أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات في موضوع «ذبح الإنسان»، ومن تلك الأسئلة:

هل يجوز ذبح الإنسان كما تذبح الشاة؟ وما حكم ذلك في ميزان الشرع؟

هل ذبح النبي صلى الله عليه وسلم  إنساناً في فترة حياته؟

هل فعل ذلك الصحابة رضي الله عنهم بعد مماته؟

هل فعله التابعون من بعدهم؟

فتعال أخي الكريم لنعلم حال «ذبح الإنسان في الميزان»، وهو ميزان الشرع.

أورد الإمام أحمد في مسنده وجاء عند غيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم  بلفظ: «يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح». ورواه البخاري كما في كتاب خلق أفعال العباد بلفظ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ أَرْسَلَنِي رَبِّي إِلَيْكُمْ بِالذَّبْحِ»، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مُحَمَّدُ مَا كُنْتَ جَهُولًا، فَقَالَ: «وَأَنْتَ فِيهِمْ».

ولتفنيد استدلال من استدل بهذا الحديث على جواز ذبح الكافر وغيره كما تذبح الشاة؛ علينا أن نورد نص الحديث كاملاً، ثم ننظر معنى كلمة «الذبح» في اللغة العربية، وكذلك ننظر هل هذا الحديث عام أم خاص، مجمل أم مقيد؟ وهل ورد حقاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم  ذبح أناساً في فترة حياته؟

وهذا كله لنعلم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم  من هذا القول فلا نقع في الفهم السقيم الذي وقعت فيه الخوارج في القديم والحديث فضلوا وأضلوا بسبب ضحالة علمهم، وقلة بضاعتهم، وعدم فهمهم للنصوص الشرعية.

نص الحديث

 عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: حضرتهم، وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا. لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا. قال: فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم رسول الله، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول. قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية، غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها. فقال: تسمعون، يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشداً، فوالله ما كنت جهولاً. قال: فانصرف رسول الله، حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحجر، وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك، إذ طلع عليهم رسول الله، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم. قال: فيقول رسول الله: نعم، أنا الذي أقول ذلك. قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه. قال: وقام أبو بكر الصديق دونه يقول، وهو يبكي: «أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟» ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه قط. اهـ.

أما اللفظ الذي أورده البخاري فهو:

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَا عَلِمْتُ قُرَيْشًا هَمُّوا بِقَتْلِ النَّبِيِّ إِلَّا يَوْمًا، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَاخْتَطَفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَالَ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} [غافر: 28] الْآيَةَ. فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ أَرْسَلَنِي رَبِّي إِلَيْكُمْ بِالذَّبْحِ»، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مُحَمَّدُ مَا كُنْتَ جَهُولًا، فَقَالَ: «وَأَنْتَ فِيهِمْ» وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَجَعَلَ يُنَادِي وَيْلَكُمْ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ}.

فهذا نص الحديث، الذي يستدل به القوم على ذبح الأسير أو الكافر كما تذبح الشاة، والرد على هذه الشبهة التي يدندن حولها خوارج هذا الزمان والخوارج في كل زمان ومكان من وجوه:

الوجه الأول: وهو معنى كلمة الذبح في اللغة العربية، فكلمة الذبح في اللغة العربية لها معانٍ كثيرة، ومن هذه المعاني:

أ- الذبح المعروف من ذبح الشاة، وهو قطع العروق من موضع الذبح من الحلق بالسكين. وقد جاء في القاموس المحيط: ذَبَحَ كمَنَعَ ذَبْحاً وذُباحاً: شَقَّ وفَتَقَ ونَحَرَ وخَنَقَ.

ب- وجاء الذبح كناية عن الهلاك، وهو من الألفاظ المستخدمة عند العرب، وقد جاء في لسان العرب وغيره من كتب العربية قولهم: «وَفِي حَدِيثِ الْقَضَاءِ: مَنْ وَليَ قَاضِيًا فكأَنما ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ... حتى قال: وَالذَّبْحُ هَاهُنَا مَجَازٌ عَنِ الْهَلَاكِ فإِنه مِنْ أَسْرَعِ أَسبابِه».

وجاء في عمدة القاري: وهذا كما يقال للرجل يتعرض للهلاك قد هلك فلان وإن كان سالماً، وكقوله من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين يريد أنه قد تعرض للذبح لا أنه ذبح حقيقة[1].

ج- وجاء الذبح أيضاً كناية عن القتل كما قال الله تعالى: {وَإذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49]. قال السمعاني في تفسيره (ج1 ص77): «معنى قَوْله: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} أَي: يقتلُون».

وقال الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين»: «لقد جئتكم بالذبح: أي بالقتل». وكذلك ذكر عبد الغني المقدسي في «المصباح في عيون الصحاح» أن هذه الكلمة «كناية عن القتل».

وقال الشاعر في رثاء عثمان رضي الله عنه:

ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ضحًى

وأي ذبح حرام ويلهم ذبحوا

ومعلوم أن عثمان رضي الله عنه قتل قتلاً ولم يذبح.

وذكر غيرهم معاني أخرى للذبح منها: جعل الشيء حلالاً.

والصحيح في معنى الذبح في هذا الحديث أنه كناية عن الهلاك والقتل، وهذا يعلم من القرائن وبحسب السياق.

ويؤكد هذا المعنى أن الذين توعدهم النبي صلى الله عليه وسلم  بالذبح ودعا عليهم بالهلاك لشدة أذيتهم له، كأبي جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم ممن ورد ذكرهم في الروايات: لم يَذبح أحدًا منهم بالسكين، بل كان مصيرهم القتل ضربًا بالسيف في غزوة بدر كسائر قتلى المشركين، وجاء صراحة في هذه الروايات أنهم قتلوا، ومن هذه الروايات ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات فشق عليهم إذ دعا عليهم - قال وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة - ثم سمى: اللهم عليك بأبي جهل وعليك بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط، وعد السابع فلم يحفظه، قال فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عد رسول الله صرعى في القليب قليب بدر.

وفي لفظ مسلم: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ». شُعْبَةُ الشَّاكُّ قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةَ أَوْ أُبَيًّا تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِئْرِ.

ولهذا يعلم أن تفسيرهم معنى الذبح في الحديث بالمعنى المعروف من ذبح الشاة مخالف للأدلة الأخرى الموجودة في الصحيحين بل ومخالف لفعله عليه الصلاة والسلام، وقد أوردنا أنه جاء في كتاب خلق أفعال العباد للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: لَقَدْ أَرْسَلَنِي رَبِّي إِلَيْكُمْ بِالذَّبْحِ»... وكان من المخاطبين أبو جهل حيث قال: يَا مُحَمَّدُ مَا كُنْتَ جَهُولًا.

وقد جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قول النبي صلى الله عليه وسلم : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ أَبَا جَهْلِ. ثم قال الراوي: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ...

فهذه روايات صحيحة لا شك في صحتها تبين أن الذي قصده صلى الله عليه وسلم  بكلمة الذبح هو «الهلاك والقتل»، فلم يذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم  هؤلاء القوم الذين وعدهم بالذبح، بل قتلهم قتلاً، بدليل الأدلة الأخرى المذكورة في الصحيحين وغيرهما من كتب السنن وقد أوردنا ما روي في الصحيحين.

فمن صفات الخوارج في القديم والحديث عدم جمعهم بين الأدلة، فضلوا وأضلوا.

الوجه الثاني: من حيث اﻷصول والفقه، وهو أن الحديث ليس على عمومه، فكل الروايات الواردة مصدرة بصيغة: يا معشر قريش، فهذه الصِّيغ كما في الأصول تنفي حمله على العموم المطلق، هذا أولاً.

وثانياً لا نستطيع أيضاً أن نحمله على العموم المقيد، فالحديث ليس عاماً في قريش، فالوعيد ليس ثابتاً في حقهم جميعاً، وذلك لأمور:

أ- وجود مخصص لهذا العموم المقيد كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود الذي ذكرناه سابقاً، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  دعا على سبعة منهم أبو جهل وغيره، وفي الرواية الأخرى أنه قال: يا محمد ما كنت جهولاً، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم : «أنت منهم»، أي: أنت ممن يُقتل.

ب- ثبت من القرآن والسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم  لم يُبعث بالذبح لا إلى قريش ولا إلى غيرها، ومن فسرها بهذا المعنى فقد عارض قول الله وقول رسوله وفعله، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقال أيضا: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 159]، وقال: {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤].

وتأمل معي قوله صلى الله عليه وسلم  عندما كان في أشد لحظات الكرب والشدة بعد رجوعه من الطائف، وجاءه ملك الجبال يخبره أن إذا أردت أطبقت عليهم الأخشبين فقال: بل أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً. وقال لهم صلى الله عليه وسلم  يوم فتح مكة: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

فلو كان أرسل إليهم بالذبح لفعل صلى الله عليه وسلم  ما أمر به ولم يخالف أمر ربه سبحانه وتعالى، ولتعارض فعله بإطلاق من أسر من قريش يوم فتح مكة مع قوله: يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح.

فلهذا لا يحمل الحديث لا على العموم المطلق - أي للناس كافة -، أو على العموم المقيد - أي لقريش فقط - فإن الأدلة الأخرى وفعل النبي صلى الله عليه وسلم  والواقع يعارضه.

ج- بل قتل هؤلاء السبعة يعتبر من دلائل النبوة فقد حصل ما قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم  في مصرعهم، كما أخبر ولم يدخل منهم أحد في اﻹسلام، ولذا ذكر بعض المحققين هذه الروايات في دلائل النبوة، فنجدها عند البيهقي في دلائل النبوة، وعند أبي نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة أيضاً.

الوجه الثالث: لو سلمنا جدلاً بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قصد بقوله: جئتكم بالذبح.. الذبح الحقيقي كما تذبح الشاة. وأنه عام في قريش وغيرها، لقلنا إنه منسوخ بفعله صلى الله عليه وسلم  يوم بدر، وكذلك بفعله أيضاً عند فتح مكة، حيث قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

وقد علم تاريخ الأحاديث فيحتمل النسخ، هذا لو فرضنا جدلاً صدق قولهم وإلا فالحديث لا يدل على ما ذهب إليه الخوارج مطلقاً.

الوجه الرابع: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم  ولا عن أحد الصحابة أنه ذبح أحداً من الكفار أو المحاربين.

فإن قال قائل: فما قولك عن ما ورد من روايات تشير إلى قطع رؤوس بعض الكفار، ومسألة «حزِّ الرأس وقطعه» بعد الموت، وما ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم  قد حُملت له بعض رؤوس أعدائه، واحتزاز ابن مسعود لرأس أبي جهل في غزوة بدر، وغيرها من القصص والروايات، قلنا لم يصح منها شيء، فجميع هذه الروايات التي فيها قطع الرؤوس واحتزازها ضعيفة، ولا يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم  حُمل إليه شيء منها، وإنما الثابت قتلهم فحسب. بل دلت اﻷدلة على أن هذا من المثلة المنهي عنها شرعًا.

ولو فرضنا جدلاً أنه صح منها شيء فلا حجة ولا دليل في هذه الروايات على الذبح حال الحياة، بل غاية ما تدل عليه قطع الرأس بعد الموت لإثبات أن الشخص الذي أريد قتله قد تم قتله.

الوجه الخامس: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم  ولا عن الصحابة ولا القرون المفضلة ولا عن أحد من أهل العلم المعتبرين قولهم بما قالت به خوارج هذا الزمان في معنى الحديث وأن المراد به ذبح الكافر أو المحارب كما تذبح الشاة، فهذا قول محدث والنبي صلى الله عليه وسلم  يقول كما في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.

الوجه السادس: فرق الشرع بين قتل الإنسان والحيوان، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه مسلم من حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ... الحديث.

فجعلَ القَتل للإنسان، والذبحَ للحيوان، فدل ذلك على الطريقة المشروعة لإزهاق الروح في كليهما.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «جامع المسائل» 6 ص34) بعد إيراده هذا الحديث: في هذا الحديث أن الإحسان واجب على كل حال، حتى في حال إزهاق النفوس، ناطقها وبهيمتها، فَعَلَّمَهُ أن يُحْسِن القتلةَ للآدميين والذبحة للبهائم.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «الصلاة وأحكام تاركها» 2 ص3): وضرب العنق بالسيف أحسن القتلات وأسرعها إزهاقاً للنفس وقد سن الله سبحانه في قتل الكفار المرتدين ضرب الأعناق دون النخس بالسيف.

الوجه السابع: أن القتلَ ذبحًا طريقةٌ لم تُعهد عن المسلمين منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم  وصحابته ومن تبعهم، بل عرفت عند العجم كما أخرج ذلك البيهقي والنسائي من حديث معاوية بن خديج أن أبا بكر رضي الله عنه قال عندما قدم عليه برأس أحد الكفار: إنَّمَا هَذِهِ سُنَّةُ الْعَجَمِ.

بل وعرفت هذه الطريقة في القتل، ذبحاً كما تذبح الشاة عند الخوارج الأولين كالحرورية في زمن علي رضي الله عنه وغيرهم.

وقد جاء عند الدارقطني في سننه، وذكره القرطبي في تفسيره (ج2 ص251)، وذكر ذلك أيضاً الشيخ محمد اﻷمين الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان (ج1 ص409)، حيث ذكره الدارقطني بسنده وقال: وَقَتَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْحَرُورِيَّةَ، بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، فَإِنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ قِتَالِهِمْ حَتَّى يُحْدِثُوا، فَلَمَّا ذَبَحُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ، وَأُخْبِرَ عَلِيٌّ بِذَلِكَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! نَادُوهُمْ أَنْ أَخْرِجُوا إِلَيْنَا قَاتِلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، فَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَصْحَابِهِ: دُونَكُمُ الْقَوْمَ، فَمَا لَبِثَ أَنْ قَتَلَهُمْ.

وفي رواية عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّهْرَوَانِ كُنَّا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ النَّهَرِ، فَجَاءَتِ الْحَرُورِيَّةُ حَتَّى نَزَلُوا مِنْ وَرَائِه، قَالَ عَلِيٌّ: لَا تُحَرِّكُوهُمْ حَتَّى يُحْدِثُوا حَدَثًا، فَانْطَلَقُوا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، فَقَالُوا: حَدِّثْنَا حَدِيثًا حَدَّثَكَ بِهِ أَبُوكَ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي: «تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي». فَقَدَّمُوهُ إِلَى النَّهَرِ فَذَبَحُوهُ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ.

وتأمل معي قولهم: فلما ذبحوا عبد الله بن خباب كما تذبح الشاة، وفي الرواية الأخرى: فَقَدَّمُوهُ إِلَى النَّهَرِ فَذَبَحُوهُ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ؛ فدل هذا على أن هذا العمل سنة خارجية لا سنة نبوية.

وهنا مسألة لربما يستدل بها خوارج هذا الزمان وهي ما أورده عدد من المؤرخين من أن خالد القسري أمير العراق قال في خطبة الأضحى: «يا أيها الناس ضحوا تقبل اللَّه منكم، فإني مضحٍ بالجعد بْن درهم [وكان من رؤوس الضلال]، ثم نزل فذبحه».

والرد عليها من وجوه:

أ- أن هذه القصة في سندها مقال، ومعلوم أنه إذا بطل الدليل بطل الاستدلال.

ب- حتى وإن صحت هذه الرواية فالمراد من الذبح فيها، القتل بالسيف، كما هو معتاد في إقامة العقوبات، وقد عبَّر عن القتل بالذبح والتضحية؛ لأن القتل كان في عيد الأضحى.

قال الشيخ المعلمي اليماني رحمه الله تعالى كما في كتابه «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» 1 ص401): لا يخفى على أحد أن الضحية الشرعية هي ذبح شاه أو بقرة أو بدنة بصفة مخصوصة في أيام الأضحى تقرباً إلى الله تعالى بإراقة دمها، وليأكل منها المضحي وأهله ويهدي من لحمها إلى أصحابه ويتصدق على المساكين، وأن خالداً لم يذبح الجعد ليأكل من لحمه ويهدي ويتصدق، وإنما سماه تضحية لأنه إراقة دم يوم الأضحى تقرباً إلى الله تعالى فشبهه بالضحية المشروعة من هذا الوجه كما سمى بعض الصحابة وغيرهم قتل عثمان رضي الله عنه تضحية لأنه وقع في الضحى.

وقد أوردنا ما قاله القائل في رثاء عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ج- ولو سلمنا جدلاً أن القصة صحيحة، وسلمنا جدلاً أيضاً بأنه ذبحه كما تذبح الشاة، ففعله ليس بحجة، وقول أو فعل من ليس بمعصوم ليس بحجة، وإنما الحجة ما ثبت عليه الدليل من القرآن والسنة والقرون الثلاثة المفضلة، أن هذا من المثلة المنهي عنها، بل إنها سنة الخوارج قديماً كالحرورية.

 


 


[1] عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج11 ص39.