رئيس تحرير مجلة «إنسايت تركي»، ومنسق وحدة الدراسات والبحوث الاجتماعية بمركز «سيتا»

أجرى الحوار: محمود الرنتيسي

البيان: ما تعليقكم على نتيجة التعديلات الدستورية في تركيا، وهل ترون أنها تتجه بتركيا نحو الاستقرار أم لا؟

ستسهم نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تحقيق الاستقرار في تركيا؛ حيث إنها توفر الاستقرار السياسي ومعها تقل احتمالات عدم الاستقرار، كما أن هذا يسهل على الحكومة البدء في برامج الإصلاح الاقتصادي وإعطاءها أولوية، كما أن خروج النتيجة لصالح نعم بنسبة منخفضة يحفز حزب العدالة والتنمية على أخذ التدابير اللازمة لإرضاء الناخبين غير الراضين عن حكومته، وبهذا يتم السير في طريق بدء الإصلاح الاجتماعي الاقتصادي من جديد، وهذا يزيد رفاهية الناس ويدعم الاستقرار المجتمعي.

البيان: هل صحيح أن تركيا ستتجه أكثر نحو الشرق بعد الاستفتاء؟

ستكون أول زيارة خارجية للرئيس أردوغان بعد الاستفتاء إلى الهند ثم إلى الصين، إذ تعلمون أنه في السنوات القليلة الماضية تم شن حملة خطيرة ضد الرئيس أردوغان وتركيا في الدول الغربية. وتم استهداف أردوغان وتركيا، ويرجع ذلك إلى تصدير الغرب لمشاكله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ومحاولة حلها عن طريق دفع تركيا لفاتورة هذه المشاكل. لقد جعلت أوربا الموضوع الرئيس لها هو الحملة الانتخابية في تركيا. هم حالياً يجمعون كراهية الأجانب مع كراهية الإسلام ويضيفون إليها العداء لتركيا. لذا فتركيا ورئيسها رجب أردوغان يريدون فضاء سياسياً بديلاً، فإلى جانب العلاقات الصاعدة والنازلة مع روسيا فقد بدأ النظر إلى آسيا كبديل أكثر استقراراً. وإذا تعاونت تركيا مع دول مثل الصين واليابان والهند اقتصادياً فإن ذلك سيعود بالضرر الفادح والخسائر الاقتصادية على الدول الغربية. وهذه سياسة عقلانية وواقعية، فتركيا ليست بلداً رهيناً للغرب؛ وعليها أن تستمر في طريق إيجاد وتطوير البدائل.

البيان: ما هي تأثيرات التحول للنظام الرئاسي على العلاقات العربية - التركية وخاصة الخليجية؟

لن يؤثر النظام الرئاسي على علاقات تركيا مع دول الخليج بعمق شديد. لقد تغيرت طريقة «نظام الحكم» في تركيا وليس النظام، ولكن نتائج الاستفتاء صبت في صالح الرئيس أردوغان الراغب في تحسين العلاقات مع دول الخليج، وأصبح بهذا أكثر قوة. وقد أطلق أكثر من عملية للتعاون مع الخليج لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة. وأيضاً ازداد الاعتماد المتبادل بين الجانبين في الآونة الأخيرة. وأصبح التعاون المشترك ضد التهديدات الإقليمية العالمية ضرورة. لذلك أعتقد أننا سنصل إلى نقطة أفضل من العلاقات الحالية.

البيان: كيف ستكون طبيعة العلاقة بين الرئيس والجيش في النظام الرئاسي؟

لقد بدأت العلاقة بين الجيش والرئيس بالفعل بالتغيير. خاصة بعد محاولة الانقلاب العسكري الأخيرة. وتم القيام بعمليات تطهير جدية للجيش من ضباط جماعة غولن. لقد أعيد تشكيل هيكل الجيش وكذلك المؤسسات التعليمية العسكرية، وتم الاستغناء عن المؤسسات القضائية العسكرية جنباً إلى جنب مع التعديلات الدستورية الأخيرة وأعلن الجيش رفع الأحكام العرفية، وقد كانت واحدة من أدوات التدخل في السياسة. بعد ذلك، سيتم ربط الجيش مباشرة بالرئيس سياسياً وإدارياً ورمزياً. ومع تعزيز المؤسسات السياسية الديمقراطية يجب أن يقوم الجيش بفعل المزيد من العمل والتطوير في مجالات عمله. ولهذا فإن العلاقات المدنية السياسية والعسكرية ستكون أكثر استقراراً.

البيان: ما هو مستقبل التدخل التركي في سوريا ومشاركتها في عملية الرقة؟

تدخلت تركيا بإرادتها السياسية في سوريا ومن المحتمل أن يكون لها تدخلات مماثلة. تدخل تركيا في الرقة سببه يرجع أكثر لدور كل من حزب الاتحاد الديمقراطي ومليشياته. سياسياً، ستواصل تركيا العمل بشكل أكثر قوة واستقراراً لمكافحة الإرهاب. وتدل زيادة التأييد الذي أعطاه الأكراد في تركيا لأردوغان في الاستفتاء الأخير على تأييدهم له في معركته ضد الإرهاب وستعتمد تركيا على مواردها الذاتية في هذا النضال. وبهذا ستكون أقوى عند الجلوس على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة.

البيان: كيف ستكون الحياة الحزبية في تركيا بعد الاستفتاء؟

بعد الاستفتاء من المتوقع أن يكون هناك تغيرات مهمة على الهيكل المستقبلي للأحزاب السياسية في تركيا. وسوف يظهر لنا أكثر من مرشحين لانتخابات الرئاسة. وبناء على تغييرات محتملة في القوانين هناك احتمالات لدخول عدد من الأحزاب الصغيرة للبرلمان. حتى في ظل النظام البرلماني الحالي يمكن أن يزداد عدد الأحزاب. لأنه فيما بعد لن يكون اختيار الرئيس مرتبطاً بالبرلمان. وما يحدد في أي اتجاه ستكون التغييرات هو كيفية عمل النظام الانتخابي.

البيان: كيف تقرؤون زيادة نسبة الأكراد المؤيدين للتعديلات الدستورية؟

شهدت أصوات الأكراد في الاستفتاء تغيراً كبيراً. في العمليتين الانتخابيتين الماضيتين في المحافظات الكردية حصل تدهور خطير في التصويت لحزب العدالة والتنمية، ولكن من خلال حساب الأصوات لصالح نعم يبدو أن هناك ارتفاعاً ما بين 10 و20٪ لصالح العدالة والتنمية، وقد أثرت الزيادة في أصوات الأكراد في نتيجة الاستفتاء في المحافظات الشرقية والغربية بطريقة حاسمة. وبهذا يمكن أن نقول إن الأكراد لا يريدون الانفصال عن تركيا. وبالنسبة للتركيبة السكانية فإن الأكراد ليسوا فقط في المقاطعات الشرقية بل هم موجودون في المحافظات الغربية مثل إسطنبول وأزمير ويؤكدون أنهم جزء لا يتجزأ من السياسة العامة. ثانياً، يدل ذلك على إفلاس حزب العمال الكردستاني في نقل الصراع إلى المدن. وقد أدى نقل الصراع بين حزب العمال الكردستاني والدولة إلى المدينة إلى أضرار كثيرة على الأكراد. ثالثاً، تظهر نتيجة الاستفتاء انخفاض تأثير أكراد شمال سوريا على أكراد تركيا. بعد أحداث كوباني ظهرت سلوكيات على كلا الجانبين تماهت مع رغبة حزب العمال الكردستاني، ولكن هذا أصبح من الماضي. رابعاً، لن تتحاور الدولة فقط مع تنظيم دولة حزب العمال الكردستاني وأنصاره من أجل حل القضية الكردية، ولكنها سوف تناقش هذا مع الأطراف والجهات الفاعلة الأخرى. إذا أنشئت طاولة حوار للحل، لا بد أنها سوف تكون أوسع. وأخيراً، فإن الدولة ستعمل بعد الاستفتاء على اتخاذ تدابير أمنية في المنطقة الكردية لاستمرار عملية بناء الثقة بين الدولة والكرد، حيث ستهتم بالمشاريع التي من شأنها تحسين الرعاية الاجتماعية ورفاهية مواطنيها في جميع المناحي مع استمرار الدولة بمحاربة الإرهاب.

البيان: كيف تنظرون إلى العلاقات الأمريكية - التركية في المستقبل هل تعتقدون أن ترمب سيسلم غولن وسيفضل تركيا على الأكراد؟

لا أتوقع تطبيع العلاقات التركية - الأمريكية في وقت قصير. لكن ترمب المعارض لسياسة واشنطن السابقة قد يتبع سياسة مختلفة مع تركيا. لا تزال المؤسسات الأمريكية التقليدية تمارس السياسة نفسها ضد تركيا. قال ترمب إنه سيقوم باتباع سياسة أكثر واقعية وسيقوم بتغيير سياسة العلاقات مع الحلفاء التقليديين. ومع ذلك، لم تحصل نتيجة ملموسة حتى الآن. وبرغم كل شيء، أعتقد أن أهم مسألتين في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا هما حزب العمال الكردستاني، وجماعة غولن. والولايات المتحدة تقدم الدعم لكلا المنظمتين. وفي هذه القضايا طالما استمرت المخاوف الأمنية الوطنية لتركيا لا يمكن توقع أن تقدم أي تنازلات. عندما نرى انخفاض الوزن النسبي لهذه القضايا في سياسة الولايات المتحدة فمن المرجح أن تتزحزح هذه القضايا.

البيان: ما هي خيارات تركيا في سوريا وهل تستطيع الصمود في وجه الضغط الغربي؟

هناك العديد من القضايا الرئيسة التي استدعت تدخل تركيا في سوريا منذ بداية الأزمة، كما أن تلك القضايا لا تزال ماثلة حتى اليوم. أولاً إنهاء المأساة البشرية، وإزالة المظالم التي يتعرض لها الشعب السوري، ولهذا فتحت تركيا حدودها واستوعبت 2.7 مليون شخص. ولكنها أيضاً تريد اتخاذ التدابير اللازمة لمنع وقوع موجة جديدة من اللجوء. وإنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا يسهم في هذا. وثانياً، لا تريد تركيا أن يكون للرئيس السوري وجود في مستقبل سوريا. ثالثاً، حماية وحدة أراضي سوريا، وأيضاً منع قيام دولة كردية في شمال سوريا، فالدولة الكردية الشمالية هي خط أحمر بالنسبة لتركيا. وفي هذه المواضيع كلها في الآونة الأخيرة يوجد تقارب بين الرؤى في السياسة الأميركية والتركية، وخاصة في القضيتين الأولى والثانية. وما زال هناك خلاف حول القضية الثالثة، وتركيا تريد أن تعمل جنباً إلى جنب مع الجهات الفاعلة الإقليمية، وخاصة مع دول الخليج. وإذا كانت الحكومات الإقليمية ستدعم موقف تركيا فإن الدول الغربية سوف تتقبل موقف تركيا. وإلا فإن المعركة بين القوى العالمية ستستمر على الجبهة السورية. ومن وجهة نظري إن تركيا نجت من الأوقات الصعبة وأتوقع أن تتحرك بشكل أكثر راحة في المستقبل.