عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا عِندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقال: «أخبِروني بشجرةٍ تُشبِهُ، أو: كالرجلِ المسلمِ، لا يَتَحاتُّ ورقُها، ولا ولا ولا، تؤتي أُكُلَّها كلَّ حينٍ». قال ابنُ عُمَرَ: فوقَع في نفسي أنها النخلةُ، ورأيتُ أبا بكرٍ وعُمَرَ لا يتكَلَّمانِ، فكَرِهتُ أن أتكَلَّمَ، فلما لم يقولوا شيئاً، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «هي النخلةُ». فلما قُمْنا قلتُ لعُمَرَ: يا أبَتاه، واللهِ لقد وقَع في نفسي أنها النخلةُ، فقال: ما منَعك أن تَكَلَّمَ؟ قال: لم أرَكم تَكَلَّمونَ، فكَرِهتُ أن أتكَلَّمَ أو أقولَ شيئاً، قال عُمَرُ: لَأن تَكونَ قلتَها، أحَبُّ إليَّ من كذا وكذا.

وهناك حديث آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «مثل المؤمن مثل النخلة ما أخذت منها من شيء نفعك»، رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

وضرب الأمثال يساعد على تيسير المعاني للأذهان، وهو كثير في القرآن والسنة.

 

وقد ضرب المثل بالنخلة في القرآن أيضاً، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ 24 تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 24، 25]، فسر ابن مسعود وأنس وغير واحد الشجرة الطيبة بالنخلة.

وإذا تأمل المرء النخلة وجد تشابهاً كبيراً بينها وبين المؤمن. وقد عقد ابن القيم رحمه الله في كتابه مفتاح دار السعادة فصلاً بين فيه وجه شببها بالمؤمن، فقال: «اشْتَدَّ شبهها من بَين سَائِر الأشجار بالإنسان - خُصُوصاً بِالْمُؤمنِ - كَمَا مثله النَّبِي صلى الله عليه وسلم  وَذَلِكَ من وُجُوه كَثِيرَة، منها:

أحدها: ثبات أصلها في الأرض واستقراره فيها، وليست بمنزلة الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

الثاني: طيب ثمرتها وحلاوتها وعموم المنفعة بها، كذلك المؤمن طيب الكلام، طيب العمل، فيه المنفعة لنفسه ولغيره.

الثالث: دوام لباسها وزينتها؛ فلا يسقط عنها صيفاً ولا شتاء، كذلك المؤمن لا يزول عنه لباس التقوى وزينتها حتى يوافي ربه تعالى.

الرابع: سهولة تناول ثمرتها وتيسره، أما قصيرها فلا يحوج المتناول أن يرقاها، وأما باسقها فصعوده سهل بالنسبة إلى صعود الشجر الطوال وغيرها؛ فتراها كأنها قد هيئت منها المراقي والدرج إلى أعلاها، وكذلك المؤمن خيره سهل قريب لمن رام تناوله، لا بالغر ولا باللئيم.

الخامس: أن ثمرتها من أنفع ثمار العالم؛ فإنه يؤكل رطبه فاكهة وحلاوة، ويابسه يكون قوتاً وأدماً وفاكهة، ويتخذ منه الخل والناطف والحلوى، ويدخل في الأدوية والأشربة، وعموم المنفعة به وبالعنب فوق كل الثمار»[1].

إن المؤمن يجب أن يكون نافعاً على أي حال كان، كالنخلة نافعة في كل أحوالها، لا يرمى منها شيء لا منفعة فيه، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن نافعاً في مجتمعه نافعاً لأمته، في كل أحواله لا في حال معينة أو مسألة واحدة؛ ينفع إن تكلم، وينفع إن سكت، ينفع إن قام، وينفع إن قعد، ينفع إن نام أو استيقظ.

وأذكر حقيقة عن أحد إخواننا - ولا أزكيه على الله - من خير طلاب العلم سافرت وإياه عدة أيام داخل المملكة للدعوة إلى الله وذلك قبل قرابة 25 عاماً.

كان هذا الرجل من أقل الناس كلاماً وكان أعجوبة مع أنه يعتبر من جيل طلابنا، كان نموذجاً وقدوة لنا جميعاً؛ إن تكلمنا أو وقعنا في خطأ نبهنا بأسلوب حكيم جداً، إن أكل رأينا التزامه بالسنة، إن نام رأينا طريقة اضطجاعه اقتداءً بالسنة على جنبه الأيمن.

يستغل أيّ مجلس في الحديث النافع مع أنه لم يكن من أعلمنا لكن لعله ولا أزكيه على الله كان أتقى الموجودين.

والشاهد أنه كان قدوة في تصرفاته كلها، أذكر أنه قد أصيب أحد الأبناء الذين معنا بحالة ربو شديدة، وكان يصعب أن نذهب به إلى المستشفى. فأراد أبو الولد أن يتجشم مشقة الذهاب به سريعاً، فقال له: لا تذهب. دعونا نرقيه وهو يرقي نفسه. فبدأ بهم واحداً واحداً وقال لا يتخلف منكم أحد. وفعلاً بدؤوا يرقونه وهو دخل مع المجموعة يرقيه حتى قال لهذا الابن ارقِ نفسك.. وما أن انتهى من الرقية إلا ويرتفع المرض عن الولد ويبقى خمسة أيام لم يحتج إلى مراجعة المستشفى.

قد يقول قائل ما الجديد في هذا؟ أقول مراعاته للخفاء وأمر القلب فلم يرد أن يرقيه وحده فيقال فلان رقاه فشفي، أراد أن يرقيه الجميع حتى لا يعلم بأي نفثٍ عوفي، وهذا ضرب من الورع الذي قل من يلحظه.

والمقصود أن الأمة تحتاج إلى هذا النموذج الإيجابي الخفي التقي. فكل واحد منا يستطيع أن يخدم أمته لو لم يبقَ معه إلا لسانه.

وأعرف بعضهم أصيب بشلل رباعي وهو من طلابي في كلية أصول الدعوة، أعرفه قبل أن يدخل الجامعة، وبعد أن تخرج من الجامعة لا يتحرك فيه إلا رأسه فقط، ومع ذلك أعرفه بطلب العلم، وقد تخرج من الجامعة بتخصص شرعي بتقدير عالٍ، ويحفظ كتاب الله جل وعلا.

لم أره إلا ومعه كتاب مع أنه لا يتحرك إلا رأسه! يحضر الدروس عند المشايخ ويلقي بعض الكلمات، بل إنه كان في الدار المتخصصة لأمثاله يؤمهم ويصلي بهم.

كان هذا الرجل الذي لا يتحرك فيه إلا رأسه وبقية أعضائه لا تتحرك، يذهب يميناً وشمالاً في سبيل الله، بل استشارني هل يواصل الدراسات العليا أم لا؟!

وهكذا يكون المؤمن كالنخلة التي فيها هذه الثمار وهذا الخير، لا تخلو حالة من حالاتها من نفع. حتى إذا انقطع ثمرها بقي نفعها؛ يستفاد من جذعها، ومن أعسابها، وأليافها، وكل شيء فيها.

وقلبها - نحن نسميه الجمارة - من أفضل القلوب نقاءً ولذةً وطعماً وبياضاً. وهكذا ينبغي أن يكون قلب المؤمن!

وختاماً: لا يفوتنا أن نشير إلى أدب ابن عمر رضي الله عنهما عندما صمت الصحابة بل بعضهم بدأ يتحدث في أشجار البراري ويقترح أشجاراً لم يردها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو مع ذلك ساكت مع علمه، لم يتعجل بالجواب بل كان في غاية الأدب احتراماً لأبيه ولأبي بكر رضي الله عنهما ينظر إلى سنهما وعلمهما. وفي هذا من الدروس والفوائد التي ينبغي أن يستفيد منها أبناؤنا، وفيه كذلك درس للمستطيلين بالتخطئة على الأكابر، المتشرفين للتصدر في المجالس! ودرس آخر لمحبي الجدل وإبداء الرأي في كل صغيرة وكبيرة، والله المستعان، وإياه أسأل أن يجعلنا وإياكم مباركين وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 


 

 


[1] مفتاح دار السعادة 1/230-231.