جاء في المعجم الوسيط:الصولجان: عصًا يحملها المَلِكُ، كرمز لسلطانه.

عندما يرزقنا الله تعالى بالأبناء فإنهم يولدون وهم لا يعلمون شيئاً من خبرات الحياة، فتتلقفهم يد الوالدين الحانية، ليستمدوا منهم كل معارفهم وخبراتهم؛ {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].

يولد الأبناء ولديهم مشاعر كاملة، ووعي وخبرات ناقصة تكتمل وتتنامى عبر مراحل نموهم الصاعدة، ومن خلال التجربة والصواب والخطأ وتوجيه الوالدين.

ولأن طريق التربية طويل ممتد؛ فإن ذلك يعني أن الوالدين يلزمهما كثير من الصبر والتحلي بالرفق في التعامل مع الأبناء حتى يعبروا هذه المراحل بسلام، فهل ينجحون جميعاً في التعامل بهذه الطريقة مع الأبناء؟

الرِفْقُ هو الفضيلة التي اختارها الله تعالى للمُرَبِّين:

الرفق هو الصفة اللازمة والأسلوب الناجح الذي قرره الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم  في التربية ولكل مربٍّ فيه أسوة حسنة، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْـمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، وهو الطريق التربوي المعتمد الذي وعد الله تعالى بالعون لمن يسلكه في بيته مع بنيه وأهله، مستهدياً باسمه سبحانه «الرفيق»، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  أَنَّه قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ»[1].

قال ابن القيم رحمه الله نظماً:

وهو الرفيق يحب أهل الرفق

يعطيهم بالرفق فوق أمان

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في شرحه لهذا البيت: «من أسمائه سبحانه: الرفيق، وهو مأخوذ من الرفق الذي هو التأني في الأمور والتدرج فيها، وضده العنف الذي هو الأخذ فيها بشدة واستعجال».

وقد كانت سيرته صلى الله عليه وسلم  في التربية وتصحيح الأخطاء، خاصةً مع الصغار، تبين هذا الرفق بجلاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسين بن علي - وكان صبياً - تمرة من تمر الصدقة؛ فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كخ، كخ. ارم بها أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟»[2].

فلم يضربه النبي صلى الله عليه وسلم  ولم ينهره، ولكن نبّهه إلى أن ما فعله سلوك مرفوض لا يصلح أنْ يصدر منه، مع الإلزام بترك التمرة في الموقف نفسه بل في اللحظة ذاتها، كل ذلك بلغة يفهمها طفل صغير جداً في الثالثة أو الرابعة وهو سنّ الحسين رضي الله عنه آنذاك.

ولكن لماذا يضيق صدر كثير من المربين عن الرفق بأبنائهم؟

غلبة العجلة وقلة الصبر عموماً على معظم البشر:

وذلك لأن العجلة من غرائز الإنسان الفطرية التي تدفعه دائماً إلى تحقيق رغباته والتعلق بتملكها دون أناة أو انتظار، ويشهد لهذا الدافع قوله تعالى: {خُلِقَ الإنسَانُ مِنْ عَجَلٍ}، [الأنبياء: 37] أي: ركب على العجلة فخلق عجولاً؛ فيستعجل كثيراً من الأشياء وإن كانت مضرة[3].

وقوله تعالى: {وَكَانَ الإنسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11]، أي: خُلِقَ عجولاً يبادر الأشياء ويستعجل وقوعها[4].

هذه العجلة تجعل المربي يستعجل النتائج، ويشكك في أن الرفق مُجدٍ مع الأبناء، فيعمد إلى سبيل العنف وعندئذ يخسر كثيراً.

ضعف الإرادة:

اللجوء إلى العنف مع الأبناء يعدُّ تعبيراً عن ضعف المربي وإفلاسه، فهو لا يملك من الوسائل والأساليب التربوية ما يمكنه من السيطرة على المواقف الضاغطة والمحرجة التي يتعرض لها المربي في مواجهة أخطاء أبنائه!

فإذا كانت التربية هي: «إنشاءُ الشيءِ حالاً فحالاً إلى حَدِّ التمام»، فإن ذلك يعني أنها مهمة صعبة وطويلة ومستمرة! يحتاج فيها المربي إلى كثير من أدوات العمل، في مقدمتها الصبر والرفق واعتماد سياسة العمل المتراكم مع النفس الطويل، حتى يصل بأبنائه إلى بر الأمان[5].

ضعف الجانب الإيماني لدى المربي:

قد يغفل المربي عن الدعاء في حين أن التربية عملٌ ليس بالهين، لأنه يهدف إلى التأثير الإيجابي في النفوس والقلوب، وصياغة العقول، وبناء الشخصيات؛ ولذلك كان من أهم الأعمال التي تحتاج إلى دعاء عريض، فلا يزال المربي معتصماً بالله تعالى متوكلاً عليه في أمر صلاح أبنائه، فذلك هو هدْي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى على لسان إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم: 40]، وهدْي المؤمنين من أتباع الأنبياء، كما جاء في صفة عباد الرحمن، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا} [الفرقان: 74].

  الخلط بين الرفق والتهاون في التربية:

يرفض بعض المربين أسلوب الرفق مع الأبناء ظناً منه أن ذلك ضعف ورخاوة قد تفسدهم وهذا فهمٌ خاطئ، فالرفق لا يعني ضعف المربي ورخاوته، بل يُقْصَدُ به لِينُ الجانب، ولَطافةُ الفعل، وحُسْن الصَّنيع[6]، مع الحفاظ على الحزم، ونعني به الإلزام بالصواب في التنفيذ والتطبيق، ولا بد له من الجمع بين الرفق كأسلوب أمثل في التربية، وبين الحزم كأسلوب ضروري لضبط وإحكام الجانب التطبيقي في العملية التربوية.

تراجع الثقافة التربوية لدى كثير من الآباء والأمهات:

كثير الآباء والأمهات لا يعرف حاجات الطفل، وما هي المراحل والأطوار التي يمر بها أثناء نموه، وأيها أهم، وكيف يواجه المؤثرات التربوية المضادة، وكيف يحمي أبناءه منها، في حين أن تسلح المربي بالثقافة التربوية ييسر عليه مهمته ويجعله أقرب إلى الرفق مع أبنائه، فمثلاً معرفة خصائص المراحل العمرية للأبناء تسهم بشكل كبير في ضبط ردود أفعال الوالدين تجاه الطفل إذا أخطأ أو تعثّر، كما يكسبهم الصبر على سلوكياتهم التي قد تكون مزعجة لأنهم قد عرفوا مسبقاً أنها من خصائص المرحلة التي يمرون بها.

فنجد المربي يتقبل من طفل العامين كثرة الحركة، والارتباط بصندوق اللعب وسكبه على أرضية الحجرة يومياً، بينما يستشرف لولده الذي بلغ الثالثة عشرة بكثير من الصبر والاحتواء والاستعداد للجدال والمناقشات الطويلة وتوقع التمرد على أوامر وتعليمات الوالدين، لأن هذه السلبيات متوقعة من الابن في مرحلة المراهقة.

التهوين من الأثر السلبي للعنف مع الأبناء:

تعتبر الإهانات اللفظية والشتائم والعزل والرفض والتهديد والإهمال العاطفي والاستصغار، جميعها من أشكال العنف التي قد تلحق الضرر بسلامة الطفل النفسية أو البدنية أو كلتيهما.

وقد أثبتت الدراسات أن الأسر التي تتعامل بالرفق هي الأكثر تماسكاً والأكثر جذباً للأبناء من تلك التي تعتمد أساليب عنيفة متسلطة في التعامل معهم.

كيف يجمع المربي بين الرفق والحزم؟

 عن عمر بن أبي سَلَمة، ربيب النبي صلى الله عليه وسلم  - أي الذي تربى في حجره - يقول: «كنت غلاماً في حِجْر رسول الله، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله: (يا غلام سَمِّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك. فما زالت تلك طعمتي بعد)» (رواه البخاري).

ففي هذا الحديث تتجلى فضيلة الرفق في التوجيه، وما يثمره من نتائج سريعة وطويلة المدى، كما تتضح فيه أهمية أن يجمع المربي بين الحزم في معالجة الأخطاء وعدم التقاعس عن ذلك، وبين الرفق في الأسلوب الذي تتم به المعالجة.

ففيه من الرفق:

أن النبي صلى الله عليه وسلم ، تحبب إلى الغلام في النداء الذي يحصل به الانتباه لما سيقوله من توجيه فقال: يا غلام!

لم يضرب الغلام ولم يعنفه أو يخلع عليه وصفاً أو تشبيهاً قبيحاً عندما أساء.

لم يكرر الخطأ لفظاً أو يحكيه ويجسده أمام الغلام، ولكنه ألقى إليه مباشرة الأصول السليمة، ليتعلمها ويفهم أن ما كان يفعله خطأ.

وفيه من الحزم:

أن النبي صلى الله عليه وسلم  عالج الخطأ السلوكي فوراً بمجرد رؤيته له، فالتقاعس وتجاهل أخطاء الأبناء والتراخي في علاجها، يحولها بالضرورة إلى عادة يصعب علاجها فيما بعد.

عدم الاكتفاء بالتلقين النظري للأبناء حتى يقترن بالتطبيق العملي.

أن النبي صلى الله عليه وسلم  علّم الغلام السلوك الصحيح بلغة وألفاظ حازمة، حيث تتابع الجمل، ووضوحها، واستخدام أفعال الأمر.

ثم دلّ قول عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه: «فما زالت تلك طُعمَتي بعد» على نجاح هذا الأسلوب وفاعليته وقوة تأثيره في المتربي حتى صار الفعل الصواب عادة له طوال حياته

وأخيراً.. عزيزي المربي:

لنرفق بالقوارير من بناتنا مربيات الأجيال، ولنرفق بالبنين من أبنائنا صناع المجد بإذن الله؛ فإننا بالتزام الرفق معهم نصل - بتوفيق الله تعالى - إلى ما لا نستطيع أن نصل إليه بالشدة والعنف.

وسيبقى المربي الرفيق فقط هو من يستطيع أن يستوعب أخطاء أبنائه بصبر وحب وتصميم على تعديلها، آخذاً بأيديهم إلى سبل الخير والرشاد.

وعندئذ سيظل ملكاً متوجاً على قلوب أبنائه وبيده صولجان الرفق: هداية الله تعالى للمربين!


 


[1] رواه مسلم واللفظ له، والترمذي وأحمد.

[2] رواه البخاري في كتاب الزكاة، رقم: 1420.

[3] الإمام القرطبي: التفسير الجامع للقرآن الكريم: ج11 ص197، سورة الأنبياء: 37.

[4] الشيخ السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام الرحمن، ص495.

[5] د. عماد عبد السميع: العجلة والأناة، ص24.

[6] معجم الفروق اللغوية.