تعددت مقارنات الخبراء والمراقبين في ما يخص الفروق والتباينات بين جناحي الدولة الأمريكية بعد تسلم دونالد ترمب مفاتيح البيت الأبيض، والذي يصنف ضمن خانة «التطرف» فيما يوصف سابقه أوباما بأنه من «المعتدلين».

لكن التاريخ لا يجامل أحداً، والجميع أمامه مرهون بما اقترفته يداه بغض النظر عن الأوصاف التي يطلقها الباحثون في مراكز الأبحاث.

انتهت سنوات باراك أوباما بإحصائية تؤكد أن 23 ألف قنبلة ألقتها إدارته على ست دول إسلامية عام 2015م، و26 ألف قنبلة سقطت فوق 7 دول إسلامية في 2016م، فكم يا ترى سيلقي الرئيس الجديد دونالد ترمب علينا من قنابل عام 2017م وسنوات حكمه اللاحقة، وهو الذي يوصف بالتطرف ومعاداة الإسلام والمسلمين؟!

وهو ما دعا باحثاً أمريكياً للسخرية بقوله: «الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الحائز على جائزة نوبل للسلام، أسقط كمية لا بأس بها من الذخيرة كلها تقريباً على العالم الإسلامي».

وأضاف: «أياً كان رأينا فيما إذا كان إسقاط هذه القنابل مبرراً أم لا، فإن هذا العدد يوضح بشدة الدمار الذي تحدثه الولايات المتحدة في العالم الإسلامي».

والإحصاءات التي أوردها الباحث، وأعدتها المؤسسة البحثية، الموالية لوزارة الخارجية الأمريكية، تبين حجم الدمار الذي أحدثته الولايات المتحدة في الدول الإسلامية.

فقد قدم «ميكا زنكو» الباحث في مجال السياسة الخارجية والأمن القومي بـ«مجلس العلاقات الخارجية» الأمريكي، دراستين مختلفتين فضحتا «الاعتدال الأمريكي»، عبر رصد عدد القنابل التي أسقطها أوباما على دول عربية وإسلامية عامي 2015م و2016م فقط.

26 ألف قنبلة عام 2016م

نبدأ من آخر دراسة للباحث الأمريكي حول عدد القنابل التي أسقطها أوباما على العالم الإسلامي في آخر عام له بالرئاسة، وفيها كشف «زنكو»، في تقرير نشره موقع «مجلس العلاقات الخارجية»[1] في 5 يناير 2017م، أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أسقط أكثر من 26 ألف قنبلة عام 2016 على 7 دول إسلامية، هي: باكستان، واليمن، والصومال، وليبيا، والعراق، وسوريا وأفغانستان.

الدراسة تحاول تبرير هذا الكم الكبير من القنابل التي تم إلقاؤها على المسلمين بـ«جبن» القوات الأمريكية عن الدخول في حرب برية، وتفضيلها للقصف الجوي العشوائي لتقليل الخسائر البشرية، وفي الوقت ذاته تعترف الدراسة بقتل آلاف المسلمين الأبرياء بسبب تلك السياسة الخرقاء.

كان نصيب سوريا والعراق هو الأكبر من هذه القنابل بحسب الدراسة التي أعدها «ميكا زينكو» و«جنيفر ويلسون»، حيث ألقت الطائرات الأمريكية 12192 قنبلة على سوريا بدعاوى ضرب تنظيم داعش، طالت آلاف الأبرياء، و12095 قنبلة على العراق.

كما ألقوا على أفغانستان 1337 قنبلة أمريكية برغم حديث الرئيس السابق بوش عن انتصاره هناك وسحب قواتهم من كابول منذ سنوات.

وأوضحت دراسة «مجلس العلاقات الخارجية» أن عدد القنابل التي أسقطتها أمريكا ومعها ما يسمي (دول التحالف) على العراق وسوريا فقط وصل إلى 30743 في عام 2016، أسقطت أمريكا 79% (أي 24287 قنبلة).

23 ألف قنبلة عام 2015م

الباحث نفسه أجرى دراسة سابقة حول عدد القنابل الأمريكية التي أسقطت في عام 2015م، حيث كشف «ميكا زنكو» أن عدد القنابل التي أسقطتها الولايات المتحدة على ستة دول مسلمة منذ الأول من يناير 2015م حتى نهاية هذا العام، بلغ نحو 23144 قنبلة، جرى إسقاطها على العراق وسوريا وأفغانستان وباكستان واليمن والصومال.

وفي دراسته السابقة التي نشرها على موقع «مجلس العلاقات الخارجية»[2] 7 يناير 2016م، كتب «زنكو» أن إحصائية القنابل تكشف أنه جرى إسقاط 22110 قنابل في العراق وسوريا عام 2015م، ثم أفغانستان 947، فاليمن 58 قنبلة، ثم الصومال 18، وأخيراً باكستان التي تلقت 11 قنبلة، ما يعني أنه برغم ثبوت فشل هذا القصف العشوائي والانتقادات الدولية لوقوع ضحايا مدنيين مسلمين أبرياء استمر القصف بشكل أعنف عام 2016م!

فشل برغم القنابل.. والضحايا مدنيون

وتوضح دراسة «مجلس العلاقات الخارجية» أنه برغم كل هذه الكمية من القنابل التي جري إسقاطها، فإنها لم تحقق نجاحاً فيما يبدو. فبرغم أن الولايات المتحدة أسقطت 947 قنبلة في أفغانستان عام 2015م لكن تحليلاً لمجلة فورين بوليسي أظهر أن حركة طالبان أصبحت تسيطر على مساحة من الأراضي أكثر من أي وقت مضى منذ عام 2001م الذي بدأ فيه الغزو الأمريكي.

وحول القصف الأمريكي في سوريا والعراق بدعاوى محاربة تنظيم داعش، كشفت دراسة المجلس والمعلومات المهمة التي أشار إليها زنكو، أن عدد القتلى المدنيين نتيجة إسقاط هذه القنابل لا يمكن إحصاؤه. وقال: هم يزعمون، أنه إلى جانب 25 ألف مقاتل لقوا حتفهم نتيجة هذه القنابل لم يسقط من المدنيين سوى ستة فقط خلال حملة القصف الجوي المستمرة منذ 17 شهراً! ولكن «في الوقت ذاته، يُقر مسؤولون بأن حجم داعش ظل ثابتاً بشكل لا لبس فيه»، بحسب تعبيره.

ويشدد «زنكو» في دراسته على أن القادة العسكريين الأمريكيين لا يدركون أنهم يحاربون فكراً، وليس جيشاً تقليدياً وعدواً تقليدياً مثل الاتحاد السوفيتي سابقاً، وأن هذا يتطلب تعاوناً مع السكان المحليين بدلاً من القصف العشوائي الذي يقتل مدنيين ويزيد من رصيد داعش لدى هؤلاء المتضررين.

ويقول إنه بعد إلقاء أكثر من 20 ألف قنبلة، فإن وزارة الخارجية الأمريكية لم تعترف إلا بمقتل ستة من المدنيين! وهذا موقف تقبله وسائل الإعلام بصورة كبيرة ونادراً ما تتساءل عمن يجري القضاء عليهم نتيجة الغارات الجوية في سوريا والعراق.

وفي عام 2014م قدرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أن العدد التقريبي لأفراد داعش يتراوح ما بين 20 ألف و31 ألف مقاتل، وإلى الآن لم تتغير تلك التقديرات؛ ما يعني أن تلك الضربات لم تنل إلا من المدنيين العزل.

قتلوا أربعة ملايين مسلم منذ 1990م

في دراسة تاريخية سابقة نشرها موقع ميدل إيست آي[3] في 10 أبريل 2015م، نقلاً عن «منظمة أطباء من أجل المسؤولية الاجتماعية»، في واشنطن، كشفت أن عدد القتلى في 10 سنوات مما يسمي «الحرب على الإرهاب» التي طالت بلدان إسلامية، منذ هجمات 11/ 9 وصل إلى 1.3 مليون شخص على الأقل، ويمكن أن يكون مليوني نسمة.

وقالت الدراسة التي أعدها مجموعة من الأطباء الحائزين على جائزة نوبل للسلام، وتقع في 97 صفحة، إن عدد الضحايا المدنيين من تدخلات ما سمي «مكافحة الإرهاب» التي تقودها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وباكستان يشير لفشل هذه السياسة الأمريكية.

وقد حذر موقع «ميدل إيست آي» من أنه قد تم التعتيم تماماً على هذا التقرير من قِبل وسائل الإعلام الغربية برغم كونه أول جهد تقوم به «منظمة الصحة العامة» لتقديم حساب سليم من الناحية العلمية لعدد الأشخاص الذين قُتلوا في الحرب على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

رصد خاطئ للضحايا

أجرت هذه الدراسة الصحية مراجعة نقدية للتقديرات السابقة لعدد القتلى من «الحرب على الإرهاب»، وانتقدت بشدة الرقم الذي ذكرته وسائل الإعلام على نطاق واسع باعتباره رقماً معتمداً، ومنهم هيئة إحصاء الجثث في العراق التي قدرت أن هناك 110 آلاف قتيل في العراق وحده.

وقالت إنه على سبيل المثال، برغم أن هناك 40 ألف جثة مدفونة في النجف منذ الغزو الأمريكي والبريطاني للعراق؛ إلا إن هيئة إحصاء الجثث في العراق لم تسجل إلا 1354 قتيلاً في النجف خلال الفترة نفسها، ويكشف هذا المثال حجم الفجوة الواسعة بين أرقام الهيئة والعدد الفعلي للقتلى، الذي يتجاوز 30 ضعفاً.

ووفقاً لدراسة «منظمة أطباء من أجل المسؤولية الاجتماعية»، يقدر عدد الوفيات في العراق بنحو 655 ألف حالة حتى عام 2006م وأكثر من مليون حتى اليوم من خلال الاستقراء.

وترصد الدراسة 220 ألف قتيل على الأقل في أفغانستان و80 ألفاً في باكستان، قتلوا كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة للحرب التي تقودها الولايات المتحدة، أي ما مجموعه في المتوسط 1.3 مليون نسمة، وتقول إن الرقم الحقيقي يمكن أن يزيد عن مليونين.

وتظهر أرقام الأمم المتحدة أن 1.7 مليون مدني عراقي لقوا حتفهم بسبب نظام العقوبات الغربية، نصفهم من الأطفال.

جرائم إبادة جماعية

سبق أن كشف البروفيسور «توماس ناجي»، من كلية إدارة الأعمال في جامعة جورج واشنطن، عن وثيقة سرية لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية، قال إنها توضح: «خطة مسبقة لجرائم الإبادة الجماعية ضد شعب العراق».

وفي ورقته البحثية لرابطة علماء الإبادة الجماعية في جامعة مانيتوبا، أوضح البروفيسور ناجي أن وثيقة وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية كشفت عن «تفاصيل دقيقة لطريقة عملية لإفساد نظام معالجة المياه لأمة بأكملها على مدى عشر سنوات، وأن هذه العقوبات خلقت الظروف لانتشار الأمراض والأوبئة على نطاق واسع، وبالتالي تصفية جزء كبير من سكان العراق.

وهذا يعني أنه في العراق فقط، قتلت الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في الفترة الممتدة من 1991 إلى 2003م ما يزيد عن 1.9 مليون عراقي، واعتباراً من عام 2003م وحتى 2015م، قُتل حوالي مليون نسمة آخرون، ليصل مجموع القتلى العراقيين إلى 3 ملايين خلال عقدين من الزمن، بحسب الدراسة.

وفي أفغانستان، قدرت منظمة «أطباء من أجل المسؤولية الاجتماعية» الخسائر بعد ستة أشهر من بدء القصف عام 2001م، بحسب الصحفي جوناثان ستيل من صحيفة الجارديان، بما بين 1300 إلى 8 آلاف أفغاني قتلوا بطريقة مباشرة، وما يصل إلى 50 ألف شخص آخر لقوا حتفهم كنتيجة غير مباشرة للحرب.

وفي كتابه «عدد الجثث: وفيات عالمية قابلة للتجنب منذ 1950م»، الصادر عام 2007م، طبق البروفيسور جدعون بوليا المنهجية نفسها التي استخدمتها صحيفة الجارديان؛ اعتماداً على بيانات الوفيات السنوية لشعبة السكان بالأمم المتحدة لحساب الأرقام المنطقية لحالات الوفاة الإضافية. وخلص «بوليا»، وهو خبير الكيمياء الحيوية المتقاعد في جامعة «لاتروب» في ملبورن بأستراليا، إلى أن مجموع الوفيات التي كان يمكن تجنبها في أفغانستان منذ عام 2001م يصل إلى 3 ملايين شخص، 900 ألف منهم من الرضع دون سن الخامسة.

ووفقاً لهذه الأرقام، فإن مجموع الوفيات الناتجة عن التدخلات الغربية في العراق وأفغانستان منذ التسعينات، من عمليات القتل المباشر وتأثير الحرب على المدى الطويل، يصل على الأرجح إلى حوالي 4 ملايين قتيل (2 مليون في العراق من 1991 إلى 2003م، إضافة إلى 2 مليون من الحرب على الإرهاب)، ويمكن أن يتراوح بين 6 إلى 8 ملايين إذا اعتمدنا على تقديرات الوفيات في أفغانستان.

جرائم روسية

ولا يمنع هذا من الإشارة العرضية لجرائم الحرب الروسية في سوريا، التي تحتاج دراسة منفصلة، حيث كشف تقرير حقوقي أن 14152 برميلاً متفجراً ألقتها روسيا على السوريين منذ بدء تدخلها هناك.

وكشفت الدراسة التي أعدتها «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»[4] أن الـ14152 برميلاً متفجراً التي قصفت بها روسيا المدنيين السوريين خلفت قتلي وجرحي من الصعب إحصاؤهم، لأن الحديث يجري عن إبادة جماعية لأن البرميل المتفجر سلاح عشوائي ذو أثر تدميري هائل.

وقالت إن أثرها لا يتوقف فقط عند قتل الضحايا المدنيين بل فيما يُحدثه أيضاً من تدمير وبالتالي تشريد وإرهاب لأهالي المنطقة المستهدفة، ووصفت إلقاء البرميل المتفجر من الطائرة بـ«الأسلوب البدائي الهمجي الذي يرقى إلى جريمة حرب».

وتشير تقارير دولية لأن 99% من الضحايا السوريين هم من المدنيين، ونسبة النساء والأطفال بينهم ما بين 12% وقد تصل إلى 35% في بعض الأحيان.


[1] https://goo.gl/Fn2Klj

[2] https://goo.gl/jDVbVi

[3] https://goo.gl/seLyVr

[4]https://goo.gl/tjafv7