إن الله عز وجل فرض الصيام علينا كما فرضه على مَن كان قبلنا، غير أنَّ صيامنا ليس مماثلًا لصيامهم تمام المماثلة، فالتشبيه هنا في أصل الفريضة وليس في كيفيته أو توقيته، وقد أشار القرآن إلى ذلك في قول الحق تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، وفي قوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ} عدة دلالات ومقاصد حسنة؛ أسلط الضوء على أهمها في ما يلي:

الدلالة الأولى: حراسة الثوابت:

في عصرنا هذا؛ باتت المسلَّمات والثوابت وما هو معلوم من الدين بالضرورة محل نقاش وأَخْذ ورَدٍّ، بعد أن تواصى كثير من الحاقدين والمنكرين الشانئين على إهدار فريضة الصوم شكلًا ومضمونًا؛ فتراهم يدعون إلى الإفطار بحجة أنَّ الصوم يعطل الإنتاج! ويغرقون الأمة في مستنقع التفاهة والضياع؛ يريدون بذلك هدم الدين وتحقير شعائره، كل هذا تحت دعاوى التجديد والحداثة والتنوير وحرية الرأي، وهذه كلها أسلحة تُشهَر فقط في وجه الإسلام، أما إذا كان الحديث عن مذاهب وأباطيل القساوسة والرهبان والحاخامات وبني عَلْمان، فتُغمد هذه الأسلحة، وتنقطع الثرثرة، وتختفي الأصوات، ويهدأ الصَخَب!

وقد صدق فيهم قول القائل:

منَ الناسِ مَنْ يَغْشى الأَباعِدَ نَفْعُه

 ويشْقى به، حتى الممات، أَقارِبُهْ

فإِنْ يَكُ خَيرًا، فالبعيدُ يَنالُه

 وإِنْ يكُ شَرًّا، فابنُ عَمِّكَ صاحِبُهْ[1]

حتى قسمتهم المزعومة «ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، لم يلتزموا بها؛ فهم في اعتداء دائم وتجريف مستمر لحق الله، ودعوة متكررة لصرف الناس عنه. أمَّا ما كان لقيصر فله العناية والرعاية والحفظ والاهتمام والتوحش والتوغل، وقد كثرت هذه الطائفة في عصرنا هذا كثرةً تجعلنا نتذكر قول الإمام شمس الدين ابن القيم (ت 751هـ)، وهو يصفُ مثلَ هذه الحال: «فلو رأيتَ ما يُحرِّف إليه المحرِّفون أحسنَ الكلام وأبينَه وأفصحَه وأحقَّه بكلِّ هدًى وبيان وعلم مِن المعاني الباطلة والتأويلات الفاسِدة، لكِدتَ تقضي من ذلك عجبًا، وتتَّخذ في الأرض سَربًا، فتارةً تعجَب، وتارة تَغضب، وتارة تبكِي، وتارة تضحَك، وتارةً تتوجَّع بما نزل بالإسلام وحلَّ بساحةِ الوحي[2].

فجاء هذا الجزء من الآية ليؤكد على أن حقائق الدين أصلب من أن تنال منها الشبهات والأوهام، أو تسيل مع ميوعة الأفاكين في كل زمان ومكان، وأنَّ دعواهم لإهدار شريعة الصوم مرفوضة جملةً وتفصيلًا.

الدلالة الثانية: تربية النفوس وتهذيبها لا تؤخذ إلا من المنابع الصحيحة:

وهذا لأن الطريق الموصل إلى الله واحد، وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، لا يصل إليه أحد إلا من هذا الطريق، ولو أتى الناس كل طريق، واستفتحوا كل باب، فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة إلا هذا الطريق الواحد؛ فإنه متصل بالله، موصل إلى الله[3].

فتزكية النفوس مسلَّمة إلى الرسل. وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولَّاهم إياها، وجعلها على أيديهم دعوةً، وتعليمًا وبيانًا، وإرشادًا، لا خَلْقًا ولا إلهامًا؛ فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم.

وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد، فمَن زكَّى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة، التي لم يجئ بها الرسل فهو كالمريض الذي عالج نفسه برأيه، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟! فالرسل أطباء القلوب. فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم، وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد، والتسليم لهم[4].

وهو طريقٌ يوافق الفطرة دون إرهاق أو حرج ولا انعزال عن الحياة، كما لا يحتاج الإنسان معه لمثل هذا الابتداع في رياضة النفس وتهذيبها من: ترك الكلام، والجلوس في الشمس، وترك النظافة، والعزلة، والعيش على طعام واحد، بل وصل الأمر إلى إفساد العقيدة وفتح الباب للخرافات والشركيات وإسقاط التكاليف، والتعلق بالأوهام، وإشاعة روح الخمول والكسل في الأمة.

الدلالة الثالثة: وحدة الدين أصولًا ومقاصد:

لما كان الصوم من الشرائع التي هي مصلحة للخلق في كل زمان؛ أخبرَ سبحانه أنه كَتَبَه علينا كما كَتَبَهُ على الذين مِن قَبلِنَا، وفي ذلك إشعار بوحدة الدين أصوله ومقاصده؛ يشير إلى ذلك قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].

قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: «المعنى: أوصيناك يا محمد ونوحًا دينًا واحدًا؛ يعني في الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة، وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، والزلف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه، والصدق والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل والزنا والإذاية للخلق كيفما تصرفت، والاعتداء على الحيوان كيفما دار، واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات، فهذا كله مشروع دينًا واحدًا وملةً متحدةً، لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعدادهم، وذلك قوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}، أي اجعلوه قائمًا، يريد دائمًا مستمرًّا محفوظًا مستقرًّا من غير خلاف فيه ولا اضطراب، فمِنَ الخلق مَنْ وفى بذلك ومنهم مَن نكث. واختلفت الشرائع وراء هذا في معانٍ حسبما أراده الله مما اقتضت المصلحةُ والحكمةُ وضْعَه في الأزمنة على الأمم»[5].

وقد بوَّب الإمام البخاري في صحيحه: «باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد»، وذكر تحته قول النبي صلى الله عليه وسلم : «الأنبياءُ إخْوَةٌ، أبناءُ عَلات، أُمَّهَاتُهم شَتَّى، ودِينُهم واحد».

وَأَوْلَادُ الْعَلَّاتِ: الْإِخْوَةُ مِنَ الأَب وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى. ومعنى الحديث: أَنَّ أَصْلَ دينهم واحد، وإنما تنوعت شرائعهم ومناهجهم كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية[6].

الدلالة الرابعة: الشاق إذا عَمَّ سَهُلَ تحمُّله:

في هذا الجزء من الآية تطييبٌ لأنفس المخاطَبين؛ فإنَّ الصوم عبادة شاقَّة، والأمور الشاقة إذا عمَّت كثيرًا من الناس سهل تحملها ورغب كل أحد في عملها.

وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن القيم: «المصاب إذا شاركه غيره في مصيبة، حصل له بالتأسي نوعُ تخفيفٍ وتسليةٍ، وتأسَّى بعضُ المُصَابِين ببعض؛ كما قالت الخنساء في أخيها صخر:

فلولا كثرةُ الباكينَ حَولي

على إخوانِهم لقَتَلْتُ نَفســـــــــــي

وما يَبكُون مثلَ أخي ولكن

أُسَلِّي النَّفسَ عنه بالتأسِّي

وهذا التأسي الحاصل من الاشتراك في العذاب أو المصاب لن ينفع أهل النار يوم الحسرة شيئًا، فالقرين لا يجد راحةً ولا أدنى فرحٍ بعذابِ قرينِه معه؛ فقال تعالى: {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف: 39[7].

الدلالة الخامسة: الحثُّ على التنافس في الخيرات:

ففي هذا التشبيه: تنشيطٌ لهذه الأمة، بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال، والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة، التي اختُصصتم بها[8].

ويتوسع الطاهر بن عاشور (ت 1393هـ) في بيان هذه الدلالة فيقول ما ملخصه: «من الأغراض التي تضمنها التشبيه: إنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كي لا يتميز بها من كان قبلهم. فالمسلمون كانوا يتنافسون في العبادات كما ورد في الحديث.. ويحبون التفضيل على أهل الكتاب وقطع تفاخر أهل الكتاب عليهم بأنهم أهل شريعة.. فلا شك أنهم يغتبطون أمر الصوم، وقد كان صومهم الذي صاموه وهو يوم عاشوراء إنما اقتدوا فيه باليهود، فهم في ترقب إلى تخصيصهم من الله بصوم أُنُف[9]، فهذه فائدة التشبيه لأهل الهمم من المسلمين إذا ألحقهم الله بصالح الأمم في الشرائع العائدة بخير الدنيا والآخرة قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْـمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26]. ومن الأغراض أيضًا: إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض، بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة»[10].

هذا آخر ما وقفت عليه من دلالات. نسأل الله أن يفقهنا في الدين، وأن يثبتنا عليه حتى نلقاه، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 


 


[1] ينظر: جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (1/424)، الصداقة والصديق لأبي حيان (ص216)، لسان العرب (3/90).

[2] الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (1/ 300).

[3] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 38).

[4] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 300) باختصار.

[5] تفسير القرطبي (16/ 11).

[6] ينظر: مجموع الفتاوى (15/ 159)، بدائع الفوائد (3/ 201)، فتح الباري لابن حجر (6/ 489).

[7] الداء والدواء لابن القيم (ص95) بتصرف يسير.

[8] تفسير السعدي (ص86).

[9] الأُنُفُ: الجديد، يوصف به المذكر والمؤنث. المعجم الوسيط (1/ 30).

[10] التحرير والتنوير (2/ 156).