كثير من الناس يدعي الوسطية ولا يعني بها سوى التساهل والترخص وترك العزيمة في الأمر واختيار ما يتماشى مع رغبات العوام، برغم أن كلمة الوسط التي تنسب لها الوسطية هي لفظة قرآنية جاءت في العديد من الآيات التي تدل على أن القرآن يصدق بعضه بعضاً وأنه من عند الله، ولو كان الأمر على النقيض من ذلك لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] أي عدولاً، ونظيره في سورتي نون والقلم قوله سبحانه وتعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} يعني أعدلهم، وقوله سبحانه وتعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89] يعني أعدل، فقول الله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} يعني أمة محمد تشهد بالعدل في الآخرة بين الأنبياء وأممهم، {لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] يعني على الرسل هل بلغت الرسالة عن ربها إلى أممهم، ويكون الرسول محمد صلى الله عليه وسلم  عليكم شهيداً يعني على أمته أنه بلغهم الرسالة، وقال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري: «يعني جل ثناؤه بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}: كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه والسلام وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل، كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان، بأن جعلناكم أمة وسطاً وقد بينا أن الأمة هي القرن من الناس والصنف منهم وغيرهم، وأما الوسط فإنه في كلام العرب الخيار. يقال: فلان وسط الحسب في قومه. أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، وهو وسط في قومه، وواسط»[1].

وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يدعى بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول: نعم. فيقال لقومه: هل بلغكم؟ فيقولوا: ما جاءنا ممن نذير! فيقال له: من يعلم ذاك؟ فيقول: محمد وأمته. فهو قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً} [البقرة: 143]»، وعن السدي: {فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] قال: «إن النبيين يأتون يوم القيامة، منهم من أسلم معه من قومه الواحد والاثنان والعشرة وأقل وأكثر من ذلك، حتى يؤتى بقوم لوط لم يؤمن معه إلا ابنتاه، فيقال لهم: هل بلغتم ما أرسلتم به؟ فيقولون: نعم، فيقال: من يشهد؟ فيقولون أمة محمد، فيقال لهم: أتشهدون أن الرسل أودعوا عندكم شهادة، فبم تشهدون؟ فيقولون: ربنا نشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا بالتبليغ. فيقال: من يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد. فيدعى محمد عليه الصلاة والسلام فيشهد أن أمته قد صدقوا وأن الرسل قد بلغوا. فذلك قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}»، فالوسط الشهادة على الواقع بالحق المعلوم بغير تحريف أو تزوير، وقد جاء لفظ الوسط في كتاب الله في مواضع متعددة مراداً به العدول الخيار، ومن ذلك الشهادة بالحق، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد رحمه الله وغيرهما من أهل التفسير في قوله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28] يقول: أعدلهم.

وقد روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. قال: فذلك قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}، قال: الوسط: العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم».

قال ابن كثير في تفسيره: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه، فيقال لهم هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال له من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فيدعى بمحمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا» فذلك قوله: {كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قال: «عدلاً، لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً».

تبين من كل ما أوردنا ومثله كثير في التفسير أمران:

الأول: أن «الوسط» والوسطية يراد بهما الخيار العدول الذين يشهدون بالحق في كل موطن للشهادة والأخذ بالعزائم وترك الترخص.

الثاني: أنه لا علاقة للفظ «الوسط» بما يروجه العوام أن الوسط والوسطية يعنيان التساهل والترخص وترك الأخذ بعزائم الأمور، حتى يقول بعضهم بالعامية الدارجة: «خليك وسطي»؛ فإن الوسطية حقاً الشهادة بالحق والأخذ بعزائم الأمور.


 


[1] جامع البيان للطبري 3/141.