(*) مجلة البيان: تبدأ المجلة بإذن الله تعالى زواية «آفاق تربوية» للكاتب والمختص بالشأن التربوي الأستاذ فايز الزهراني، الذي تميزت مقالاته وكتبه بأنها تلامس احتياجات المجتمع وخاصة المجتمع الدعوي، وأنها تسير وفق هدي القرآن والسنة والسلف الصالح رضوان الله عليهم، نسأل الله أن ينفع بها ويجزي الكاتب خيراً.

 

 

قال عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري: «جاء عبد الله بن شداد، فدخل على عائشة، ونحن عندها جلوس، مرجعَه من العراق لياليَ قُتل علي، فقالت له: يا عبد الله بن شداد، هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ تحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي؟

قال: وما لي لا أصدُقك؟ قالت: فحدثني عن قصتهم.

قال: فإنَّ علياً لما كاتب معاوية، وحكَّم الحكمين، خرج عليه ثمانيةُ آلافٍ من قراء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها: حروراء، من جانب الكوفة، وإنهم عتبوا عليه، فقالوا: انسلختَ من قميصٍ ألبسكه الله، واسمٍ سماك الله به، ثم انطلقت فحكَّمت في دين الله، فلا حكم إلا لله.

فلما أنْ بلغ علياً ما عتبوا عليه، وفارقوه عليه، فأمر مؤذناً فأذن: أن لا يدخل على أمير المؤمنين إلا رجل قد حمل القرآن. فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس، دعا بمصحف إمام عظيم، فوضعه بين يديه، فجعل يصكُّه بيده ويقول: أيها المصحف، حدِّث الناس.

فناداه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين! ما تسأل عنه إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما رُوِينا منه، فماذا تريد؟

قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا، بيني وبينهم كتاب الله، يقول الله في كتابه في امرأة ورجل: {وَإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35] فأُمَّة محمد أعظم دماً وحرمة من امرأة ورجل. ونقموا عليَّ أنْ كاتبتُ معاوية: كتبَ عليُّ بن أبي طالب، وقد جاءنا سهيل بن عمرو، ونحن مع رسول الله بالحديبية، حين صالح قومه قريشاً، فكتب رسول الله: (بسم الله الرحمن الرحيم). فقال سهيل: لا تكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال: (كيف نكتب؟). فقال: اكتب باسمك اللهم. فقال رسول الله: (فاكتب: محمد رسول الله). فقال: لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك. فكتب: (هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً)، يقول الله في كتابه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّـمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

فبعث إليهم عليٌّ عبدَ الله بن عباس، فخرجت معه، حتى إذا توسطنا عسكرهم، قام ابن الكوَّاء يخطب الناس، فقال: يا حملة القرآن! إن هذا عبد الله بن عباس، فمن لم يكن يعرفه فأنا أُعَرِّفُه من كتاب الله ما يَعْرِفُه به، هذا ممن نزل فيه وفي قومه: {قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] فرُدُّوه إلى صاحبه، ولا تُواضِعوه كتاب الله.

فقام خطباؤهم فقالوا: والله لنواضِعنَّه كتاب الله، فإن جاء بحق نعرفه لنتبعنه، وإن جاء بباطل لنُبكِّتنه بباطله.

فواضعوا عبد الله الكتاب ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب، فيهم ابن الكواء، حتى أدخلهم على عليٍّ الكوفة.

فبعث علي إلى بقيتهم، فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، فقفوا حيث شئتم، حتى تجتمع أمة محمد، بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دماً حراماً، أو تقطعوا سبيلاً، أو تظلموا ذمة، فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء، إن الله لا يحب الخائنين.

فقالت له عائشة: يا ابن شداد، فقد قتلهم؟

فقال: والله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل، وسفكوا الدم، واستحلوا أهل الذمة.

فقالت: آلله؟

قال: آلله الذي لا إله إلا هو لقد كان»[1].

العقول الفارغة:

«الجماهير غير ميالة كثيراً للتأمل، وغير مؤهلة للمحاكمة العقلية، ولكنها مؤهلة جداً للعمل والانخراط»[2]. هكذا هم عموم الناس؛ إنْ لم يكن لهم نصيب من التربية النقدية التي أسهم المنهج الإسلامي في تنميتها وتهذيبها.

الذين خرجوا على الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسبب مسألة التحكيم كثيرون، بل إنَّ الرواية هذه إنما تحصي عدد «القراء»، وهم حفاظ القرآن والمكثرون من العبادة والتقشف من الخوارج، والذين كانوا في مقدمة الخوارج، والذين نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم  في الحديث بقوله: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»[3]. وفي الرواية الأخرى قال صلى الله عليه وسلم : «يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ قتلهم أجرٌ لمن قتلهم يوم القيامة»[4]. قال ابن حجر رحمه الله: «كان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدُّون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك»[5].

وحتى نكون منصفين.. فإن القراء الخوارج لم تكن مشكلتهم في ذات التعبد، ولا في تسليمهم للنص القرآني واجتهادهم في حفظه، بل كانوا فيهما في غاية الاهتمام. إنَّ مشكلتهم الرئيسة تكمن في انعدام آلة الفقه والطرائق الخاطئة في فهم النصوص، والإخفاق في تأويل النصوص وتنزيلها في الواقع، لذلك كان الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما «يراهم شرار خلق الله: انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين»[6].. تسلسل منطقي، لكنه في الاتجاه الخاطئ.

بل لو تأملت صريح الحديث لعلمت ذلك، حيث نص على أنهم «سفهاء الأحلام»، أي العقول. قال ابن تيمية رحمه الله: «وكانت البدع الأولى مثل بدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن: لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب؛ إذا كان المؤمن هو البر التقي. قالوا: فمن لم يكن براً تقياً؛ فهو كافر، وهو مخلد في النار. ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين، لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله»[7].

إذا تبين لك ذلك، ثم علمت من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم  بأنهم يأتون في آخر الزمان أدركت أنَّ هذا المسلك شأن يتكرر مع تعاقب الأزمان، وأدركت خطورة الميدان الذي تكبو فيه هذه الجياد، وهو العقل والآلة التي تعمل فيه وهي آلة التفكير الناقد.

هذه الحالة الرديئة لم تطل أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم تطل أصحابَ أصحابه الذين تلقوا العلم والإيمان على أيديهم، لأن التربية النبوية وتربية الصحابة كذلك اعتنت بجانب الفقه والفهم وآليات التفكير، بخلاف الخوارج، قال ابن حزم رحمه الله: «كانوا أجلافاً أعراباً قرأوا القرآن قبل أن يتفقهوا في السنن الثابتة عن رسول الله، ولم يكن فيهم أحد من الفقهاء، لا من أصحاب ابن مسعود، ولا أصحاب عمرو ولا أصحاب علي ولا أصحاب عائشة ولا أصحاب أبي موسى ولا أصحاب معاذ بن جبل ولا أصحاب أبي الدرداء ولا أصحاب سلمان ولا أصحاب زيد وابن عباس وابن عمر، ولهذا تجدهم يكفِّر بعضهم بعضاً عند أقل نازلة تنزل بهم من دقائق الفتيا، وصغارها»[8].

لقد كان من السهل جداً أنْ تجد صفوف الخوارج آنذاك صدى واسعاً لدعاوى ومقالات ومؤامرات عبد الله بن سبأ اليهودي؛ الذي أظهر إسلامه وحبه الشديد لعلي بن أبي طالب، ليخدع الجماهير بذلك.

إنها الجماهير حين تفقد الآلة التي تميز بها الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والحقائق من الآراء والانطباعات، فإنها تُسلم زمامها لمنْ يعبث بأفكارها وسلوكها.

العقل الناقد في مواجهة الإعلام القائد:

إننا اليوم أمام طوفان من الأفكار والمعلومات والآراء، تتدفق بلا توقف من الوسائط الإعلامية المختلفة، التي تقوم بتشكيل عقول الشاب المسلم من الجنسين بلا وعي ولا رحمة ولا موضوعية. إنه غالباً ما يعزف على وتر الخيال والأوهام، ويقدم أطروحاته وهو واثق من القدرة التأثيرية على جماهيره.

«إنَّ الخيال الخاص بالجماهير - كخيال كل الكائنات التي لا تفكر عقلانياً - مهيأ لأنْ يتعرض للتأثير العميق، فالصور التي تثيرها في نفوسهم شخصية ما أو حدث أو حادث ما لها نفس حيوية وقوة الأشياء الواقعية ذاتها. ولما كانت الجماهير غير قادرة لا على التفكير ولا على المحاكمة العقلية فإنها لا تعرف معنى المستحيل، أو المستبعد الحدوث، ولما كانت الجماهير عاجزة عن التفكير إلا بواسطة صور فإنه لا يمكن جذبها والتأثير عليها إلا عن طريق الصور، ووحدها هذه الأخيرة ترعبها أو تجذبها، وتصبح باعثاً على العمل والممارسة. ولهذا السبب فإن التمثيلات المسرحية التي تقدم الصور بصيغتها الأكثر وضوحاً لها دائماً تأثير ضخم على الجماهير»[9].

وضمن تقرير وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي الصادر عن قمة رواد التواصل الاجتماعي العرب 2015م: 63% من العينة يقولون: أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تغييراً كلياً في حياتي! و44% يقولون: أنا أثق في وسائل التواصل الاجتماعي! إنَّ قيادة العواطف فوق ما نتصور.

كل يوم تزداد قدرة الإعلام على التأثير على جماهير الناس، إذ لا ينفك عن تطوير أدواته وتقنياته، في منافسة شديدة بين أساطينه ودهاقنته، على استقطاب أكبر عدد من هذه الجماهير، ثم هو يصبُّ أطروحاته في تلك القوالب المتعطشة المأسورة.

لقد أصبحت حماية الشباب من سطوة الإعلام واجباً تربوياً، لا يمكن تأخيره ولا تأجيله ولا الاستهانة به، للعودة بالعقول الشابة إلى مواقعها الحقيقية، ولفك أسارها، كما فعل القرآن الكريم بالذين خلعوا ثياب الجاهلية واكتسوا بلباس الإسلام، قال الله تعالى: {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]، حيث حررهم من الضغوط الفكرية حينها، وأطلقهم في فضاء الوحي، تأملاً وتفكيراً واتباعاً وإبداعاً.

لقد كان واضحاً منذ فجر الدعوة المحمدية أنَّ العقل مسارٌ من مسارات التربية الإسلامية، وحقلٌ من حقول الغرس الجديد.

في سياق قصة موسى مع فرعون لفت القرآنُ عنايتنا إلى مسألة استخفاف فرعون بعقول الجماهير حتى أطاعوه، وأنهم بطاعتهم له وخضوعهم لسلطة التزييف الإعلامي لم يعودوا صالحين: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54]، قال السعدي رحمه الله: «استخف عقولهم بما أبدى لهم من هذه الشبه، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا حقيقة تحتها، وليست دليلاً على حق ولا على باطل، ولا تروج إلا على ضعفاء العقول. فأيُّ دليلٍ يدل على أن فرعون محق، لكون ملك مصر له، وأنهاره تجري من تحته؟ وأيُّ دليل يدل على بطلان ما جاء به موسى لقلة أتباعه، وثقل لسانه، وعدم تحلية الله له؟ ولكنه لقي ملأ لا معقول عندهم، فمهما قال؛ اتبعوه، من حق وباطل»[10].

سلفٌ يعتمدون التربية النقدية:

بمعنى أوضح؛ فإنَّ مشكلة هؤلاء الخوارج هي أنهم كانت تنقصهم بعض المفاهيم والاتجاهات والمهارات الواجب توفرها في المخرج التربوي في منهج التربية الإسلامية، ومن أهمها: التفكير النقدي الذي يعنى بفحص الأمور وتدقيقها، وسبر أسبابها ونتائجها، وتمييز رديئها من حسنها، وهو ما كان ينميه نبينا صلى الله عليه وسلم  في أصحابه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «هل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «فما ألوانها؟» قال: حمر. قال: «هل فيها من أورق؟» قال: إن فيها لورقاً. قال: «فأنى أتاها ذلك؟» قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: «وهذا عسى أن يكون نزعه عرق»[11].

لقد تولَّد لدى هذا الرجل انطباع سلبي تجاه زوجته وابنه، بسبب باعثٍ منطقي يوحي بذلك، لكن النبي صلى الله عليه وسلم  من خلال المحاكمة العقلية اليسيرة، وبإجراء من إجراءات التفكير الناقد استطاع أنْ يبدد هذا الانطباع المتوهم.

وهو أيضاً ما كان ينميه أصحابه في أصحابهم وكذا التابعون، قال الشاطبي في معرض حديثه عن الاجتهاد القياسي، والمسمى بـ«بتخريج المناط» والمبني على إثبات العلة بالسبر والتقسيم: «وإلى هذا النوع يرجع الاجتهاد المنسوب إلى أصحاب الأئمة المجتهدين؛ كابن القاسم وأشهب في مذهب مالك، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن في مذهب أبي حنيفة، والمزني والبويطي في مذهب الشافعي. وقد قبل الناس أنظارهم وفتاويهم، وعملوا على مقتضاها، خالفت مذهب إمامهم أو وافقته، وإنما كان كذلك لأنهم فهموا مقاصد الشرع في وضع الأحكام، ولولا ذلك لم يحل لهم الإقدام على الاجتهاد والفتوى»[12]. والاجتهاد القياسي يعتبر تطبيقاً فذاً من تطبيقات التفكير النقدي، فالسبر في لغة الأصوليين هو إبطال كل علة عُلل بها الحكم إلا واحدة[13]. فهو بهذا الحجم من المعالجة العقلية المتضمنة استقراء جميع العلل المحتملة، ثم اختبارها جميعاً، ثم ترشيح واحدة منها فقط وإبطال ما عداها بطريقة موضوعية؛ يعتبر جهداً ضخماً ومهارة عالية، وهذا يجلي لك الصورة التي كان التابعون وأتباعهم يتربون عليها.

قول قراء الخوارج: «لا حكم إلا لله»، حقيقة لا مراء فيها، لكن الرأي والنتيجة التي توصلوا إليها كانت خاطئة، حيث رأوا أنَّ علياً ترك تحكيم القرآن. والذي قام به علي بن أبي طالب وابن عباس في هذا السياق هو محاكمة ادعاءاتهم عقلاً. وابن عباس بهذه القوة العقلية إنما كان ترجماناً للقرآن وإماماً في فهم تأويله، فكانت تلك القوة العقلية نتيجة للتربية القرآنية.

في مأثور القول عن علي بن أبي طالب وهو يحكي واقعاً مريراً يتكرر عبر الأزمان: «الناس ثلاثة: عالمٌ ربانيَّ، ومتعلمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاعٌ أتباعُ كل ناعقٍ، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق»[14]. وعليك أنْ تلاحظ في هذا الأثر الارتباط العكسي بين ضعف العقلية النقدية من جهة، ومن جهة أخرى التعليم الصحيح، فأنت إما أنْ تكون عالماً أو متعلماً أو لا تستطيع أنْ تفكر تفكيراً ناقداً يجعلك تميز بين صحيح الأمور ورديئها. وهي إشارة جلية في كون التعليم الصحيح المسبب للنجاة محتوياً على أدوات التفكير النقدي اللازمة لتصحيح المسارات وتمييزها، ولذلك كانت مادة النقد بارزة في فنون الشريعة.

الدراما والأخبار والتقارير والأفلام الوثائقية التي تعرض اليوم على عقول الجماهير غير سالمة من فكرة موجهة، تقتحم الوجدان وتعبث بالأفكار، بطريقة أشبه ما تكون بتسرب المياه بين الحجارة والصخور، لتصل إلى العمق والباطن.

وتحصين الناس من هذا الاقتحام الناعم مهمة المربين والمربيات على وجه التحديد، في أي موقع كانوا.

تطبيقات التربية النقدية:

كانت الطريقة التي أيقظ بها الخليفةُ علي بن أبي طالب رضي الله عنه القراءَ حينها ملفتة للانتباه، حين طلب من المصحف أنْ يتكلم، فأنكروا عليه ذلك! لقد أيقظ في عقولهم بداهة كانت غائبة، وهي أنَّ تحكيم القرآن يحتاج إلى رجل، وهذا سر مسألة التحكيم.

كم تحتاج برامجنا ومشاريعنا التربوية إلى إيقاظ البدهيات الغائبة؟ وتدريب الشباب على التفريق بين الحقائق والآراء؟ والتعرف على المغالطات المنطقية ومصداقية المصادر المعلوماتية؟ والقدرة على استخدام قواعد الاستدلال وإصدار الأحكام؟

وفي الحديث الآنف الذكر حين قال صلى الله عليه وسلم : «وهذا عسى أنْ يكون نزعه عرق» تربية على فحص الأسباب والنتائج والتحقق من صحة الاستنباطات.

ومهارات التفكير النقدي يمكن أنْ تنحصر في ثلاث فئات أساسية[15]:

مهارات التفكير الاستقرائي.

مهارات التفكير الاستنباطي.

مهارات التفكير التقييمي.

وفي كل فئة من هذه المهارات ما يوجب على المربين أنْ يعتنوا بها في برنامجهم التربوي وأنْ يُدربوا عليها الجيل الناشئ ويربوهم عليها، إذ تمثل المسار الصحيح في توجيه العقل وجهة صحيحة لا غلو وفيها ولا جفاء.

وأول ما يجب على المربين في هذا الإطار أن «يراقبوا أنفسهم في تواصلهم مع الطلبة وفي معالجاتهم للمشكلات والأسئلة التوضيحية، حتى يكون سلوكهم - أعني المربين - نموذجاً يحتذى به من قبل طلبتهم وهم يمارسون عملية التفكير، كما يجب عليهم أنْ يتابعوا استجابات طلبتهم وحواراتهم بكل اهتمام، ويتوقفوا لمناقشتهم كلما دعت الحاجة إلى تأكيد أهمية واحد أو أكثر من معايير التفكير الناقد، حتى يتمثلوها حاجة أساسية لسلامة تفكيرهم»[16].

لقد تكرر في كتاب الله تعالى مواجهة المشركين بطلب الحجة الصحيحة على صدق دعاويهم التي فشت في أوساطهم حتى صارت ديناً يدينون به. من ذلك قوله تعالى: {أَلا إنَّهُم مِّنْ إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ 151 وَلَدَ اللَّهُ وَإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 152 أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ 153 مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ 154 أَفَلا تَذَكَّرُونَ 155 أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ 156 فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ 157 وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْـجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْـجِنَّةُ إنَّهُمْ لَـمُحْضَرُونَ 158سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 151 - 159].

وتأمل التنوع في المحاكمات العقلية في هذه الآيات: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْـحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ 136 وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْـمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 136 - 137].

وغيرها العديد من المعالجات العقلية لموضوعات مهمة وخطيرة؛ جدير بنا أنْ نستلهمها في العمل التربوي المتنوع. وجدير أنْ تكون التربية النقدية إحدى المهمات التي تضطلع بها التربية الإسلامية.


 


[1] أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2/84 ح656.

[2] سيكولوجية الجماهير ص45.

[3] أخرجه البخاري 2/530 كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ح3610.

[4] أخرجه البخاري 3/352 كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فجر به ح5057.

[5] فتح الباري 12/296.

[6] فتح الباري 12/298.

[7] مجموع الفتاوى 13/30.

[8] الفصل في الملل والنحل 4/132.

[9] انظر: سيكولوجية الجماهير ص86.

[10] تفسير السعدي 4/1614.

[11] أخرجه مسلم 2/1137 كتاب اللعان ح1500.

[12] الموافقات 5/126.

[13] انظر روضة الناظر مع شرحه لابن بدران 2/241.

[14] جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر 2/166.

[15] تعليم التفكير، د. فتحي جروان ص66.

[16] انظر: تعليم التفكير، د. فتحي جروان ص74.