تتفاقم الأوضاع وتزيد المخاطر يوماً بعد يوم بمنطقة الساحل والصحراء، وهي المنطقة، التي تقع خارج السيطرة، وتنشط بها كل أنواع الاتجار والأنشطة غير القانونية، وتزيد مساحتها عن خمسة ملايين كيلومتر مربع وتتقاسمها تسع دول، وهو الأمر الذي يزيد الوضع تعقيداً، وينذر بمستقبل دامس للمنطقة.

لسنا في حاجة للحديث عن أهمية القارة العذراء، موقعها وثرواتها واليد العاملة بها، كما أننا لسنا بحاجة للتذكير بالتواجد الغربي والفرنسي تحديداً، تواجد يستنزف القارة ويمتص ثرواتها بشكل بشع، والبرامج الوثائقية والتحقيقات الصحافية عن مناجم الذهب والماس، والحديد واليورانيوم، والنفط والغاز، والكاكاو والشوكولا، واليد العاملة، والمافيات المستغلة لكل هذا، لسنا في معرض الحديث عن هذا.

حديثنا في هذا المقال سيكون عن محاولات أمريكا إيجاد موطئ قدم لحذائها العسكري بالقارة، وإيجاد البيئات المساعدة على ذلك، أو استغلال وجودها أصلاً.

التدخل العسكري في المنطقة يأخذ أشكالاً وصوراً ومظاهر ومسميات عدة، كالتسهيلات العسكرية، والتعاون العسكري، والتدريبات العسكرية، والمناورات العسكرية المشتركة، وغيرها من التسميات العديدة، التي تندرج تحت موضوع واحد وهو التدخل الأمني والعسكري.

وقد بدأت أمريكا تدخلاتها بالصومال، تحت غطاء المساعدة الإنسانية، فنفذت عملية عسكرية سنة 1992م، والصومال بالنسبة لها تعد موقعاً إستراتيجياً لمراقبة طريق النفط، غير أن العملية منيت بفشل ذريع وقتل خلالها 14 جندياً أمريكياً.

تعرضت السفارة الأمريكية في كينيا وتنزانيا لهجوم انتحاري عام 1998م، على إثر ذلك قامت الولايات المتحدة بقصف جوي  لمصنع أدوية في السودان في 20 أغسطس عام 1998م.

عام 2002م تعرضت طائرة صهيونية إلى هجوم في مطار مومبسا في كينيا، وكان هذا الهجوم قرب قاعدة عسكرية أمريكية. وبعد الهجوم قامت الولايات المتحدة بإرسال فيلق من جنودها للتمركز في جيبوتي، وذلك لمراقبة الوضع في الصومال.

في السنة نفسها شاركت أمريكا بطريقة غير مباشرة في عمليات عسكرية قامت بها أربـع دول من دول الساحل (مالي وتشاد ونيجيريا والجزائر) ضد الجماعة السلفية للدعوة والقتال.

وجاء في الكلمة التي ألقاها الجنرال جونز، قائد قوات الأطلسي في أوربـا مارس 2003م، أن أمريكا لم يعد بوسعها مراقبة ما يقع في إفريقيا من بعيد.

وكان التدخل الأمريكي في مالي كارثياً، حين أوعزت للحكومة المالية بضم الشمال المالي بالقوة سنة 2004م، بل تم تقديم دعم عسكري واستخباراتي للجيش المالي، ما أدى لخيبة أمل لدى الطوارق الذين كانوا يطالبون بحكم ذاتي، يساندهم في ذلك المجتمع الدولي، فتصاعد تمرد الطوارق، وتمت عسكرة الشمال المالي ليصبح خارج السيطرة.

وكان الأمريكيون قد دفعوا بمئتين من جنودهم في العام 2008م إلى التمركز في الشمال الموريتاني، وخصوصاً مدينة «أطار» قبل أن يغادروا بُعيد الانقلاب على الرئيس ولد الشيخ عبد الله.

تتوفر أمريكا على شبكة من قواعد التجسس موزعة على عدة دول، ونفذت انطلاقاً منها ضربات بطائرات بدون طيار، ضد حركة الشباب الصومالية، على الأقل منذ سنة 2009م.

وقامت الولايات المتحدة أخيراً بإقامة قيادة عسكرية خاصة بإفريقيا ومقرها في شتوتغارت بألمانيا، وهي المعروفة اختصاراً بـ AFRICOM.

كان هناك شبه إجماع بين الدول الإفريقية والمنظمات الإقليمية على رفض الأفريكوم وإنشاء مقرها في القارة، غير أن أمريكا استمرت في مخططها ومشروعها.

بقي الوضع في مالي مضطرباً، بعد دفع أمريكا للحكومة المالية باتجاه التصعيد، إلى أن اندلعت شرارة الربيع العربي، ثم أدى تدخل الأفريكوم في ليبيا وتنسيقها لعمليات الناتو، برغم رفض الدول الإفريقية التدخل العسكري وعملها على الحلول السياسية والديبلوماسية التفاوضية؛ أدى الانفراد الأمريكي في اتخاذ القرار إلى مفاقمة الوضع الأمني، وتدفق الأسلحة والمرتزقة، وانتعاش القضية المالية من جديد، بعد انضمام آلاف الطوارق العائدين من ليبيا، وكان من نتائج ذلك التدخل العسكري الفرنسي مطلع 2013م.

ما بين 2013 و2017م حدثت تطورات كبيرة في منطقة الساحل والصحراء، برزت تنظيمات مسلحة جديدة، ظهر تنظيم الدولة (داعش)، وتأسست فروع تابعة له، أو انشقت عن جماعاتها الأصلية معلنة الولاء والبيعة له، أو حاولت جماعات أخرى استنساخ تجربته، في السيطرة على الأرض والتوسع والتمدد، من حركة الشباب الصومالية، إلى بوكو حرام، مروراً بأنصار الشريعة وجند الخلافة، والقاعدة في المغرب الإسلامي، وكتيبة الصحراء و«المرابطون» وهلم جراً، سعياً لإقامة «دولة إسلامية بمنطقة الساحل» (دامس)، وفي هذا السياق، أعلنت أربع جماعات جهادية رئيسة في مالي، 2 مارس 2017م، أنها ستندمج تحت قيادة الزعيم الطوارقي الجهادي، إياد أغ غالي زعيم أنصار الدين، والذي كان قنصلاً سابقاً بالسعودية، كما كان مقرباً من الزعيم الليبي معمر القذافي.

وذكر الفيديو الذي بثته مؤسسة إعلامية جديدة، تدعى «الزلاقة»، يبدو أنها الذراع الإعلامية الجديدة للجماعة (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) أن التنظيم الجديد يضم جماعات «أنصار الدين» بزعامة أغ غالي، و«المرابطون» لمختار بلمختار، وإمارة منطقة الصحراء (القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي)، و«كتائب ماسينا» لبول أمادو كوفا الناشط في وسط مالي.

وظهر إياد غالي متوسطاً أمراء التنظيمات الأخرى، يحيى أبو الهمام أمير منطقة الصحراء، ومحمدو كوفا أمير كتائب ماسينا، والحسن الأنصاري نائب أمير «المرابطون» إضافة إلى أبي عبد الرحمن الصنهاجي قاضي منطقة الصحراء.

وأعلن غالي البيعة لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وأمير القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي أبو مصعب عبد الودود، وأمير حركة طالبان أفغانستان الملا هيبة الله.

وما يؤكد ما نحن بصدد بحثه، من محاولات أمريكية لإيجاد المبرر للتدخل عسكرياً أنه بعد هذا الإصدار مباشرة، قام قائد العمليات الخاصة الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم»، الجنرال دونلالد بولدوك، بزيارة إلى موريتانيا، وبحسب الوكالة الموريتانية للأنباء (رسمية)، فإن المسؤول الأمريكي التقى وزير الدفاع الموريتاني جالو مامادو باتيا (اليوم التالي لإعلان الجماعات توحدها)، بمكتبه في نواكشوط، مضيفة أن اللقاء بين الجانبين، الذى حضره قائد أركان الجيش البري اللواء محمد الشيخ ولد محمد الأمين، تطرق لعلاقات التعاون القائم بين البلدين خاصة في مجال الدفاع.

ورجح عدد من المتابعين لملف الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء، أن تكون زيارة قائد العمليات الخاصة الأمريكية للمنطقة لبحث سبل التعاون للتصدي للجماعات الجهادية التي تنشط بمنطقة الساحل والصحراء، وخصوصاً في ظل انتشار السلاح والتهريب وغيرها من الأنشطة الإرهابية.

وذهب مراقبون إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها يستعدون لتدخل عسكري للسيطرة المباشرة على المنطقة، بدعوى تنفيذ عمليات ميدانية ضد هذه الجماعات.