حقق دعم بلدان العالم الإسلامي لمدينة القدس قفزات نوعية بدأت معالمها تلوح في الأفق خلال السنوات الأخيرة، وبرغم تزايد معدلات الفقر والبطالة بين صفوف المقدسيين وتغول الاحتلال ومضيه قدماً نحو تهويد المدينة ومحاولة سلخها عن محيطها العربي والإسلامي، إلا إن دور الجمعيات والمؤسسات الإسلامية بات يشكل ظهيراً مهماً، من شأنه أن يخفف معاناة المقدسيين ويحافظ على الطابع الإسلامي للمدينة المقدسة.

بدأ تأثير الإسهامات الإسلامية خلال السنوات القليلة الماضية يظهر بشكل واضح في حياة المقدسيين، وذلك على عكس ما كان الحال عليه في السابق، فأغلب المؤسسات الوقفية والجمعيات الإسلامية المعنية بدعم مدينة القدس طورت من برامجها ونوعت من نشاطاتها التنموية، فأخذ الدعم شكلاً تكاملياً، وبات للجنة القطرية لدعم القدس دور ملموس، حيث تهتم اللجنة بالتعليم والصحة وهي على علاقة بالمؤسسات التعليمية والصحية المسؤولة عن أهل القدس، وتقوم بمساعدة الطلاب المقدسيين في إكمال دراستهم حتى مراحل متقدمة، ضمن معايير الحاجة للطالب، ويصل عدد الطلاب المستفيدين إلى ألف طالب في الفصل الواحد، وكما هو معروف فإن القدس تفتقر إلى المؤسسات الصحية العربية وتقوم هذه اللجنة بمساعدة الأهالي في علاجاتهم الصحية.

في سياق متصل، تنشط بعض المؤسسات الخليجية وتقدم دعمها للمقدسيين، فمؤسسة «راف» القطرية نجحت في مايو 2015م في توفير أثاث لبعض المدارس بمبلغ وصل إلى مليون ريال، وقد استفاد نحو 1400 طالب وطالبة من هذا المشروع، الذي ركز على تحسين العملية التعليمية من خلال إنشاء مختبرات حاسوب لبعض المدارس المقدسية وتوزيع حقائب إلكترونية وألواح تفاعلية على المدارس في المدينة. وخلال الأشهر الأخيرة أطلقت عدة جمعيات بحرينية حزمة من المساعدات للمقدسيين ركزت فيها على الجوانب الإنسانية، كمشاريع إفطار الصائمين وتقديم بعض المساعدات لمئات المحتاجين من الأسر المقدسية الفقيرة وغيرها، وقد فتحت العديد من الجمعيات البحرينية باب التبرعات دعماً لمدينة القدس.

من جانبها تسعى المملكة العربية السعودية إلى تثبيت المقدسيين عبر إرسال المزيد من الأموال من خلال القنوات الرسمية الفلسطينية، ويتم تخصيص هذه الأموال لمجالات تنموية، والأمر مشابه بالنسبة للمؤسسات الماليزية التي تهتم بالمؤسسات التعليمية والحالات الإنسانية في مدينة القدس.

الإسهامات التركية هي الأبرز

نجح الدعم التركي في كسب عقول وقلوب المقدسيين، حيث يؤكد الشيخ عكرمة صبري مفتي المدينة وخطيب المسجد الأقصى ذلك قائلاً: «إن الدعم التركي للمدينة المقدسة ساهم في إعمارها عموماً، وعمل على تخفيف معاناة المقدسيين عبر تمويل مشاريع إنسانية واجتماعية».

وقد جاء الدعم التركي لمدينة القدس على مستويات مختلفة ومن خلال برامج تنموية واضحة، وذلك خلافاً للمؤسسات الإسلامية الأخرى، فلم تترك المؤسسات التركية أي قطاع إلا وكان لها بصمة واضحة فيه، ومنذ عام 2005م بدأت المؤسسات التركية تقوم بدور مهم في المدينة المقدسة، فبرغم وصول معدلات الفقر بين المقدسيين إلى نحو 80% إلا إن ثمة جهوداً تُبذل لتثبيتهم وتمكينهم من مواجهة الاحتلال الذي يعمل بكافة الأشكال لتهويد المدينة.

تعتبر مبادرة «وقف أمة» التي أطلقها رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني الشيخ رائد صلاح، من أهم المشاريع التي ساهمت في دعم مدينة القدس، فمنذ تأسيس الوقف في نوفمبر 2013م بمدينة إسطنبول، بات واحداً من أكثر المؤسسات الداعمة لصمود المقدسيين، إذ يشكل هذا الوقف صورة نموذجية للعمل التنموي في خدمة مدينة القدس والحفاظ على هويتها الإسلامية، حيث تلخصت فكرة الوقف في جمع التبرعات من الأتراك والمسلمين عموماً بهدف إنشاء وشراء منشآت فندقية وعقارية وسكنية وسياحية داخل المدن التركية وتخصيص ريعها لمدينة القدس، ويوفر الوقف دعماً مالياً لبرامج تعليمية واقتصادية ومشاريع اجتماعية وصحية، وأخرى تتعلق بالحفاظ على التراث الإسلامي داخل المسجد الأقصى.

يؤكد رئيس مجلس إدارة الوقف «مصطفى دمرجي»، أن الوقف يعمل على إعادة قضية مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك إلى قمة اهتمامات الأمة الإسلامية كأولى وأهم قضايا المسلمين، ويعتبر مشروع «درة 6» أحد أحدث المشاريع الذي تسعى مؤسسة «وقف أمة» لتنفيذها في المدينة المقدسة، إذ يصل إجمالي الدعم لهذا المشروع نحو 18 مليون دولار أمريكي.

لكن ما يميز «وقف أمة» عن غيره أنه الأكثر فاعلية ونشاطاً، فهناك وقفيات أخرى مشابهة كوقفية القدس وغيرها لكنها لم تكن لها أنشطة واضحة على الأرض، حيث اقتصرت إسهاماتها على بعض المساعدات التي يغلب عليها الطابع العشوائي، دون أن يكون لها إسهامات مميزة في مدينة القدس.

لم يتوقف الدعم التركي لمدينة القدس عند قطاعات التعليم والاقتصاد، بل تجاوز الأمر ذلك بكثير حينما أصدر وزير الشؤون الدينية التركي قراراً في أبريل 2014م بشأن بدء برنامج العمرة للأتراك بزيارة المسجد الأقصى، لتبدأ الرحلة بزيارة القدس 3 أيام، تليها 4 أيام في المدينة المنورة في السعودية، ثم 7 أيام في مكة المكرمة.

في السياق ذاته، تنظم عشرات المؤسسات التركية عدة فعاليات وأنشطة تتناول الأبعاد التاريخية والحضارية لمدينة القدس، كما تعمل مؤسسات وقفية أخرى على رعاية المشاريع وتوفير الدخل لدعم القدس وأهلها في مواجهة سياسات التهويد الصهيونية، وقد شهد مطلع شهر أبريل الجاري ملتقى «القدس أمانتي» في مدينة إسطنبول، وعُرضت خلال الملتقى عدة أفكار إبداعية، لكن شهر مايو سيكون الأهم، لأن مدينة إسطنبول على موعد مع انطلاق «الملتقى الدولي الرابع للأوقاف العاملة للقدس»، وذلك بمشاركة 50 مؤسسة وقفية وجمعية خيرية من خارج تركيا، ومن المنتظر أن يكون الملتقى تحت رعاية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يحرص بدوره على دعم مدينة القدس، وسيركز الملتقى على الجانب الاقتصادي للمقدسيين والمساهمة في إعمار المدينة.

تخطى الدعم التركي كل الأفكار التقليدية حينما أقدمت مؤسسة «ميراثنا» على إطلاق عدة مشاريع بدءاً من عام 2013م، فعملت على إعادة ترميم 9 مساجد تعود للعصر العثماني، وتقوم هذه الجمعية وجمعيات تركية أخرى بتقديم عشرات الآلاف من وجبات الإفطار خلال شهر رمضان للمصلين في المسجد الأقصى والعائلات المقدسية الفقيرة، فضلاً عن دورها المهم في دعم التجار المقدسيين المهددين من قبل الاحتلال، حيث تخصص محامين للدفاع عن حقوقهم ومحلاتهم التجارية التي يتم هدمها من قبل الاحتلال، كما أن بعض الجمعيات التركية كانت قد استهلت أنشطتها بتوفير نحو 50 فرصة عمل لربات المنازل الفقيرة، وذلك بهدف دعم صمودهن وتفويت الفرصة على الاحتلال لطردهن وعائلاتهن من المدينة المقدسة.

قلق صهيوني

أبدت تقارير مراكز البحث الصهيونية مزيداً من القلق حيال الدعم الإسلامي والتركي على وجه الخصوص لمدينة القدس والمقدسيين، فوفقاً لدراسة المعهد «الأورشليمي» لشؤون الجمهور والدولة في الكيان الصهيوني، أن المشاريع التركية في المدينة لا تتوقف، حيث دخلت الأموال التركية في مشاريع مختلفة، منها الرياضية والاقتصادية والتنموية والإنسانية، ويظهر التقرير الصهيوني ذلك الدور البارز للوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) التابعة للحكومة التركية.

ووفقاً للتقرير فإن الوكالة تقدم الخدمات للمقدسيين عبر مشاريع خيرية من أهمها، مشروع التأهيل النسوي، وتوفير الغرف الصفية في القدس، وترميم وتأهيل المدارس القائمة، ودعم المدارس بالمختبرات والتقنية الحديثة، وتطوير مرافق وكليات جامعة القدس، وساحات المؤسسات التعليمية، وتأسيس مكتبة ومركز أبحاث التعليم في القدس.

كما حذرت دراسة صهيونية أخرى أعدها الباحث الصهيوني «بنحاس عنبري» من المشاريع التي تقوم عليها مؤسسة قناديل المحبة التركية، حيث تنفذ مشاريع اقتصادية وتعمل على ترميم بعض العقارات التاريخية، إضافة إلى مشاريع التوعية الصحية بين المقدسيين.

ختاماً، ما تزال مدينة القدس بحاجة للمزيد من الدعم الإسلامي، فحجم الإسهامات والمشاريع التنموية في المدينة لا يتناسب مع حجم التضحيات المقدمة من المقدسيين دفاعاً عن المقدسات الإسلامية.