج كانت خاطئة وأدت إلى أضرار كثيرة».

مع ملاحظة مهمة أن هذه التجربة فشلت فشلاً ذريعاً ولم تنجح المدارس الداخلية في طمس هوية الأطفال، ربما هذا هو السبب وراء إلغائها والاعتذار عن مآسيها. وإن كان من استنتاج من تلك السردية التاريخية فهو لإيضاح كيف تعمل العقلية الغربية وهي القضية التي سنلقي عليها الضوء بشكل أكثر تفصيلاً في السطور التالية.

قوانين الاندماج الغربية

قبل القوانين، ما هو الاندماج؟ إلى ماذا يشير هذا المصطلح الفضفاض الذي برز أخيراً في الغرب؟ ما هي معاييره الذي تُفصل من أجلها القوانين؟ يقول الأستاذ عمر المرابط، الباحث بمدرسة الدراسات الاجتماعية العليا في باريس ونائب عمدة مدينة «أتيس مونس» الفرنسية: «ليس هناك تعريف متفق عليه بين علماء الاجتماع على الاندماج وماهيته»، ففي فرنسا مثلاً، يطلب من العرب والمسلمين أن يذوبوا بحضارتهم ولغتهم وثقافتهم ودينهم في الثقافة الفرنسية، ويجب على المسلم ألا يظهر أياً من خصال شخصيته العربية أو الإسلامية على اعتبار أن ذلك من «المحرمات». «إذا رفضت أن تأكل ما يأكله الفرنسيون والتزمت بنوعية معينة من الطعام تتماشى مع قيمك الدينية، فقد ينظر إليك على أنك غير مندمج بالشكل الكافي».

ويتحدث نائب عمدة مدينة «أتيس مونس» عن تجربته الشخصية في عالم السياسة قائلاً إن «عمدة المدينة تتلقى بشكل دوري رسائل تهديد وشتائم فقط لكوني أنا [ذو الأصول الإسلامية العربية] نائباً لها ويعتبرونني نقطة سوداء».

وفي سبيل ذلك سعى الغرب لجعل قضية الاندماج - وفقاً لمفهومه - نظاماً إلزامياً يطبق بقوة القانون، ففي كندا على سبيل المثال: بدأ سن ما يعرف بقوانين الاندماج والتي تفرض على المهاجر أو اللاجئ الانضمام إلى دورات الاندماج بشكل إجباري، ويتوجب على اللاجئ المتخرج من تلك الدورات أن يحصل على علامات متميزة في اللغة والثقافة، وإلا أُعطي مهلة قصيرة بعدها يعود من حيث جاء.

وفي ألمانيا كشفت وزيرة الدولة في الحكومة الألمانية عن نية الدولة التوجه لإجبار المهاجرين إليها بتوقيع اتفاق يفيد بإلزامهم بالاندماج في نسيج المجتمع المحلي بصورة أكثر مما هو متبع حتى الآن.

وفي النمسا صادقت الحكومة النمساوية على منع استخدام أي نسخ من القرآن الكريم غير النسخ المترجمة بالألمانية للقرآن. وحظر لبس النقاب وكل ما قد يحجب كامل الوجه بالأماكن العامة، وحددت عقوبات مالية يجبر المخالفون على دفعها. وتبنت النمسا هذا القرار الجديد، ضمن سلسلة قرارات تسعى من خلالها إلى دمج المهاجرين، تضمنت أيضاً فرض دروس اندماج مكثفة لمدة سنة كاملة تتعلق باللغة الألمانية وقيم المجتمع النمساوي على طالبي اللجوء.

ونقلت «دويتشه فيله» عن وزير الخارجية وشؤون الاندماج النمساوي «سيباستيان  كورتس» - 28 عاماً، وهو أكثر السياسيين شعبية في النمسا - قوله: «فقط بهذه الطريقة يمكن للمهاجرين أن يحظوا باحترام مجتمع الأغلبية»، وقال أيضاً: «نريد إسلاماً على الطريقة النمساوية.. وليس إسلاماً تهيمن عليه دول أجنبية».

وليست القوانين وحدها هي التي تقوم بدور محاكم التفتيش في أوربا، بل الكنائس والجمعيات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدني، بل وحتى المؤسسات الاقتصادية، فالمهاجر أو اللاجئ المسلم يصعب عليه أن يجد وظيفة لمجرد أن اسمه يفضح ديانته الإسلامية، وإن وجد عملاً حراً يصعب عليه أن يستمر به، بل حتى يصعب عليه العلاج فقد رفضت طبيبة أسنان ألمانية علاج مراهق مسلم لأن اسمه «جهاد»، كما ذكرت وسائل إعلام ألمانية أن لاجئاً عراقياً في مدينة ميونيخ أقدم على تغيير اسمه من «محمد» إلى «آري ديلمان». وأوضحت صحيفة «ويلت» أن محمد خضر محمد (38 عاماً) غير اسمه بسبب العوائق والمشاكل التي كان يتعرض لها بسبب الاسم، لذلك لم يكن من الغريب أن تنشر صحيفة «دويتشه فيلله» الألمانية تقريراً تشير فيه إلى أن أعداد المتنصرين من اللاجئين المعمَّدين في الكنائس الألمانية وحدها ازدادت من نحو 17 ألفاً إلى 178 ألفاً ثم 408 آلاف، وذلك من العام 2014 إلى العام 2015م.

لماذا يقبل الغرب المهاجرين المسلمين؟

السؤال الذي يطرح نفسه، ما دام الغرب يرى أن المهاجرين واللاجئين المسلمين يشكلون خطراً على هويته وتماسكه؟ ويسعى لدمجهم بوسائل قسرية في المجتمع؟ فلماذا إذن يقبلهم من البداية.. هل هي محض إنسانية وتمسك بمواثيق دولية؟ أم هناك ثمة أسباب أخرى؟

الأرقام تخبرنا الحقيقة، في أوربا بلغ عدد سكان مجمل الاتحاد الأوربي 508 ملايين مطلع العام 2015م. بزيادة قدرها 1.3 مليون نسمة عن العام 2014م، أي بنسبة 0.25%، وهذه النسبة ضئيلة بكافة المعايير.

المعلومة الأهم في هذه الإحصائية أن القسط الأكبر من تلك الزيادة وقدره 900 ألف نسمة يعود إلى عدد المهاجرين. بمعنى آخر أن الزيادة الحقيقية للأوربيين 400 ألف نسمة فقط، بل إن معظم دول أوربا يزيد فيها معدل الوفيات عن معدل المواليد ما يعني أن عدد السكان يتناقص، وهو ما يمثل أزمة اقتصادية خانقة لضعف وجود الأيدي العاملة، ووجود نسبة كبيرة من كبار السن الذين لا ينتجون، وهم في النهاية يحتاجون إلى الرعاية، ومن هنا توصف أوربا بالقارة العجوز.

ففي ألمانيا التي تمثل أكبر اقتصاد أوربي بلغت عدد الولادات 710 آلاف في العام 2014م، في حين وصلت وفياتهم إلى 870 ألف وفاة، أي إن عدد السكان يتناقص، ولولا المهاجرون لأصبحت هناك مشكلة كبرى في الاقتصاد الألماني، لذلك نجد أن ألمانيا من أكثر الدول الأوربية استقبالاً للاجئين.

وفي الطرف الآخر من العالم الغربي تأتي كندا، وهي ثاني أكبر دول العالم مساحة، وعدد سكانها بلغ في العام 2011م 35 مليون نسمة، لذا فهي أيضاً في حاجة ماسة للزيادة السكانية.

 لب القضية أن الغرب بحاجة حقيقية لأيدٍ عاملة، في حاجة إلى جرعة شبابية تحفظ عليه حضارته وتقدمه، وللأسف بالنسبة لهم، فإن المسلمين هم من يملكون تلك الطاقة الشبابية، لذلك من أجل موازنة المعادلة يسعون لاستقدام اللاجئين لحاجتهم لهم، وفي الوقت نفسه يسنون القوانين التي تسحب منهم هويتهم الثقافية والدينية وتصبغهم بصبغتها الغربية، وهو ما تم التعارف عليه في الآونة الأخيرة باسم قوانين الاندماج، والتي تتباين في قسوتها من دولة إلى أخرى، لكن ما من شك أنها تشترك في جذرها الثقافي على الأقل مع محاكم التفتيش التي سعت لطمس وجود المسلمين في أوربا بأبشع وأحط الوسائل التي من الممكن أن يتخيلها عقل إنسان. والتي لا داعي لضرب أمثلة عنها فهي أحقر من أن تذكر، لكنه التاريخ يعيد نفسه والفرق الوحيد أنه في القديم كانت الحرائق تطال أطراف بلاد المسلمين، بينما اليوم صارت تحت أقدامهم.