قبل أن تأتي للدنيا، وقبل أن تدرك وجودك، وقبل أن يدركه النـاس، وقبل أي لون من ألوان الإدراك بهذا المجيء؛ كانت مخلوقات الله سبحانه وتعالى موجودة، وهي مخلوقات لا يحصيها غيره عز وجل، منها الجماد، ومنها ما تسري فيه الحياة!

من هذه الجمادات كوكب الأرض، وحجمك بالنسبة للأرض أقل من قطرة في محيط، أو ذرة رمل في الصحراء، والأرض والشمس والقمر كلها كائنات جبارة ضخمة، فلماذا خلقها الله؟

كل هذه المخلوقات الجامدة والحية على السواء خلقها الله تعالى وسخرها لخدمتك! فإذا كان كل هذا الكون مسخر لك أنت! وكل هذه النعم أنعم الله بها عليك قبل أن يوجدك في الدنيا! فتذكر أن إحسان الله إليك سابق لوجودك!

ونعمة الوجود مقترنة بنعم جليلة لا يحصيها غيره عز وجل، فالله تعالى خلقك إنساناً! ولم يخلقك جماداً مقطوع الإحساس؛ يحس بك الآخرون ولا تحس بهم!

ثم بعد إرادته لخلقك كائناً حياً ليس جماداً يابساً؛ كانت نعمته الجديدة عليك باختيار النوع الذي يخلقك في مسلاخه! فانظر أي نوع من الكائنات الحية خلقك الله سبحانه وتعالى! فلم يشأ أن تكون نباتاً يُقْتَاتُ عليه، أو حيواناً يُرْكَب، ثم يُذْبَح، ويُؤكل لحمه، ويُلْبس وبره!

فالله سبحانه وتعالى خلقك في أحسن في أحسن تقويم خلق عليه المخلوقات؛ وصدق تعالى إذ يقول: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: ٤].

فكانت إرادةُ الله بخلقك إنسان نعمةً تسبق وجودك، وكذلك تفضيله لك على كثير من خلقه نعمة سبقت وجودك في الدنيا، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70].

وعندما أراد الله تعالى خلقك أيها الإنسان كان من الممكن أن يقول كن فتكون! وصدق الله إذ يقول: {إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل: 40]، ولكنه لم يفعل ذلك؛ بل أراد تشريفك بالشرف الذي لا شرف بعده بخلقك بيديه الشريفتين جل وعلا، وصدق الله إذ يقول: {قَالَ يَا إبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِـمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75].

ليس هذا فقط، بل علَّمك اللهُ ما لم يعلِّمه للملائكة الكرام، يقول تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْـمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ 31 قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْـحَكِيمُ 32 قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 31 - 33]. فتعليم الله لآدم ولذريته من بعده تشريف إلهي ونعمة ربانية سابقة لوجودك!

ليس هذا فقط، بل أسجد أشرف خلقه من الملائكة النورانيين المطهرين لك وأنت في ظهر أبيك آدم! وياله من شرف عظيم!

وعندما ينعم الله على الإنسان بنعمة الوجود، وتأتي لحظة مجيئه إلى الدنيا؛ فإن مليارات من الأطفال لا يحصيهم إلا الله تعالى يجد كلٌ منهم أبوين ينتزعانه من طهر الفطرة الإلهية التي خلقه الله سبحانه فيها إلى وحل الديانات البشرية التي اخترعها الإنسان بظلمه وجهله وغشمه! جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاء، هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ [أي: مقطوعة الأذن]، حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟ [تقطعون أذنها]». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30][1]، ولكن الله تعالى بواسع رحمته لم يخلق لك أبوين كافرين يطمسان في قلبك الفطرة الإلهية بسواد الديانات الشيطانية!  بل أنعم عليك بنعمة هي أعظم من كل النعم السابقة، إذ نعم الله مع كثرتها ليس فيها ولا منها نعمة أعظم من اختياره لك خير الملل ملة وهي ملة الإسلام! وهي نعمة إلهية انتظرتك لحظة مجيئك للدنيا.

ليس هذا فقط، فمن بين المنتسبين للإسلام ومن يدَّعون الانتماء إليه فئةٌ ضالة تسب الصحابة رضي الله عنهم وهي فرقة الرافضة! وفرقة زائغة ثانية تدَّعي الإسلام وهي تنكر السنة! وثالثة ترفض تحكيم شريعته المطهرة! وهكذا مئات؛ بل ألوف الفرق الضالة، والنِّحل الزائغة التي تدَّعي الإسلام والإسلام منها بريء؛ ولكنَّ اللهَ سبحانه لم يجعلك من أتباع أيٍ من هذه الفرق الضالة، فإنقاذ الله لك، وهدايته إياك إلى خير النِّحل وهي نحلة أهل السنَّة والجماعة أعظم نعمة لله سبحانه عليك بعد نعمة الإسلام.

ليس هذا فقط، فلدين الإسلام كتب سماوية كثيرة، ولكنَّه تعالى اختار لك خير كتبه وأفضلها وهو القرآن الكريم، ولدين الإسلام أنبياء كثر، ولكنَّه سبحانه اختار لك خير الأنبياء وأفضلهم وهو خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم. والأمم الإسلامية أمم كثيرة، ولكنَّه سبحانه أنعم عليك إذ جعلك من خير الأمم، الأمة المحمدية الوسطية والتي رفع عنها الأغلال.

ولله في أرضه بيوت كثيرة، ولكنَّه عز وجل أنعم عليك إذ جعل خير بيوته في الأرض قبلة لك.

ولخلق الله في أرضه ألسنة متنوعة، ولغات مختلفة، ولكنَّه تعالى أنعم عليك إذ جعل خير الألسن لساناً لك، وهو اللسان العربي.

والآن تأمل معي هذا الموقف الخالد جيداً:

كان النبي صلى الله عليه وسلم راكباً ناقته القصواء متجهاً لمكة المكرمة، فوقفت الناقة مكانها وأبت السير باتجاه مكة، وهذا عيب في الإبل أن ترفض السير وتقف مكانها. فعندما وقفت القصواء مكانها قال الصحابة رضي الله عنهم: «خلأت القصواء» وهذا ذم لها لأنها ليست سلسة في القيادة مع صاحبها. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من اتهام الصحابة للناقة، وقال مدافعاً عن ناقته الوفية السلسة الأديبة الذلول: «مَا خَلَأَتْ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ»[2]!

سبحان الله! النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يحكم على موقف الناقة من خلال حسن خلقها معه في السابق! فالذي رآه صلى الله عليه وسلم من النَّاقة فيما مضى يجعله مطمئناً من النَّاقة فيما يأتي، ويدفعه لحسن ظنِّه بها فيما يظنه الآخرون خطأً.

ولله المثل الأعلى!

إن ما رأيناه من الله عز وجل فيما مضى من سعة رحمته بنا، ولطف حنانه علينا، وعظيم كرمه علينا، وكثرة نعمه، وجليل مننه، ويده السحاحة المبسوطة علينا بالعطايا الدينية والدنيوية ليل نهار؛ يدفعنا أن نحسن الظن به سبحانه وتعالى فيما هو آت.

فإذا أصابك بلاء معجز، وجاءك خبر مُذْهل، ونزلت بك مصيبة عمياء، وحلت بك داهية دهياء فتذكر أن الذي أنعم عليك قبل مجيئك للدنيا وتفضل عليك وخلقك بيديه الكريمتين، وعلمك الأسماء التي لم يعلمها للملائكة، وأسجد ملائكته لأبيك، وخلق لك الأرض، وهيأها لتعيش فيها مُنَعَّماً مخدوماً بما عليها من أنهار، ومحيطات، وجبال، ونبات، وحيوان، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله، ثم أنعم عليك بنعمة الوجود من العدم، ثم سخر لك أبوين مسلمين يستقبلانِك بحمد الله، والتهليل، والذكر، وصالح الأعمال، ثم اصطفاك بخير الملل، وخير النِّحل، وخير كتبه، وخير رسله، وجعلك منتسباً لخير الأمم، ورزقك خير بيوته في الأرض، وخير لسان؛ كن واثقاً أنَّ الذي أنعم عليك قبل خلقك، ثم أنعم عليك بعد خلقك؛ أنه يحبك ويرحمك ويبرُّك ويعطف عليك ويشفق على حالك ويحنو عليك!

في أشد اللحظات كن واثقاً مطمئناً! كن واثقاً أنه منان يتم الخير الذي يبتدئه، كريم يزيد عطاؤه ولا ينقص أبداً، يهذبك لا يعذبك، يقومك لا يقصمك!

شيءٌ ألقاه الله عز وجل في قلبي بواسع رحمته في محنتي فسكن له فؤادي، واطمأنت به نفسي، وأذهب الله به عني الروع برحمته فأهديته لكم!

 


 


[1] صَحِيْحٌ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (7181)، وَالْبُخَارِيُّ (6599)، وَمُسْلِمٌ (2658).

[2] صَحِيحٌ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (18909)، والبُخَارِيُّ (2731).