لم تتوقف التدخلات الإقليمية والدولية في ليبيا منذ مقتل القذافي إبان الثورة الليبية، شأنها شأن باقي دول الربيع العربي من أجل القضاء على القوى التي شاركت في الثورة وتهميشها والسيطرة على النفط، وكان دور الجنرال خليفة حفتر القادم من الولايات المتحدة مباشرة، واتفاق الصخيرات؛ ركنين أساسيين في إستراتيجية غرف العمليات لتحطيم الثورة.

وفي أعقاب تدخلات إقليمية ودولية عديدة من جانب مصر والإمارات وقصف جوي أمريكي وقوات فرنسية، واستعانة قوات حفتر بمرتزقة من السودان (حركة العدل والمساواة) ومرتزقة من روسيا، بدأت الكفة تميل للثورة المضادة بقيادة حفتر في بنغازي، فيما همش اتفاق الصخيرات القوى الثورية والإسلامية في طرابلس، وسمحت لحفتر بالتهديد بالزحف إلى العاصمة.

ولم تتحدث أي جهة دولية عن سلسلة الخروقات التي قام بها الجنرال حفتر لاتفاقية الصخيرات، وأبرزها سيطرته في سبتمبر 2016م على منطقة الهلال النفطي القريبة من بنغازي، ودعوة برلمان طبرق - الموالي للثورة المضادة - لروسيا كي تتدخل في ليبيا كما فعلوا في سوريا وأبادوا حلب بسكانها، ومحاصرته لعائلات «قنفودة» حتى لجأ الأطفال والنساء إلى أكل ورق الشجر.

من هذه التطورات يمكن فهم سر تحرك «سرايا الدفاع عن بنغازي» الأخير وهجومها على منطقة الهلال النفطي، والذي ما هو سوى العودة للمربع الأول الذي كان سائداً قبل سطو حفتر على موانئ النفط. وذلك بعدما استشعروا تعاظم التدخلات الإقليمية والدولية لوأد ما تبقى من ثورة ليبيا خاصة بعد أنباء الإفراج عن سيف الإسلام القذافي واحتمالات عودته للحياة السياسية، والتحرك الروسي لبناء قاعدة عسكرية في ليبيا، واقتسام مناطق النفوذ في ليبيا بين الشرق والغرب.

ما هي سرايا الدفاع عن بنغازي؟

عقب إطلاق خليفة حفتر لما أسماه «عملية الكرامة» عام 2014م لإخراج ثوار بنغازي من المدينة، بدعم من قوى عربية ودولية، وتدمير المدينة وتهجير قرابة 200 ألف من أهلها، انتقل الثوار إلى محافظة الجفرة (جنوب غرب بنغازي) وسط الصحراء الليبية، وانضم إليها ضباط وجنود مناهضون لحفتر، ومجلس شورى ثوار أجدابيا، ومقاتلون من حرس المنشآت النفطية بقيادة إبراهيم الجضران، بعد استيلاء حفتر عليها، وأبناء قبيلة المغاربة.

وفي بيان تأسيسها أول يونيو الماضي أعلنت السرايا أنها تتبع مفتي الديار الليبية في العاصمة طرابلس «الشيخ صادق الغرياني»، الذي عزله مجلس نواب طبرق الموالي لحفتر في 2014م، ولكن أعاد «المؤتمر الوطني» - البرلمان الثاني في طرابلس - تثبيته في المنصب ذاته.

ويعد «الصادق الغرياني» الأب الروحي للعديد من كتائب ثوار ليبيا في غربي البلاد وله مواقف معادية لخليفة حفتر، وأعلن تحفظه على اتفاقية الصخيرات الموقعة في 17 ديسمبر 2015م بالمغرب، ومن ثم لم يعترف بما نتج عنها من «مجلس رئاسي» أو «حكومة وفاق»، ويدعمها أيضاً الشيخ عمر مولود رئيس رابطة علماء ليبيا.

ومن أشهر قيادات سرايا الدفاع عن بنغازي، العميد مصطفى الشركسي، وإسماعيل الصلابي، قائد كتيبة راف الله السحاتي، التابعة لمجلس شورى ثوار بنغازي (ثوار شاركوا في الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي في 2011م)، وزياد بلعم، قائد كتيبة عمر المختار، التابعة لمجلس شورى ثوار بنغازي.

وفي أعقاب سيطرة قوات حفتر على موانئ الهلال النفطي في سبتمبر 2016م، وطردها لحرس المنشآت النفطية بقيادة الجضران، المؤيد لحكومة الوفاق، أصبح وزير الدفاع في حكومة الوفاق مهدي البرغثي أكثر تقارباً من سرايا الدفاع عن بنغازي أيضاً، خصوصاً أن هناك صراعاً بينه وبين حفتر على تولي قيادة جيش ليبيا الموحد.

وقد شهد شهرا أكتوبر وديسمبر 2016م اجتماعات واستعدادات مكثفه لاستعادة الهلال النفطي من يد حفتر، خلال المؤتمر السادس لضباط الجيش الليبي (المناهض لحفتر)، الذي عقد 19 أكتوبر الماضي في طرابلس، ولقاءات «غرفة عمليات تحرير الهلال النفطي»، التي اجتمعت في 22 ديسمبر الماضي.

وشهدت هذه اللقاءات حضور العميد مصطفى الشركسي، قائد سرايا الدفاع عن بنغازي، ومهدي البرغثي وزير الدفاع وفائز السراج رئيس المجلس الرئاسي، وعبد الرحمن السويحلي رئيس مجلس الدولة، وكان أهم ما قيل فيها هو وصف مؤتمر ضباط الجيش لحفتر بأنه «مجرم حرب»، برغم اعتراض فائز السراج.

ومما ساهم في تحسين العلاقة بينهما أن سرايا الدفاع عن بنغازي سلمت بالفعل موانئ «رأس لانوف» و«السدرة» التي استولت عليها في الهلال النفطي من قوات حفتر لقوات «حرس المنشآت النفطية» التي تدعمها كل أطراف النزاع والقوى الدولية.

فقد أعلنت «سرايا الدفاع» في بيان عقب سيطرتها على الهلال النفطي أن هدفها التوجه إلى بنغازي لطرد قوات حفتر منها، وإعادة 300 ألف من سكانها المهجرين إلى ديارهم.

فالطريق إلى بنغازي يمر عبر بلدة العقيلة، وميناء السدرة (يضم مصانع لتكرير النفط)، وميناء الزويتينة النفطي ومدينة أجدابيا (أكبر مدينة في المنطقة الممتدة من سرت إلى بنغازي على طول أكثر من 500 كلم من خليج سرت).

لهذا فالمعركة القادمة ستكون من جانبين: الأول زحف التحالف الذي يشكل قوات السرايا على بنغازي من جهة أجدابيا، ومن منطقة الهلال النفطي بعد تحرير أغلبها من قوات حفتر.

وتضم منطقة الهلال النفطي أربع موانئ نفطية (الزويتينة، البريقة، رأس لانوف، والسدرة)، وتقع بين مدينتي بنغازي (ألف كلم شرق طرابلس) وسرت (450 كلم شرق طرابلس).

ربما لهذا سارع حفتر للسفر للقاهرة عقب خسارته الهلال النفطي، وأرسل مبعوثاً إلى روسيا لطلب الدعم، ولكن عدم مشاركة الطيران المصري في قصف قوات السرايا، يؤشر ربما للرغبة في السير بطريق الحل السياسي الذي بدأته القاهرة بعقد مؤتمر ضم أطيافاً ليبية، ومحاولة جمع حفتر والسراج على طاولة واحدة، لأن الفوضى الأمنية قد تنقل العنف إلى الأراضي المصرية.

وقد أضعف فقدان حفتر، لمينائي السدرة ورأس لانوف، بالإضافة إلى مطار رأس لانوف الإستراتيجي موقفه السياسي، فتلك الموانئ بإمكانها تصدير 600 ألف برميل يومياً، من أصل 700 ألف برميل يتم تصديرها حالياً، في حين كان المعدل مليون و600 ألف برميل يومياً قبل الإطاحة بنظام القذافي في 2011م.

ثلاث حكومات وبرلمانان:

بعد ستة أعوام من الثورة التي أطاحت بمعمر القذافي الذي حكم البلاد 40 عاماً، لا تزال هناك ثلاث حكومات تتنافس فيما بينها في ليبيا، هي:

١- حكومة الإنقاذ: أول حكومة تظهر بعد ثورة 2011م بالعاصمة طرابلس، ويرأسها خليفة الغويل، وانبثقت عن المؤتمر الوطني العام الليبي في أغسطس 2014م، وتوجد في طرابلس.

وبرغم سيطرة حكومة الإنقاذ على أجزاء واسعة من غرب وجنوب ليبيا نهاية 2014م وبداية 2016م، لم تحظ منذ ولادتها باعتراف دولي، ربما لدعمها لـ«مجلس شورى ثوار بنغازي» (تحالف كتائب للثوار الذين أطاحوا بالقذافي وشكلوا دروعاً منضوية تحت لواء الجيش الليبي) في حربهم ضد خليفة حفتر.

وأعلنت هذه الحكومة في 5 أبريل  2016م مغادرة السلطة وإفساح المجال لحكومة «الوفاق الوطني» برئاسة فايز السراج لتسلم الحكم، ولكنها عادت إلى الواجهة السياسية 14 أكتوبر 2016م وسيطرت قواتها على العاصمة طرابلس بالتعاون مع جهاز الأمن الرئاسي، منتقدين محاولات وأد الثورة الليبية.

٢- حكومة الوفاق الوطني: التي تشكلت في فبراير 2016م بموجب اتفاق الصخيرات (اتفاق سلام وقعه برلمانيون ليبيون يوم 17 ديسمبر 2015م برعاية الأمم المتحدة)، ويقودها فايز السراج، ومقرها طرابلس، وقد دعمها يوم 23 فبراير 2016م حوالي 100 نائب من مجلس نواب طبرق الموالي للجنرال خليفة حفتر.

٣- حكومة طبرق: الموجودة في مدينة البيضاء شرقي ليبيا، ويترأسها عبد الله الثني، وهي متحالفة مع اللواء خليفة حفتر وبرلمان طبرق اللذين تدعمهما القاهرة.

وقد حاول اتفاق الصخيرات تجاوز الحكومة الأولى والثالثة لصالح الثانية، بيد أن التدخلات الدولية والخلافات بين القوى الداخلية المختلفة، والخلاف حول دور حفتر المستقبلي، وعدم وجود جيش حقيقي يدعمها، عرقلت عمل هذه الحكومة.

مصير اتفاق الصخيرات:

ينص الاتفاق الذي وقعه المشاركون في الحوار الليبي بالمغرب يوم 11 يوليو 2015م والذي يسمى «اتفاق الصخيرات» على: تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية، واعتبار برلمان طبرق هو الهيئة التشريعية مؤقتاً، وتأسيس مجلس أعلى للدولة.

ولكن واقع الاتفاق يشير لعدم التزام طرفي المعادلة الصراعية في ليبيا ببنود الاتفاق برغم مرور قرابة عامين على توقيعه، ووقوع عدة خروق في الاتفاقية.

وجاء إصدار مجلس نواب طبرق قراراً بإلغاء توقيعه على الاتفاق عقب هجوم «السرايا» على الهلال النفطي، تحصيل حاصل يعبر عن واقع الاتفاق الذي يترنح، وسبق أن خرقه حفتر بهجومه في سبتمبر 2016م على موانئ النفط.

أبرز الخروقات لاتفاقية الصخيرات من قبل الأطراف المختلفة:

استيلاء قوات حفتر على الهلال النفطي في سبتمبر الماضي، ثم استعادة سرايا الدفاع لها في تحرك عسكري مشابه.

لم يشارك «المؤتمر الوطني العام» بطرابلس (البرلمان القديم قبل تشكيل برلمان طبرق) من الأصل في حفل التوقيع وطالب بإعادة النظر في المسودة التي رفضها.

تركيبة «مجلس الدولة»، في الاتفاق مختلف عليها ولا يعترف به كل برلمان طبرق أو طرابلس، واتفق على معالجتها لاحقاً تفصيلاً دون أن يحدث ذلك.

تنص المادة 16 من الاتفاقية على أن عدد أعضاء مجلس الدولة 135 عضواً وتشترط المادة نفسها أن يحضر أعضاء المجلس بكامل أعضائه، في حين أن من يحضر لا يتجاوز 80 عضواً.

مجلس نواب طبرق الذي أصبح معترفاً به بموجب اتفاق الصخيرات فشل في عقد جلسة للتصويت على حكومة الوفاق أو تعديل الإعلان الدستوري، وانحاز لقوات حفتر ضد وزارة الدفاع في حكومة الوفاق.

تنص الفقرة (8) من اتفاق الصخيرات على الالتزام بأن مجلس النواب في طبرق هو الجهة التشريعية الوحيدة في البلاد خلال الفترة الانتقالية، ولكن المادة (1) من الملحق رقم (4) تنص على أن يصادق مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام على الاتفاق السياسي الليبي، وهو تضارب لأن الاتفاق يعترف ضمناً بوجود برلمانين منذ البداية ولكنه أعطى التشريع لطبرق دون برلمان طرابلس المؤتمر الوطني!

مرتزقة الروس وداعش يضعفان حفتر:

جاء الكشف عن استعانة حفتر بشركات مرتزقة روسية للحرب معه، وكشف تسريبات بثتها قناة الأنباء الليبية لرعايته لتنظيم داعش في مناطق سيطرته ليضعف موقفه السياسي أكثر بعد خسارته الهلال النفطي وزحف الثوار على بنغازي.

فالمحادثات الهاتفية المسربة بين ضابط كبير بقوات حفتر والصحفي الليبي محمود المصراتي رئيس تحرير صحيفة أخبار الحدث، كشفت عن وجود علاقة وتنسيق بين قوات خليفة حفتر وتنظيم داعش في ليبيا، حيث يقول المصراتي للضابط: «خللي جماعة داعش الموجودين بأبو الوليد يرفعون أعلام داعش عشان نصورهم»، فيرد عليه الضابط: «إنت عارف إنهم جماعتنا».

أيضاً جاء الكشف عن دعم شركات المرتزقة للواء خليفة حفتر في ليبيا ليطرح تساؤلات حول أشكال خفية للتدخل الدولي عبر شراء خدمات مرتزقة من تشاد والسودان وروسيا.

واعترف «أوليج كرينيتسين» رئيس شركة المرتزقة (آر.إس.بي) الروسية لوكالة رويتر مؤخراً أن قوة من بضع عشرات من المتعاقدين الأمنيين المسلحين من روسيا عملوا حتى فبراير الماضي في جزء من ليبيا يسيطر عليه القائد العسكري خليفة حفتر، ورفض الإفصاح عن الجهة التي استأجرت الشركة لتوفير المرتزقة.

السيناريوهات المحتملة:

بموجب التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات مستقبلية:

الأول: سعي الأطراف المحلية والإقليمية والدولية لحسم المعركة على الأرض أو محاولة تعظيم المكاسب العسكرية لكل طرف على الأرض، وإثبات سيطرته على البلاد، انطلاقاً من منطقة الهلال النفطي التي تعد بوابة ثوار ليبيا للعودة بعد ثورة حفتر المضادة.

الثاني: تدخل أطراف إقليمية (مصر) ودولية لاستئناف عملية السلام وترميم اتفاقية الصخيرات، وبقاء حفتر والسراج وصالح في مناصبهم لحين عقد انتخابات رئاسية وبرلمانية في موعد أقصاه فبراير 2018م؛ كما دعت لهذا مصر، ولكن المشكلة أن دعم مصر لحفتر عسكرياً يثير توجس قوى ليبية أخرى.

الثالث: إبقاء الوضع على ما هو عليه، من حيث الشد والجذب العسكري والسياسي، لحين إنهاك الطرفين أو تدخل طرف دولي لحسم الصراع لصالح أحد الأطراف وتعظيم مكاسبه السياسية لاحقاً، ومرشح لهذا الدور روسيا التي تدخلت في سوريا لصالح الأسد، وتشير توقعات محللين لاستعدادها للتدخل عن طريق البوابة المصرية في إطار محاولتها إعادة نفوذها في المنطقة العربية عبر سلسلة قواعد عسكرية منها واحدة في ليبيا. والملفت أن هذا كله بموافقة أمريكية!