استهدفت الحركة الصهيونية منذ تأسيسها وبعد الشروع في تنفيذ مخططها، وخصوصاً بعد قيام الكيان الصهيوني سياسات الأرض، والتخطيط المدني، والعمراني، والاجتماعي، والديمغرافي، من أجل تحقيق أهداف جيوسياسية في القدس، ومن أجل السيطرة المحكمة والمطلقة على أراضي المدينة وما حولها، وخاصة ما هو في عمق الضفة الغربية، وكذلك إعادة صياغة تاريخ القدس من جديد، عبر إنتاج أسطورة «أورشليم» القديمة واستحضارها بهدف ترسيخ تحويلها إلى عاصمة الكيان الصهيوني الأبدية[1].

ولما كان التعليم هو الحلقة الأقوى في مسلسل الصراع العربي - الصهيوني، فقد عمد الصهاينة إلى تهويد التعليم في مدينة القدس، وتجهيل العرب في هذه المدينة المقدسة، وخلق جيل يهودي يبذل كل غال ونفيس من أجل المحافظة على هذه المدينة والتمسك بها بعد إيهامه بتجذّر انتمائه لها، والحقيقة أن المدارس الحكومية والخاصة في القدس شهدت انتشاراً كبيراً في ظل الحكم الهاشمي، وشمل هذا الازدياد المدارس الثانوية ورياض الأطفال، وكذلك دور المعلمين والمدارس الصناعية والمهنية، أضف إلى ذلك عقد الدورات التدريبية للمعلمين لرفع كفاءتهم وإكسابهم المهارات والأساليب المتطورة في التدريس[2].

لقد فاق الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية احتلاله للأرض والتراب، حيث إنه تعدى ذلك بنيله من كافة مظاهر الحياة الإنسانية والثقافية والسياسية والاقتصادية محاولاً صبغها بلونه التهويدي وبثقافته القائمة على إلغاء الغير. فمنذ سيطرته الكاملة على الأراضي الفلسطينية عام 1967م، أخضع قطاع التعليم لسياسة التجهيل حتى وصلت نسبة التسرب الدراسي لدى الطلبة الفلسطينيين في ثمانينات القرن الماضي إلى النصف تقريباً؛ ما شكّل تهديداً على مستقبل الشعب الفلسطيني. وقد اتخذ عدة طرق وأساليب وصولاً لتلك النتيجة؛ منها منع التعليم من القيام بدوره في المساهمة الفاعلة في التنمية، عبر حرمان القائمين على نظام التعليم من الاحتكاك بالعالم الخارجي، والتعاون مع المجتمع الدولي، بما يعرقل تقدمهم على المستوى الحضاري والإنساني. كما عمد الاحتلال إلى خفض الموازنات الخاصة بقطاع التعليم، وممارسة سياسات الإغلاق بحق المراكز التعليمية[3]. وبالتالي أصبح التعليم في مدينة القدس في غاية الخطورة، بسبب ما يتهدده من أساليب وإجراءات تقوم بها السلطات الصهيونية، تحاول من خلالها طمس كل ما هو فلسطيني في هذه المدينة المقدسة.

محاولات صهينة المناهج:

لقد سعت سلطات الاحتلال لفرض البرنامج التعليمي الصهيوني بصورة تدريجية، عامدة في هذا السياق إلى تشويه الحقائق التي تضمّنتها المناهج المقرّرة من قبل، من ذلك الإساءة لديننا الحنيف وللأنبياء والرسل والحضارة العربية والإسلامية، وتزييف الحقائق التاريخية، وطمس مادة العقيدة الإسلامية وتشويهها، فرأت أن الإسلام هو «مجرد تربية روحية»، وأن تاريخ الإسلام هو تاريخ فتن وكوارث، وحاولت إقناع التلاميذ بالأفكار الصهيونية، وعملت على تغييب السور المتحدّثة عن بني إسرائيل والفساد في الأرض أو السور والآيات التي تحثّ على القتال والجهاد، واستبدالها بتدريس التوراة و«الأساطير اليهودية». وفي مادة الأدب العربي تم تغييب دراسة الشعر العربي في الجزء المتحدّث عن البطولات العربية وعن فلسطين، واعتماد مواد خاصة بما يسمى «الأدب الإسرائيلي» كقصص وروايات صهيونية عن المحرقة وغيرها. أما في مادة التاريخ فتم تقسيم المنهاج المعتمد بتخصيص نصف المناهج للتاريخ العربي كما يكتبه ويراه المؤرخون الصهاينة، والنصف الآخر خصص للتاريخ العبري واليهودي[4].

تعمل سلطات الاحتلال بالطرق كافة للنيل من المنهاج الفلسطيني منذ احتلالها لمدينة القدس عام 1967م وحتى يومنا هذا، ومن أجل تحقيق ذلك تبذل كل ما في وسعها للسيطرة الذهنية على الطلبة الفلسطينيين لتزوير التاريخ الفلسطيني وتغيير معالم الآثار الإسلامية والعربية وطمس الحقيقة واستبدال أسماء المدن والقرى والأنهار بأسماء عبرية مثل «صفات» بدلاً من «صفد»، وجبال «يهودا» بدلاً من جبال «القدس»[5].

عمد الاحتلال الصهيوني إلى إعادة طباعة كتب المناهج الفلسطينية وحذف كل ما له علاقة بالانتماء الوطني الفلسطيني، من ذلك: تعديل المنهج التدريسي في القدس، وتشويه وحذف أجزاء من الكتب الدراسية، وطمس مادة العقيدة الإسلامية، وتغييب بعض السور القرآنية، وتجزئة مادة التاريخ، وتحريف أسماء المدن الفلسطينية بدواعي تحريضية؛ بهدف تهويد وصهينة منهاج التعليم في القدس، بخطوات مدروسة وممنهجة لتجهيل ونشر ثقافة التخلف. فلقد تم حذف: دروس وأبيات شعرية وكلمات وأسئلة وآيات قرآنية ورموز وطنية وكل ما يتحدث عن القضية الفلسطينية وحق العودة والمستعمرات وهجرة الصهاينة لفلسطين والحواجز والانتفاضة والقرى المدمرة، والنضال، وتنمية روح المقاومة والجهاد وتمجيد الاستشهاد والأسرى والتمسك بالأرض والوطن والحس الوطني والانتماء والتراث الحضاري وانتحال الأزياء الفلسطينية وإحراق المسجد الأقصى والقائد صلاح الدين الأيوبي، بل إنهم رفضوا حتى مصطلح «فلسطين التاريخية»، وغير ذلك كثير[6].

نستطيع القول إن الكيان الصهيوني يستمر في تهويد العقل الطلابي عبر تحريف بعض المناهج أو وضع منهج صهيوني بحت، وتنوع ذلك بين اعتماد النشيد الصهيوني بدل الفلسطيني، وتقديم القدس على أنها عاصمة الكيان الصهيوني وليست مدينة محتلة، وأن الفلسطينيين ضيوف مؤقتون على «الدولة العبرية». يأتي ذلك في ظل القرار الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونسكو» في أكتوبر 2016م باستنكار انتهاكات الكيان الصهيوني بحق المدارس في مدينة القدس الشرقية، وإدانة فرض الرقابة على المناهج المدرسية وتحريفها، في توقيت حساس يعكس سرعة وتيرة إضفاء «الهوية الإسرائيلية» على المناهج الدراسية للفلسطينيين، وأثارت اليونسكو إجراءات «إسرائيلية» متسارعة تهدف إلى ضرب العملية التعليمية في القدس وتشويه معالم الهوية الوطنية الفلسطينية وتغيير قناعات الطلاب[7].

لقد عمدت حكومة الاحتلال مؤخراً إلى توسيع نطاق «الاحتلال الفكري» عبر التلاعب بالمناهج الدراسية في القدس، وتهويد عقول الطلاب المقدسيين عن طريق مسح التاريخ الفلسطيني وثقافته بشكل يؤسس لمواطنين تابعين فكرياً وثقافياً وتاريخياً للكيان الصهيوني، وهو ما تطرقت إليه اليونسكو بشكل أثار غضب المسؤولين في الكيان.

ومن ناحية أخرى، مهدت وزارة المعارف الصهيونية لعملية تهويد مناهج القدس مبكراً على مراحل متعددة. وعكست ذلك تصريحات وزير التعليم «نفتالي بينت» في 29 يناير 2016م، ربط خلالها تمويل مدارس القدس بإدخال «المنهج الإسرائيلي» ومسح كل ما هو فلسطيني أو يعبر عن الهوية الوطنية، إضافة إلى تحسين مستوى المدارس والخدمات التي تحصل عليها في حال قررت ترك المنهج الفلسطيني، ووضع الكيان الصهيوني الكثير من العقبات والمطبات في طريق بناء مدارس فلسطينية جديدة أو توسيع المدارس القائمة وبناء غرف إضافية[8].

في الآونة الأخيرة قامت الوزارة التابعة للاحتلال بتوزيع تعليمات على مدارس البلدية التابعة لها في القدس، تتضمن التهديد بفرض عقوبات على كل من يقوم بتدريس كتب المناهج التعليمية غير الكتب الموزعة من مطابع البلدية. وجاء ذلك حينها كرد فعل على قيام لجنة أولياء الأمور بتوزيع الكتب غير المحرفة، كما هددت المدارس التي لا تلتزم بهذا القرار بالإغلاق وفصل معلميها. وحذر خبراء تربويون من تبعات استعمار العقول بالتلاعب بالمناهج، بحيث يصبح الجيل الجديد تابعاً لسياسات تعليمية «إسرائيلية» لا تمت بصلة لتاريخه وفلسطينيته وعروبته، ما يستدعي مواجهة حازمة من خلال استغلال الموقف التاريخي لليونسكو بشأن العملية التعليمية في القدس وتدويل قضية المناهج على نطاق أوسع[9].

تسعى مؤسسات الاحتلال المختلفة وبدعم من حكومة نتنياهو إلى السيطرة المطلقة على قطاع التعليم العربي في القدس، بعد أن تمّ التحكم بنحو 65 في المئة من هذا القطاع، حيث تم فرض المناهج التعليمية على المدارس الابتدائية العربية منذ عام 1968م، وتبعاً لذلك تم استبدال كلمة فلسطين بكلمة إسرائيل والقدس بكلمة أورشليم. وتقوم وزارة المعارف الصهيونية بتزوير التاريخ والجغرافيا، من خلال وضع مناهج تعليمية للطلاب العرب في القدس[10].

ويشار إلى أن البرامج التي تدرس للأقلية العربية داخل الخط الأخضر هي ذاتها التي باتت تدرس في المدارس العربية في مدينة القدس، وتفرض على الطلاب مفاهيم ومصطلحات تتلاءم مع ترسيخ فكرة يهودية الكيان الصهيوني، إضافة إلى احتمال تهويد مئات الأسماء العربية المتداولة في المدينة التي تشهد نشاطاً استيطانياً محموماً منذ تشكيل حكومة نتنياهو الرابعة قبل أكثر من عام، فضلاً عن اقتحامات لم تتوقف لباحات المسجد الأقصى من جانب المستوطنين وبحراسة الجيش وشرطة الاحتلال. وظهر جلياً أن الكيان الصهيوني يحاول التضييق على الطلبة العرب في القدس لإجبارهم على تركها للاستئثار بخيارات التعليم، الأمر الذي يعرضهم للترانسفير من مدينتهم تبعاً للقوانين الصهيونية الجائرة المشار إليها سابقاً.

ومن الضروري إظهار حجم معاناة الطلبة المقدسيين، بسبب السياسات الصهيونية المبرمجة ضد قطاع التعليم خلال احتلال مديد، فثمة اكتظاظ شديد في الصفوف المدرسية في غالبية المدارس على فترتين، وهناك نقص حاد في المختبرات في المدارس العربية، ناهيك عن ضعف التجهيزات الرياضية، وكذلك النقص الواضح في أعداد المعلمين، وتمنع سلطات الاحتلال منذ عدة سنوات تحديث وبناء غرف إضافية أو مدارس للطلبة العرب، الأمر الذي يحول دون استيعاب الطلبة الجدد عبر النمو الطبيعي للسكان الذي يزيد عن 3٪ سنوياً، وتبعاً لذلك فإن قطاع التعليم في القدس بحاجة إلى مئات الغرف لاستيعاب ١٠ آلاف طالب هم الطلاب الجدد سنوياً[11].

إن هذه المخططات الصهيونية الماكرة الهادفة إلى غرس وتعزيز الفكر الصهيوني الدموي في عقول ونفوس الطلاب ليست وليدة اللحظة، خاصة أن وزارة المعارف الصهيونية تدس في المناهج الدراسية الكثير من الافتراءات والأكاذيب، وبالتالي يجب على الجميع الوقوف أمام هذه المخططات الخبيثة، فلا بد من تشكيل جبهة فلسطينية عربية إسلامية من أجل مواجهة هذه المخططات العنصرية، والعمل على توفير الحماية والدعم والمساندة لأهلنا المرابطين في القدس، خاصة أن القدس في هذه الأيام بأمس الحاجة للدعم العربي والإسلامي وسط ما تحياه من تهويد ومشاريع استيطانية تحيط بها من كل جانب.

خاتمة

نستطيع القول إنه وبناء على هذه المعطيات نجد أن الاحتلال بات يتحكم بنسبة كبيرة من الجهاز التعليمي في القدس، ما يؤشر على حجم الكارثة المحدقة بعقول أبنائنا في المدينة المقدسة. حيث إن المعضلة الأهم في إخفاقنا جميعاً في الوقوف أمام أيّ هجمة من هجمات المحتل على مدينة القدس هو غياب المرجعية التي تلتف حولها جماهير المدينة، وهذا يعني غياب أي برنامج وطني شامل يكفل بالحد الأدنى أن يحافظ على ما تبقى لنا بهذه المدينة المنكوبة.

إن كانت القدس وما زالت تمثل لنا كفلسطينيين بوصلة الصراع وجذوته التي لا تنطفئ، فلا أقل من العمل ليل نهار من المخلصين لها على توحيد الجهود لإيجاد مرجعية محترمة تباشر عملها في قيادة الحالة المقدسية، ولإيجاد حلول تحول دون وصول المحتل إلى العقل المقدسي وصهينته، وهذا لربما يكون من الصعب حدوثه الآن في ظل حالة الانقسام الحاصلة وانحطاط الوسط السياسي لمستنقعات المصالح التنظيمية والفئوية الضيقة.


 


[1] يوسف رفيق جبارين، التخطيط الإسرائيلي في القدس: إستراتيجيات السيطرة والهيمنة، ط1، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، رام الله، 2016م، ص 9.

[2] محمد الحوراني، تهويد التعليم العربي في القدس، موقع مؤسسة القدس للثقافة والتراث، 27/3/2011م، للتفاصيل: (https://goo.gl/GxQC7r).

[3] غسان وشاح، المناهج التعليمية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال: فمن يربح، موقع إضاءات، 24/10/2016م، للتفاصيل: (https://goo.gl/eJ2Yk2 ).

[4] محمود القدرة، أثر وجود الاحتلال الإسرائيلي على التعليم في القدس، موقع مجلة البيان، 29/12/2013م، للتفاصيل: (https://goo.gl/ljJ89B ).

[5] ديمة السمان رئيسة وحدة شؤون القدس، التعليم في القدس والاعتداء على المناهج الفلسطينية، وزارة التربية والتعليم العالي، فلسطين.

[6] التعليم في القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي، مؤتمر القدس السادس، مؤسسة القدس الدولية، 2012م، ص297.

[7] أحمد حافظ، إسرائيل تنتقل من احتلال الأرض إلى «احتلال» هوية طلاب المدارس، صحيفة الجمهورية، العدد: 10435، ص17.

[8] المرجع السابق.

[9] المرجع السابق.

[10] نبيل السهلي، تهويد التعليم في القدس، موقع الحياة، 24 أغسطس ٢٠١٦م، للتفاصيل: (https://goo.gl/rKYBE7 ).

[11] المرجع السابق.