قد حدثتنا سورة الإسراء أن الله سبحانه وتعالى قضى على بني إسرائيل أن سيفسدوا في الأرض مرتين، وأنه سيسلط عليهم عقب كل إفساد من يسومهم سوء العذاب؛ فقال تعالى: {وَقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا 4 فَإذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا 5 ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا 6 إنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْـمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا 7 عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} [الإسراء: ٤ - ٨].

وقد تحدث المفسرون عن مرتي إفساد بني إسرائيل اللتين أخبر الله بهما في هذه الآيات، وعن القوم الأشداء المسلطين عليهم في كل مرة، فانعقد إجماع غير أهل هذا العصر منهم على مضي الإفسادين والعقابين معاً في أزمنة ما قبل الإسلام من تاريخ بني إسرائيل، ثم اختلفوا في تعيين مرتي إفساد بني إسرائيل، وتحديد المعنيين بالقوم أولي البأس الشديد، الذين سلطوا عليهم في المرتين، وليس إيراد ما قالوه في هذا الشأن وتتبع آرائهم يخدم الغرض من هذه المقالة، وقد قام بذلك غير واحد؛ كما فعل شيخ الأزهر السابق محمد طنطاوي، في بحثه حول بني إسرائيل في القرآن والسنة؛ حيث استقصى أقوال المفسرين في الموضوع، وخلص إلى أن «الذي يراجع ما كتبه المفسرون عن هذه الآيات الكريمة، يجد أنهم متفقون على أمرين:

 الأول: أن مرتي إفساد بني إسرائيل في الأرض كانتا قبل الإسلام. الثاني: أن العباد الذين سلطهم الله عليهم ليذلوهم عقب إفسادهم الأول والثاني كانوا أيضاً قبل الإسلام، وخلاف المفسرين إنما هو فيما سوى هذين الأمرين»[1].

ويقصد بما سوى الأمرين المذكورين ما ذكرته من تعيين مرتي إفساد بني إسرائيل، وتحديد المعنيين بالقوم الذين سلطوا عليهم عقب كل منهما، وقد استقصى آراء المفسرين في ذلك وأدلتهم، ثم رجح «أن العباد الذين سلطهم الله على بني إسرائيل بعد إفسادهم الأول في الأرض هم جالوت وجنوده، كما يراه المحققون من أهل التفسير... أما المراد بالعباد الذين سلطهم الله على بني إسرائيل بعد إفسادهم الثاني في الأرض، فيرى جمهور المفسرين أنهم البابليون بقيادة بختنصر... وهذا الرأي الذي قاله جمهور المفسرين ليس ببعيد، لما ذكرنا من تنكيله [أي بختنصر] بهم، إلا أننا نؤثر على هذا الرأي أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثاني هم الرومان بقيادة تيطس»[2].

على أن نظم الآيات يأبى أن يكون القوم المسلطون عليهم في المرة الثانية غير المسلطين عليهم في الأولى؛ فإن قوله تعالى: {فَإذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا... ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ... فَإذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ} [الإسراء: ٥- ٦] يدل على أن الحرب كانت سجالاً بين بني إسرائيل وهؤلاء القوم؛ حيث غلبهم القوم في المرة الأولى ثم أعاد الله الكرة لبني إسرائيل على القوم ونصرهم عليهم، ثم عاد القوم في المرة الثانية ليسوؤوا وجوه بني إسرائيل، وقوله تعالى: {وَلِيَدْخُلُوا الْـمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء: ٧] واضح في أن من دخلوا المسجد أول مرة هم أنفسهم من دخله في الثانية.

وفي تحديد المسلطين عليهم في المرتين تعيين للإفسادين بما صدر من بني إسرائيل قبل كل عقاب يلحق بهم من أحد فريقي المسلطين.

وبعد عرض هذا الرأي ساق الأدلة التي استند إليها في ترجيحه، ولا داعي للتطويل بإيرادها[3]، لأن ما قرره المفسرون القدماء حول معاني هذه الآيات لا يعنيني هنا بقدر ما يعنيني ما خالف به بعض المعاصرين إجماع المفسرين حول زمن الإفسادين أو الإفساد الثاني لبني إسرائيل، مدفوعين بالرغبة في تقرير أن القرآن يبشر بأن زوال «إسرائيل» واقع لا محالة؛ وأن الآيات الكريمة نبوءة قرآنية حتمية بتدمير المسلمين لـ«دولة اليهود»؛ حيث ذهب أكثرهم إلى أن الإفساد الأول مضى، وأن الإفساد الثاني هو الذي نعيشه الآن مع الاحتلال الصهيوني لبلاد فلسطين وما اقترن به من إفساد وإهلاك للحرث والنسل، وأن المسلمين هم الذين سيسوؤون وجوه اليهود، وسيدخلون المسجد الأقصى كما دخلوه أول مرة، وسيتبروا ما علا اليهود تتبيراً، يعنينا التحقق من سلامة أو عدم سلامة هذا التفسير الجديد للآيات؛ لما قد يكون له من آثار على موقف المسلمين من الصراع في فلسطين بما يحمله من خطر الإيحاء بعبثية مقاومة الكيان الصهيوني؛ ما دام النصر عليه قدراً محتوماً، ووعداً إلهياً، وهذا الأثر حاصل مهما حاول من يروج هذا الرأي التأكيد على وجوب المقاومة وعدم انتظار النصر الموعود.

لاسيما أن بعضهم - وهو الدكتور مصطفى مسلم في كتابه «معالم قرآنية في الصراع مع اليهود» - رسم لمستقبل الصراع سيناريو يتصل بظهور المسيح الدجال ملكاً لليهود في «إسرائيل»، ونزول عيسى عليه السلام للقضاء عليه وعلى أتباعه؛ ما يعني أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين سيستمر إلى أن تبدأ أشراط الساعة الكبرى في الظهور، وأن على المسلمين أن يقطعوا الأمل في تحريرها قبل قيام الساعة، الشيء الذي يوحي للقارئ أن أي محاولة لدحر الاحتلال مغالبة للقدر، واستعجال للنصر قبل أوانه.

فبعد أن تحدث عن الطرف اليهودي تساءل عن الطرف الآخر في معادلة الصراع، أين هو؟ فقدم جواباً مفاده أن أبناء الصحوة الإسلامية سيبتلون ابتلاء شديداً وفقاً لسنة الله في ابتلاء من يدعي الإيمان، فإذا تمحصت صفوفهم مكن الله المخلصين منهم «في رقعة من الأرض ليقيموا عليها حكم الله... ومن بين صفوف هؤلاء تنطلق كتائب جند الله إلى اليهود لتقع الملحمة الكبرى، وينزل نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام ليكون في طليعة هذه الكتائب وقائدها في المعركة الفاصلة في باب اللد»[4].

ويشير بـ«المعركة الفاصلة في باب اللد» إلى ما جاء في الحديث من أن عيسى عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان سيقتل ملك اليهود (المسيح الدجال) بباب لد في فلسطين[5].

وفي موضع آخر ذكر أن «قدر الله الكوني سيقع لا محالة، وهو إفساد بني إسرائيل في الأرض للمرة الثانية ليأتي بعد ذلك جند الله الموحدون، وعلى رأسهم المنقذ المسيح عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه، ليقضي على مملكة الباطل، وأهل الفساد والشر، فيقتل بحربته ملكهم المتوج من قبل المفسدين في الأرض المسيح الأعور الدجال، هذه نهاية الفساد... ليقوم بعد ذلك حكم الله في الأرض، ويعيش الناس بسلام في ظل الإسلام»[6].

وفي نبرة تفاؤلية يبشرنا الشيخ متولي الشعراوي في تفسيره بأننا «الآن ننتظر وَعْد الله سبحانه، ونعيش على أمل أن تنصلح أحوالنا، ونعود إلى ساحة ربنا، وعندها سينجز لنا ما وعدنا من دخول المسجد الأقصى، وتكون لنا الكرّة الأخيرة عليهم... فهو وعْد آتٍ لا شك فيه»[7].

 هذا ويخشى أن يكون في الإقدام على التفسير المذكور توجيه للآيات القرآنية المدروسة نحو قصد يتناغم مع آمالنا في التحرر من الاحتلال الصهيوني، وإن لم نتحقق من كونه هو مراد الله سبحانه منها؛ وذلك ضرب من تأويل النص بالتشهي، وقد أوصى العلماء المتصدي للتفسير بـ«التحفظ من القول في كتاب الله تعالى إلا على بينة»[8]، وأن يكون على بال من «أن ما يقوله تقصيد منه للمتكلم، والقرآن كلام الله؛ فهو يقول بلسان بيانه: هذا مراد الله من هذا الكلام؛ فليتثبت أن يسأله الله تعالى: من أين قلت عني هذا؟»[9].

من أجل ذلك لزم النظر في هذه الآيات - كما في غيرها - على ضوء أصول التفسير العلمية والشرعية لتبين المراد منها، والتحقق من أن ما جاء فيها من الإفساد الثاني لبني إسرائيل ينطبق حقاً على اليهود المعاصرين وإفسادهم الحالي في فلسطين.   

القائلون بهذا التفسير من العصريين:

1- ممن ذهب إلى أن الإفساد الثاني لبني إسرائيل هو احتلال اليهود الحالي لأرض فلسطين وإفسادهم فيها: الشيخ عبد المعز عبد الستار من علماء الأزهر، في مقال له نشر بمجلة الأزهر، بعنوان «سورة الإسراء تقص نهاية إسرائيل»، قال في مقدمة المقال: «أطبق المفسرون على أن ذلك الفساد والإفساد وقع منهم مرتين في الماضي قبل الإسلام... والذي يعنيني أن أكشف عنه وأن أثبته في هذا البحث أمران: الأول أن هاتين المرتين لم تكونا قبل البعثة، وإنما هما في الإسلام. الثاني أن المرة الأولى كانت على عهد رسول الله وأصحابه، والآخرة هي التي نحن فيها الآن، والتي سنسوء فيها وجوههم، وندخل المسجد كما دخلناه، وندمر فيها ما علواً تدميراً»[10].

٢- وعلى هذا الرأي سار الشيخ متولي الشعراوي في تفسيره، حيث أكد أن الإفساد الثاني لبني إسرائيل هو «ما نحن بصدده الآن، حيث سيتجمع اليهود في وطن واحد ليتحقق وَعْد الله بالقضاء عليهم... وهذا هو المراد من قوله تعالى: {فَإذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا } [الإسراء: 104]، أي: مجتمعين بعضكم إلى بعض من شَتّى البلاد، وهو ما يحدث الآن على أرض فلسطين»[11].

٣- وبه جزم عبد الكريم الخطيب في تفسيره المسمى «التفسير القرآني للقرآن»، فقال: «إننا لنقطع عن يقين أن بني إسرائيل معنا اليوم، واقعون تحت قوله تعالى: {فَإذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْـمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء: ٧].. وإذن فالجولة التالية بيننا وبين بني إسرائيل، هي لنا، وسندخل المسجد إن شاء اللّه كما دخلناه أول مرة، وسنخزي القوم ونعرّيهم من كل ما لبسوا من أثواب الزهو والغرور.. وسنقضي على هذه الدولة المولودة سفاحاً.. فلن تقوم لها قائمة إلى يوم القيامة»[12].

٤- وبسبب علو اليهود في أرض فلسطين بما لم يبلغوا قط مثله خلال عشرين قرناً قبل قيام «إسرائيل»، إذ أصبح لهم كيان مزود بكل وسائل التدمير والإرهاب والاستعلاء، مال الدكتور محمد المجذوب «إلى اعتبار الآخرة من المرتين هي التي نعاصرها اليوم ونعيش مآسيها»[13].

4- وبهذا التفسير جزم الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي في كتابه «الشخصية اليهودية من خلال القرآن»، حيث رجح «أن الإفساد الثاني لبني إسرائيل هو ما يقوم به اليهود الآن، وأننا نحن الذين نعيش إفسادهم الثاني، وأن هذا الإفساد يتمثل في كيانهم الذي أقاموه في فلسطين، وفي تحكمهم وسلطانهم وعلوهم وتجبرهم الذي يبدو أوضح ما يكون في هذه الأيام»[14].

5- وانتهى الباحث محمد إبراهيم هلال في بحثه «الإسراء وإسرائيل» كذلك إلى أن «مرة الإفساد الثانية هي التي نعيشها اليوم؛ حيث ردت الكرة لبني إسرائيل على المسلمين»[15].

6- ودافع عن هذا الرأي الأستاذ بسام جرار في بحثه «زوال إسرائيل 2022 نبوءة قرآنية أم صدف رقمية؟»،  ليبني عليه ما انتهى إليه في القسم الثاني من الدراسة بعد حسابات رياضية من أن عمر الكيان الصهيوني سينتهي عام 2022م[16].

وتعيين وقت نهاية الكيان الصهيوني في السنة المذكورة رجم بالغيب، لا ينبغي الإقدام عليه، وإن صدر دراسته بوصف هذه النتيجة التي توصل إليها بقوله: «لا أقول إنها نبوءة، ولا أزعم أنها ستحدث حتماً»[17].

7- وقرر الدكتور مصطفى مسلم أن المرة الثانية لإفساد بني إسرائيل «بدأت بذورها من بداية مؤتمر اليهود في بازل بسويسرا عام 1897م، والتي وضعوا فيها المخطط المدروس لإفساد العالم، وأعلن فيها هرتزل وضع اللبنة الأولى في دولة إسرائيل.. ومنذ ذلك الوقت إلى الآن وعلو بني إسرائيل في تزايد مستمر»[18].

هكذا تواردت أقوال هؤلاء الباحثين المعاصرين على أن الإفساد الثاني لبني إسرائيل هو ما نعيشه الآن من الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين، مع علمهم بإجماع المفسرين على خلافه.

 وليسلم لهم توجيه الآيات الوجهة المطلوبة، عمل بعضهم على إزاحة إجماع المفسرين هذا عن الطريق، بتعليله بأن هؤلاء المفسرين - كما يرى بسام جرار- لم يكن يدور بخلد أحدهم «أن يعود لليهود دولة في الأرض المباركة؟ [لأن] الدولة الأموية، والدولة العباسية، والدولة العثمانية، كانت كل واحدة منها أعظم دولة في عصرها. فأي مفسر هو هذا الذي سيخطر بباله أن المرة الثانية لم تأت بعد؟ وإن خطر ذلك بباله، فهل ستقبل عاطفته أن يخط قلمه مثل هذه النبوءة التي تتحدث عن سقوط القدس في أيدي اليهود الضائعين المشردين والمستضعفين؟»[19].

ورأى محمد هلال أن ذلك عائد إلى طبيعة «المعلومات التاريخية التي توفرت لهم عن بني إسرائيل، والتي كانت مبتورة وناقصة وموجهة..، وعائد كذلك إلى واقع بني إسرائيل في زمنهم (زمن المفسرين)؛ حيث لم يكن لهم دولة ولا نفوذ في الأرض، ولا كان واقع حالهم يوحي بأنه ستكون لهم دولة ونفوذ..، وقد تناسب هذا التأويل مع ما كان عليه اليهود أيام المفسرين الذين تعرضوا لهذه الآيات من الذلة والصغار، ولكن لم يعد يتسق مع واقع العلو الكبير الذي يعيشونه اليوم»[20].

وقدم صلاح الخالدي لهم عذراً قريباً من هذا؛ إذ أرجع ذلك إلى كون المفسرين قديماً «كانوا يعيشون في نظام إسلامي قائم... وقد نظروا في اليهود.. فإذا هم مجموعات من الأفراد المشتتين الأذلاء الضعاف، لا يتصور أن يكون لهم كيان في المستقبل، ولا أن يقع منهم علو وإفساد في الأرض... ولهذا توجه هؤلاء إلى التاريخ اليهودي القديم، فاستقرؤوه، وبحثوا فيه عن الإفسادين المذكورين، فقالوا ما قالوا»[21].

مستندات هذا التفسير.. عرض ونقد:

استدل أصحاب هذا الرأي لتفسيرهم بمستندات استخلصوها من التأمل في ألفاظ الآيات نفسها، وفي واقع حال اليهود، وما وقع منهم من الإفساد في الماضي وفي الحاضر، وفي صفات من سلطوا عليهم عبر تاريخهم، مع توهمهم أن اليهود الحاليين من سلالة بني إسرائيل. وهذا عرض لأدلة هذا الرأي، متبوعة بما يبين ضعف دلالتها على التفسير المذكور:

الدليل الأول: أن الأسلوب الذي حكى الله به الإفسادين يدل على الاستقبال، «فإذا لاحظنا.. أن الله ينص على أنه قضى أنهم يفسدون في الأرض مرتين؛ فإذا جاء وعد أولاهما كان كذا، وإذا جاء وعد الآخرة كان كذا.. دل ذلك على أن المرتين غير ما سبق..، وأنهما يقعان في المستقبل بالنسبة لمن أنزل عليه الكتاب»[22]، وكلمة «وعد» التي استعملها الله في قوله «فإذا جاء وعد» «لا تأتي لشيء يسبق الكلام بل لشيء يأتي من بعد.. إذن فلم يكن ذلك في زمان بختنصر»[23]. وكذلك كلمة «(إذا) الموجودة أولاً هي ظرف لما يُستقبل من الزمان، أي بعد أن جاء هذا الكلام»[24].

وهذا الكلام إنما يصح مستنداً للتفسير المذكور لو كان المراد بـ«الكتاب» في قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ} [الإسراء: ٤]، هو القرآن؛ وهذا ما حاول أن يوهمنا به عبد المعز عبد الستار بقوله: «يقعان في المستقبل بالنسبة لمن أنزل عليه الكتاب»، ولكن المفسرين أطبقوا على أن المراد به التوراة، وأضاف بعضهم جواز أن يراد به اللوح المحفوظ[25]، فلا يكون في هذا الكلام مستمسك لهم؛ لأن مرتي الإفساد ستقعان في الزمان المستقبل بالنسبة لزمان نزول التوراة.

الدليل الثاني: أن الأوصاف التي أسندتها الآيات للذين سيسلطون على بني إسرائيل عقب الإفسادين الأول والثاني، لا تنطبق على من ذكرهم المفسرون كـ«جالوت» أو «بختنصر» أو غيرهما؛ ففعل «البعث» لا يستعمل إلا مع المبعوثين المؤمنين، و«طالما لم تستخدم كلمة (بعث) أو (بعثنا) في المبعوثين الكافرين، فلا يمكن أن يراد بكلمة (بعثنا) في مطلع الإسراء مبعوثين كافرين، ولا أن تنطبق على بختنصر أو غيره»[26]، و«كلمة (عباداً) وإضافتها إلى الله بلام الاختصاص: (لنا)، توحي بأن هؤلاء الذين يزيلون إفساد اليهود مؤمنون ربانيون... وتوحي كلمة (لنا) بمزيد من التكريم الرباني لهؤلاء العباد المؤمنين، فهم عباد لله خالصون له»[27]. و«هل كان بختنصر يدخل ضمن عباد الله؟ إن قوله الحق: (عباداً لنا) مقصود به الجنود الإيمانيون، وبختنصر هذا كان فارسياً مجوسياً»[28].

وهذا دليل ضعيف، لكونه مؤسساً على مقدمة خاطئة، وهي أن كلمة البعث لا تستعمل مع المبعوثين الكافرين، وأن كلمة «العباد» إذا أضيفت لله، كان الموصوفون بها بالضرورة عباداً مؤمنين؛ وهذا ليس بصحيح؛ فقد استعملت كلمة البعث مع يأجوج ومأجوج، وليسوا سوى مبعوثين كافرين، ووصفهم الله بـ«العبودية» وأضافهم إلى نفسه، وما هم بمؤمنين، ومن جميل الأقدار أن يجتمع الشاهدان معاً في عبارة واحدة من حديث يقول الله فيه لعيسى عليه السلام آخر الزمان، كما في صحيح مسلم: «إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ؛ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّور، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ»[29]، فهل يدل هذا على أن يأجوج ومأجوج من عباد الله المؤمنين؟

ووصف الله الوثنيين بالعبودية، وأضافهم إلى نفسه كما في قوله تعالى خطاباً للآلهة المعبودة من دون الله يوم القيامة، تبكيتاً لمن يعبدها: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان: 17]، وهذا يدل بوضوح على أن وصف العبودية مضافاً إلى ذات الله لا يختص به العباد المؤمنون، بل يوصف به أيضاً المشركون والكافرون.

الدليل الثالث: أن الإفساد لم يقع من بني إسرائيل في الماضي مرتين فقط؛ فقد «أفسدوا من قبل سبعين مرة، فالمرتان المعنيتان في الآية وقعتا بعد»[30].

وهذا ليس بشيء؛ فإن ما قيل عن إفساد بني إسرائيل في الماضي؛ أي قبل نزول القرآن، يقال عنهم أيضاً بعد نزوله، فقد أفسدوا أيضاً بعد ذلك مرات عديدة، ومن المعلوم أن الإفساد الوارد في النبوءة لا يراد به أي إفساد، وإنما المراد به الإفساد العام الظاهر، كالخروج الجماعي عن التوحيد وعبادة الأوثان، أو قتل نبي، أو ما شابه ذلك، وليس المراد به الإفساد الفردي الذي يتكرر مرات عديدة كل يوم.

الدليل الرابع: أن ما وعد الله بني إسرائيل أن يمدهم به في المرة الثانية من الأموال والبنين وكثرة النفير، لم يُمَد به اليهود عبر تاريخهم إلا في زماننا[31]، مما يدعم القول بأن ما نعيشه الآن من احتلال اليهود لفلسطين هو الإفساد الثاني لبني إسرائيل.

 وهذا الكلام مناف لما سجله التاريخ من فترات ازدهار عاشها بنو إسرائيل بعد العودة من السبي البابلي أيام قورش الفارسي[32]، وعقب نجاح الثورة اليهودية التي قادها المكابيون[33].

هذا ويرِدُ على هذا التأويل - فضلاً عن ضعف أدلته - اعتراضان كل منهما كفيل بنسفه من أساسه:

أولهما: أن الآيات تدل بوضوح على أن العقابين وقعاً معاً ببني إسرائيل في الأرض المقدسة، وأن القوم الذين سلطوا عليهم في المرة الأولى هم أنفسهم من سلطوا عليهم في المرة الثانية، كما تقدم؛ لقوله تعالى: {فَإذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْـمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء: ٧]، فالضمير في قوله تعالى: {لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْـمَسْجِدَ} عائد بالضرورة على العباد أولي البأس الشديد الذين جاسوا خلال الديار في المرة الأولى؛ وقوله تعالى: {وَلِيَدْخُلُوا الْـمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} يدل على أنهم دخلوا المسجد في المرة الأولى أيضاً، ودمروه كما فعلوا في المرة الثانية، فهل سُلط المسلمون يوماً على بني إسرائيل في فلسطين، ودخلوا هيكلهم ودمروه؟ هذا ما لم يحدث في التاريخ، فكيف إذن سيكون المسلمون هم المسلطين على بني إسرائيل في مرة إفسادهم الثانية، وهم لم يسلطوا عليهم في الأولى.

ولتجاوز هذا الاعتراض ادعى أصحاب هذا التأويل أن المقصود بالمرة الأولى من إفسادي بني إسرائيل هو ما «حدث من اليهود في ظل الإسلام، حيث نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والعباد هم رسول الله والذين آمنوا معه عندما جاسوا خلال ديارهم، وأخرجوهم من المدينة وقتلوا منهم من قتلوا، وسبوا من سبوا»[34]، وأن المسلمين دخلوا «المسجد الأقصى أول مرة في الامتداد الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه»[35].

وهذا تخليط بيّن؛ فإن دخول المسجد ليس منفصلاً عن حدث نكاية العدو ببني إسرائيل، بل هو فصل من فصول العقاب والاجتياح، ورمز على انتصار العدو عليهم، فكيف يكون الجوس خلال الديار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم  وفي المدينة، ودخول المسجد في عهد عمر في القدس؟ ثم إن الشيخ الشعراوي وهو قائل هذا الكلام، يعترف بأن «المسجد الأقصى أيام عمر بن الخطاب لم يكن في نطاق بني إسرائيل»[36]؛ فكيف يكون دخوله عقوبة لهم، وأمارة انتصار عليهم؟

 الأمر الثاني: أن الحديث في الآية إنما هو عن سلالة عرقية محددة، وهي سلالة بني إسرائيل، {وَقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ} [الإسراء: ٤]، وقد أثبت كثير من الدارسين المهتمين بتاريخ وأنثروبولوجيا الجماعات اليهودية أن يهود اليوم ليسوا في معظمهم من سلالة بني إسرائيل، وإنما هم من سلالات عرقية شتى، بل يعدون من أشد الجماعات البشرية أو أشدها تنوعاً من الناحية العرقية؛ خلافاً لما حاولت الحركة الصهيونية وروادها منذ تأسيسها أن تروج له من أن اليهود حافظوا على مدار التاريخ على نقائهم العرقي، وأنهم - أينما كانوا - ينحدرون جميعاً من سلالة عرقية واحدة وهي سلالة بني إسرائيل الذين أجلاهم الآشوريون والبابليون ثم الرومان عن فلسطين، وقد راجت هذه الأكذوبة على عدد غير قليل من الناس - بمن فيهم بعض العرب والمسلمين - حتى شاع الوهم بأن الانتماء الديني لليهودية يعني تلقائياً الانتماء العرقي لبني إسرائيل؛ وقد تقدمت الإشارة إلى أن هذا الوهم مما أوقع بعض العصريين في اعتقاد أن الاحتلال الصهيوني الحالي لأرض فلسطين هو الإفساد الثاني لبني إسرائيل.

والحال أن الزعم المذكور بيِّنُ الزيف والكذب؛ لمصادمته للحقائق العلمية والتاريخية والواقعية المتعلقة بالجماعات اليهودية؛ فقد «أظهرت نتائج أبحاث علم الأجناس البشرية [كما يقول الدكتور رافائيل باتال] أنه - خلافاً للرأي الشائع - ليس هناك جنس يهودي؛ حيث تدل قياسات الأجسام البشرية التي أجريت على مجموعات من اليهود أنهم يختلفون بعضهم عن بعض اختلافاً بيناً»[37]، وقال الدكتور جوان كوماسن: «إن نقاوة السلالة اليهودية ما هي إلا أوهام»[38].

ويؤكد أستاذ علم الأجناس بجامعة جنيف أوجين بيتار أن «اليهود عبارة عن طائفة دينية اجتماعية، انضم إليهم في جميع العصور أشخاص من أجناس شتى، جاءوا من جميع الآفاق؛ فمنهم الفلاشا سكان الحبشة، ومنهم الألمان ذوو السحنة الجرمانية، ومنهم التامل السود في الهند، والخزر من الجنس التركي، ومن المستحيل أن نتصور أن اليهود ذوي الشعر الأشقر... والعيون الصافية اللون الذين نلقاهم في أوربا الوسطى يمتون بصلة القرابة - قرابة الدم - إلى أولئك الإسرائيليين الذين كانوا يعيشون بجانب نهر الأردن»[39].

وذكر الدكتور جمال حمدان في كتابه: «اليهود أنثروبولوجيا» أن «الإجماع بين الأنثروبولوجيين كامل على أن يهود عصر التوراة في فلسطين هم مجموعة سامية من سلالة البحر المتوسط، بصفاتها التي نعرف ونرى اليوم؛ من سمرة في الشعر، وتوسط في القامة، وطول إلى توسط في الرأس»[40].

وبعد إيراده إحصاءات تفصيلية حول شكل الرأس لدى المجموعات اليهودية في العالم، أجمل النتيجة في قوله: «من هذا المسح السريع نصل إذن إلى أن اليهود يقعون من حيث شكل الرأس في مجموعتين: عراض رؤوس، وطوال رؤوس.. تزيد مجموعة عراض الرؤوس على 80 إلى90% على الأقل من كل يهود العالم، والأقلية الضئيلة الباقية هي طوال الرؤوس»[41].

وحيث إن يهود عصر التوراة كانوا ككل الساميين طوال الرؤوس بإجماع الأنثروبولوجيين «فإذا ما وجدنا رؤوساً غير ذلك بين يهود اليوم؛ فليس ثمة إلا تفسير واحد ووحيد لا سبيل إلى الشك فيه، وهو اختلاط الدم [اليهودي] بعناصر غريبة»[42].

ويمكن صياغة هذا «الدليل الرأسي» الذي اعتمده حمدان وعده «محور الدراسات الأنثروبولوجية» كما يلي:

يهود بني إسرائيل طوال الرؤوس بإجماع الأنثروبولوجيين؛ يهود اليوم في معظمهم عراض الرؤوس، كما أثبتت الدراسات التي أجريت عليهم = إذن، يهود اليوم ليسوا في معظمهم من سلالة بني إسرائيل.

ومع أن اليهود الحاليين خليط من أجناس وأعراق كثيرة كما رأينا إلا أن معظمهم من يهود أروبا الشرقية؛ الذين ينحدرون من عرق الخزر ذي الأصل التركي القوقازي؛ وكون يهود اليوم - في معظمهم - ينحدرون من أصول خزرية حقيقة تواطأت عليها «آراء.. المؤرخين الحديثين؛ سواء كانوا نمساويين أو إسرائيليين أو بولنديين؛ فقد رأى كل منهم على حدة أن غالبية اليهود العصريين ليسوا من أصل فلسطيني، بل من أصل قوقازي»[43].

وهذا العالم اليهودي البريطاني آرثر كيستلر يقرر جازماً أن «الدليل التاريخي.. يوضح أن غالبية اليهود الشرقيين - ومن ثم يهود العالم - هم من أصل خزري تركي، لا من أصل سامي... وأن الدليل القائم على علم الأجناس يتفق مع التاريخ في دحض الاعتقاد.. بوجود جنس يهودي انحدر من قبيلة الأسفار الأولى»[44].

وفي بيان أوضح يؤكد أن «الغالبية الكبرى من اليهود في العالم كله في الوقت الحاضر هم من أصل أوربي شرقي؛ وبالتالي لعلهم في الدرجة الأولى من أصل خزري، فإن كان الأمر كذلك؛ فهذا يعني: أن أجدادهم... لم يجيئوا من أرض كنعان بل من القوقاز.. ثم إنهم من حيث التركيب الوراثي أقرب إلى قبائل الهون: الإيجور Uigur والماجيار Magyar منهم إلى ذرية إبراهيم وإسحاق ويعقوب»[45].

ونسبة يهود الخزر في يهود العالم تزيد على 90%؛ يقول دوغلاس دانلوب: «يشكل المنحدرون من يهود الخزر في أيامنا هذه ما ليس أقل من تسعين بالمئة من يهود العالم»[46].

وفي دراسة عن يهود العصر الحالي توصل بنيامين فريدمان إلى «أن من يزعمون أنفسهم يهوداً المتحدرين تاريخياً من سلالة الخزر يشكلون أكثر من 92% من جميع من يسمون أنفسهم يهوداً في كل مكان من العالم اليوم»[47].

وإذا تبين أن اليهود المنحدرين من الخزر يمثلون وحدهم نسبة 92% من يهود العصر الحالي، والنسبة المتبقية، وهي 8% يتوزعها مع الإسرائيليين اليهودُ من الأجناس الأخرى؛ كاليهود العرب، والأمازيغ، والفلاشا، والتامل، واليهود الصينيين... فكم عسى أن تكون النسبة التي يمثلها بين يهود اليوم اليهودُ المنحدرون من أسباط إسرائيل؟

وإذا تقرر أن الأصول العرقية لليهود الحاليين ليست إسرائيلية، وأن الإسرائيليين أقلية ضئيلة بينهم، واليهود المجتمعون حالياً في أرض فلسطين ليسوا من سلالة بني إسرائيل في معظمهم؛ كما تؤكد «دراسة قام بها أنثروبولوجي بريطاني هو «جيمس فنتون» عن يهود «إسرائيل»، توصل فيها إلى أن 95% من اليهود [يعني المحتلين فلسطين] ليسوا من بني إسرائيل التوراة، وإنما هم أجانب متحولون أو مختلطون»[48]؛ فهل يقبل مع ذلك أن يكون الاحتلال اليهودي الحالي للأرض المقدسة هو الإفساد الثاني لبني إسرائيل في هذه الآيات، والمفسدون في أرض فلسطين ليسوا من بني إسرائيل؟

هذا وللدكتور طارق السويدان اجتهاد آخر في تعيين مرتي الإفساد في الآيات، لم يأخذ فيه بإجماع الأقدمين، ولا برأي المعاصرين، ولكن رأيه يفضي إلى نفس النتيجة من الآثار المتوقعة لتفسير المعاصرين، خاصة وأنه قرر بدوره بناء على قوله تعالى: {وَإنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} [الإسراء: ٨]، وأحاديث ظهور الدجال، ومقاتلة المسلمين لليهود أن الحرب ستستمر سجالاً بين المسلمين واليهود في فلسطين إلى أن ينزل عيسى عليه السلام.

وقد لخص رأيه هذا في قوله: «لكنني أرى - والله تعالى أعلم - أن المرة الأولى هي التي نعيشها اليوم، وهي العلو الأول، وسيأتي على دولة اليهود هذه عباد لله يخرجونهم من فلسطين، غير أن اليهود سيتجمعون وينصرهم العالم ويمدهم بالأموال، وينصرهم اليهود المنتشرون في باقي العالم، فيكونون أكثر نفيراً بالنصرة العالمية لهم، فينتصرون علينا... وبعدها يأتي وعد الآخرة أي المرة الثانية، والتي سنتغلب فيها نهائياً على اليهود ونخرجهم إلى غير رجعة من أرض المقدس... ويظل الأمر كذلك إلى حين خروج المسيح الدجال الذي يؤيده اليهود آنذاك، فيسيطر على الأرض ومنها فلسطين، وتكون نهايته على يد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام في مدينة اللد في فلسطين قبيل قيام الساعة، والله أعلم»[49].

وهذا الرأي وإن تجاوز به الدكتور السويدان الاعتراض الأول من الاعتراضين الواردين على تفسير المعاصرين، فإن الاعتراض الثاني يبقى قائماً، وهو أن اليهود المحتلين فلسطين اليوم ليسوا من سلالة إسرائيل، والآيات إنما تتحدث عن بني إسرائيل.

 


 


[1] محمد سيد طنطاوي، «بنو إسرائيل في القرآن والسنة»، ط. دار الشروق، القاهرة، ط2، (1420هـ/2000م)، ص672-673.

[2]  نفسه، ص667-669.

[3]  انظرها في المرجع السابق، ص667-671.

[4]  د. مصطفى مسلم، «معالم قرآنية في الصراع مع اليهود»، ط. دار القلم، دمشق، ط2، (1420هـ/1999م)، ص210.

[5]  ثبت من حديث أبي أمامة عند ابن ماجه وغيره أن عيسى عليه السلام، إذا نزل وصلى الصبح خلف إمام المسلمين، قال: «افْتَحُوا الْبَابَ، فَيُفْتَحُ، وَوَرَاءَهُ الدَّجَّالُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ، كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى وَسَاجٍ [أي طيلسان]، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ الدَّجَّالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا .. فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ اللُّدِّ الشَّرْقِيِّ، فَيَقْتُلُهُ». أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب فتنة الدجالِ... رقم (4077)، قال الحافظ ابن حجر: «أخرجه ابن ماجه مطولاً، وأصله عند أبي داود، ونحوه في حديث سمرة عند أحمد بإسناد حسن، وأخرجه ابن منده في كتاب الإيمان من حديث حذيفة بإسناد صحيح». فتح الباري، ط. دار السلام بالرياض، ودار الفيحاء بدمشق، ط3، 1421)هـ/2000م): 6/745: وهو في صحيح الجامع الصغير، رقم (7875).

[6] نفسه، ص206-207.

[7] الشيخ متولي الشعراوي، «تفسير الشعراوي: الخواطر»، نشر مطابع أخبار اليوم، (بلا تاريخ): 14/8366.

[8] أبو إسحاق الشاطبي، «الموافقات»، تحقيق: مشهور حسن، ط. دار ابن عفان، ط1، (1417هـ/1997م): 4/283.

[9] نفسه: 4/284-285.

[10] عبد المعز عبد الستار، «سورة الإسراء تقص نهاية إسرائيل»، مقال منشور بمجلة الأزهر، المجلد 28، ص689، عن محمد سيد طنطاوي، «بنو إسرائيل في القرآن والسنة»، ص673.

[11] تفسير الشعراوي: 14/8789.

[12] عبد الكريم الخطيب: التفسير القرآني للقرآن»، ط. دار الفكر العربي، القاهرة، (بلا تاريخ): 8 /455.

[13]  محمد المجذوب، «دروس من الإسراء»، مقال منشور بمجلة الوعي الإسلامي، الصادرة عن وزارة الأوقاف الكويتية، العدد: 103، 1973، ص29.

[14]  الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي، «الشخصية اليهودية من خلال القرآن: تاريخ وسمات ومصير»، ط. دار القلم، ط1، دمشق، (1419هـ/1998م)، ص341.

[15]  الدكتور محمد هلال، «الإسراء وإسرائيل»، ط. دار البشير، عمان، ومؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، (1417هـ/1997م)، ص34.

[16]  بسام نهاد جرار، «زوال إسرائيل 2022 نبوءة قرآنية أم صدف رقمية؟»، ط. مكتبة البقاع الحديثة، لبنان، (1993م)، ص91.

[17]  نفسه، ص55.

[18]  معالم قرآنية في الصراع مع اليهود، ص204.

[19]  زوال إسرائيل 2022 نبوءة قرآنية أم صدف رقمية؟، ص20-21.

[20]  الإسراء وإسرائيل، ص25-26.

[21]  الشخصية اليهودية من خلال القرآن، ص330.

[22] عبد المعز عبد الستار، المرجع السابق، ج28 ص690، عن محمد طنطاوي، المرجع السابق، ص675.

[23]  الشيخ متولي الشعراوي، «التفسير»: 5/3052.

[24]  نفسه: 5/3052.

[25]  محمد سيد طنطاوي، المرجع السابق، ص679.

[26]  صلاح عبد الفتاح الخالدي، «الشخصية اليهودية من خلال القرآن»، ص339.

[27]  نفسه، ص340.

[28]  الشيخ متولي الشعراوي، «التفسير»: 5/3052.

[29]  أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه، رقم (7299).

[30]  عبد المعز عبد الستار، المرجع السابق، المجلد 28، ص690، عن محمد طنطاوي، المرجع السابق، ص675.

[31]  نفسه، ص692، عن المرجع نفسه، ص677.

[32]  انظر وول ديورانت، «قصة الحضارة»، ترجمة زكي نجيب محمود وآخرين، ط. دار الجيل، بيروت، (1408هـ/1988م): 2/364-365.

[33]  انظر المرجع السابق: 8/58-59.

[34]  الشيخ متولي الشعراوي، «التفسير»: 14/8357.

[35]  نفسه: 5/3056.

[36]  نفسه: 5/3056.

[37]  آرثر كيستلر، «القبيلة الثالثة عشرة ويهود اليوم»، ترجمة: أحمد نجيب هاشم، ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة ألف كتاب، (1991م)، ص180.

[38]  خرافات عن الأجناس، ص54، عن: محمد أحمد محمود حسن، «اليهودية التبشيرية في الكتب المقدسة»، ط. مكتبة النهضة المصرية، القاهرة (1998)، ص52.

[39]  كامل سعفان، «اليهود من سراديب الجيتو إلى مقاصر الفاتيكان»، ط. دار الفضيلة (بدون تاريخ)، ص271.

[40]  اليهود أنثروبولوجيا؛ لجمال حمدان، تقديم عبد الوهاب المسيري، سلسلة تصدر عن دار الهلال القاهرة، العدد (542)، فبراير 1996م، ص123.

[41]  نفسه، ص146.

[42]  نفسه، ص142.

 [43]  دوغلاس دانلوب؛ «تاريخ يهود الخزر»، ترجمة: سهيل زكار، ط. دار إحسان، ط2، دمشق (1410هـ/1990م)، ص177.

[44]  القبيلة الثالثة عشرة ويهود اليوم، ص196.

[45]  نفسه، ص24-25.

[46]  «تاريخ يهود الخزر»، ص60.

[47]  بنيامين فريدمان، «يهود اليوم ليسوا يهوداً»، إعداد زهدي الفاتح، ط. دار النفائس، ط3، بيروت (1408هـ/1988م)، ص44-45.

[48]  جمال حمدان، «اليهود أنثروبولوجيا»، ص180.

[49] فلسطين: التاريخ المصور، ط. شركة الإبداع الفكري للنشر والتوزيع، الكويت، (2004م)، ص421-422.