دار الكثير من الحديث والجدل في العقود الماضية حول موضوع العولمة ومحاولة فهمها والاستعداد لها واستثمارها وتلافي آثارها السلبية على المجتمعات الإسلامية، وبغض النظر عن تقييم العمل الذي تبع ذلك التنظير ومدى تفاعلنا الإيجابي مع تلك الظاهرة العالمية فقد مرت بزخمها الهائل وألقت بظلالها على مجتمعات المسلمين والعالم ونقلتنا أعاصيرها إلى عصر ما بعد العولمة الذي نعيش بدايته في هذه السنين والذي تغير واختلف فيه الزمان وأهله اختلافاً كبيراً، ذلك الاختلاف وإن كان ضخماً كبيراً إلا إنه ما زال في بدايته وما ينتظرنا من التغيير والاختلاف في مجتمعاتنا أكبر وأخطر! وما لم نبذل ما يجب من الجهود في الفهم والعمل فإننا قد نخسر معركة البقاء والإبقاء على ما هو قيم وجميل في مجتمعاتنا. 

مصطلح «ما بعد العولمة»

مصطلح ما بعد العولمة من الناحية الثقافية يشير إلى ظاهرة عالمية تراكمية مرت بمراحل تدرجت فيها لتصبغ عالمنا اليوم بخصائص وسمات مستجدة لم تكن معهودةً في السابق. فالعولمة من الناحية الثقافية نتاج للعالمية، وما بعد العولمة نتاج للعولمة، والحكومة العالمية المرتقبة التي تبشر بها وتخطط لها شخصيات وشركات وتنظيمات ومؤسسات دولية كبرى قد تكون نتاج لعصر ما بعد العولمة الفوضوي!

بعد أن ظهرت شبكة الإنترنت وتطورت تطبيقاتها وأدواتها وتغلغلت في المجتمعات ولازمت جل أفرادها بشكل شبه كامل عبر الهواتف والأجهزة الذكية أتاحت فرصة للأفراد والتيارات والجماعات كي تؤثر وتبث قناعاتها وأفكارها إلى كل أجزاء العالم

سمات مجتمعات ما بعد العولمة:

بعض هذه السمات قد اكتمل ظهورها وتحققها في جزء كبير من مجتمعات العالم والمسلمين وبعضها لا يزال تحققه في بدايته في بعض المجتمعات المحافظة التي لا تزال تقاوم والتي تتمتع بهوية ثقافية صلبة ومتماسكة كالمجتمعات الإسلامية

1. التفتيت الذري للمجتمعات:

بدأت ظاهرة «التفتيت الذري» تصيب الجماعات والمجتمعات حيث بدأنا نلحظ تفتت جزء كبير من الجماعات والمجتمعات وأصبحت تتكون الأجزاء الكبرى من المجتمعات من أفراد مستقلين فكرياً ومختلفين ثقافياً وليس جماعات مترابطة، وأصبح الفرد الذي لا يزال مرتبطاً بجماعة نادراً ما يلتزم بمبادئ جماعته ويحتكم إليها ونادراً ما يرتبط بأعضائها أو يكون لهم أثر على قناعاته وأحكامه وتوجهاته، وأصبح فرد ما بعد العولمة يميل إلى المجتمعات الإلكترونية الافتراضية التي صنعتها الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وينسجم فيها ويدين لها بالولاء أكثر من جماعته التقليدية الموجودة في الواقع! إن مجتمعات ما بعد العولمة وجماعاتها قد أصبحت مهترئة الروابط والعلاقات.

2. بعثرة الأديان وأتباع الأفكار:

لقد كانت الأديان تتركز في أمم ودول وشعوب ومجتمعات، حيث كان لكل دين شعوب ومجتمعات مختصة به، تدين به وتدافع عنه وتنطلق منه في التعبئة والحفاظ على الهوية، وكانت المجتمعات تتكون من أغلبيات كبيرة وأقليات صغيرة، ولكن أدوات العولمة وما بعد العولمة ستغير هذه الصورة وهذه العلاقة بين الأديان والمجتمعات، حيث سيتشتت ما بقي من الأديان وما استعصى على الفناء في الصراع مع الإلحاد ومذاهب الكفر بما وراء المادة، وستتبعثر الأديان في أنحاء الأرض، وستكون المجتمعات مكونة من ناحية التدين من جزأين الأول وهو الجزء الأكبر من الشعوب وهم الذين لا يدينون بأي دين محدد والثاني وهو الأقل وهو عبارة عن أقليات دينية ليس فيها أكثرية غالبة. وعلى سبيل المثال فإننا نشاهد اليوم انتشار الإسلام في العالم بسبب الدعوة من خلال الإنترنت وتجول الدعاة المؤثرين في أنحائه، وفي الوقت نفسه نرى خروج بعض أبناء المجتمعات الإسلامية في موجات إلحاد وانحراف عقدي وفكري تضرب وتستهدف أقطار المسلمين، وإذا استمر هذا الأمر على هذه الوتيرة إضافة إلى القمع الذي يجده الإسلام وأهله في بلاد العرب والمسلمين فإن هذا يعني انخفاض نسبة المسلمين في الحواضن التي كان يتركز الإسلام فيها في العالم العربي والإسلامي وتوزع تلك النسبة في أرجاء الدنيا

3. استبدال الجماعة بتيار الفكرة:

تيار الفكرة يوجد أفراده في مناطق متفرقة حول العالم ولكنهم يتفقون في فكرة أو سلوك أو قناعة أو هواية معينة يتواصلون من أجلها عبر شبكات التواصل حتى وإن كانوا يختلفون في بقية الأفكار

4. تنوع أفكار الأفراد:

أصبح فرد اليوم يتلقف كل ما لدى الأمم الأخرى الحاضرة والغابرة من ثقافات وأفكار منذ طفولته التي غاب فيها التأسيس وبناء أصول العقيدة والهوية، إن فرد اليوم أصبح يحمل مزيجاً متنافراً منوعاً من الأفكار والقناعات والتوجهات والقيم، وبسبب سيولة الأفكار التي يحملها فرد اليوم وسرعة تغيرها وكثرة التقلبات فإنه يصعب علينا أن نصنف المجتمع المكون من هذا النوع من الأفراد على شكل جماعات مترابطة يدين أفرادها لبعضهم بالولاء ويتحركون وفق المبادئ العليا لجماعاتهم، فلا غرابة أن تجد من شباب المسلمين اليوم على سبيل المثال من يقول أنا ليبرالي علماني اشتراكي مسلم! ويلبس سلسالاً فيه صليب ويصلي الجمعة! يؤمن بالأبراج وقراءة الكف ويتوكل على الله! فأمكن مشاهدة نماذج صارخة في تنافر أفكار الفرد وتنوعها تمثل إحدى الثمرات الأولية لعصر ما بعد العولمة، منها نماذج لفئة من الشباب ما زالت تنزع للتدين والإيمان وهو أقل سوءاً بلا شك من فئات من شباب المسلمين قد عزت الفروقات بينهم وبين الشباب العالمي غير المؤمن بالتدين أصلاً

5. تنوع الثقافات وتعدد الهويات في المجتمع الواحد:

لم يعد المجتمع في أي بقعة من بقاع الأرض كما كان في السابق موحد الثقافة والهوية في غالبه، بل أصبح المجتمع الواحد يضج بالعديد من الاتجاهات والانتماءات والهويات والأقليات والطوائف والأديان المختلفة.

6. تلاشي الفروق بين المجتمعات:

لقد كانت هوية وثقافة المجتمعات في السابق متمايزة بوضوح، أما اليوم فقد تلاشى جزء كبير من ذلك التمايز وأصبحت المجتمعات اليوم أكثر تشابهاً من ما مضى

7. غلبة الثقافة الغربية:

اكتسحت الثقافة الغربية في مرحلة العولمة العالم شرقاً وغرباً، وهزمت جل الثقافات العالمية وذوبتها وطوعتها وأخضعتها لخطوطها العريضة، ولم يصمد في مواجهتها إلا العقيدة الإسلامية التي صانت المجتمعات الإسلامية وحافظت على تماسكها وانسجامها وحيويتها، برغم كل محاولات فرض تلك الثقافة بكافة أدوات العنف والإرهاب! أما في مرحلة ما بعد العولمة فإننا بدأنا نلحظ انهياراً قيمياً وأخلاقياً وعقدياً في بعض مجتمعات المسلمين المقاومة، حيث بدأت بوادر ذلك الانهيار مع شبابها الذي انفتح منذ طفولته على وسائل التواصل العالمي بشتى أنواعه بشكل عام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص.

8. فوضى الجنس و«تحرير» المجتمعات من قيم العفاف:

بسبب تغلب الثقافة الغربية الداعمة لفوضى الجنس والإباحية وقيم التفسخ والانحلال على الثقافات العالمية فإن هذا قد صبغ المجتمعات العالمية بفوضى جنسية عارمة محمية بالقوانين الدولية والمحلية التي فرضت وانتزعت بالضغوط الدبلوماسية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى تشريع وحماية الأشكال الشاذة من العلاقات الجنسية المنحرفة، ولذا ستشهد المجتمعات التي ما زالت مقاومة ومحافظة بروز تيارات من دعاة الإباحية والشذوذ والتحول الجنسي يستعلنون بإظهار فواحشهم بل ويطالبون بالاعتراف القانوني بأوضاعهم الشاذة على غرار الجدل السائد الآن في المجتمعات الغربية

هذه أبرز ملامح وسمات مجتمعات ما بعد العولمة، ويتبين لنا خطر ثقافة عصر ما بعد العولمة الانحلالية التفتيتية التي أنتجتها وسائل التواصل العالمي الكثيف على تماسك المجتمعات البشرية ولحمتها، تلك الوسائل قد كانت في صالح الثقافة الغربية الليبرالية التعددية، وتهيء الأجواء لانتشار تلك الثقافة وهيمنتها وهيمنة القوى والمصالح التي تنطلق منها في السيطرة على الأمم والشعوب والثروات العالمية

لقد استفاد الغرب من وسائل التواصل العالمي التقليدية والحديثة في السيطرة على الثقافات العالمية المختلفة وتحطيم خصائصها ونقاط تميزها، ولم يستعص عليه كما أسلفنا سوى العقيدة والثقافة الإسلامية المتماسكة والصلبة. وهذا مما يفسر العداء الثقافي الغربي لها والممارسات التعسفية ضدها وضد أتباعها برغم كل محاولات التعايش السلمي والتطمينات ومحاولات التقارب التي قدمها المسلمون، إلا إن الخلاف بين الإسلام والثقافة الغربية عميق الجذور ومنظومتي المبادئ في الثقافتين على طرفي نقيض وخصوصاً فيما يتعلق بإدارة المجتمعات وتنظيمها وهذا الاختلاف كفيل بعدم تعايش أبناء الثقافتين في مجتمعٍ ما بشكل يحفظ حقوق كل منهما وكرامته وحريته وهذا ما يعني حالةً مستمرة من نشوب الصراعات والتوترات واضطراب المجتمعات.

مستقبل المجتمعات الإسلامية:

محاصرة العمل الدعوي وتجفيف منابعه، وإيقاف ومنع أشكاله المؤثرة والفعالة ووضع العراقيل والصعوبات والإجراءات البيروقراطية الطويلة والمعقدة أمام فعالياته

تعرض قوى وطاقات العمل الدعوي للترهل والضعف الداخلي والتفكك والتشتت.

التخلي عن العمل الدعوي الميداني والمباشر والتحول للدعوة من خلال التقنية ووسائل التواصل حيث هي السبيل المتاح في كثير من المجتمعات المسلمة، وهذا التحول برغم إيجابياته إلا إنه لن يعوض بحال عن مكاسب الدعوة الميدانية لا من ناحية الكيف ولا من ناحية الكم، ومع ذلك فما تم استثماره من وسائل التواصل أقل بكثير مما هو ممكن ومما هو مطلوب، ويتسم غالب الجهد المبذول بالعشوائية والفردية وغياب التنظيم والمؤسسية، كما يندر فيه ما يجذب ويروق من ناحية الشكل والإخراج لذائقة الشباب الجديد المختلف الذي ترعرع منذ أن وعى على تطبيقات التواصل التي يطلع من خلالها على سيول من الأفكار والعقائد والتوجهات في قوالب فنية جذابة مغرية لا يمكن مقارنتها بالقوالب التي يقدم بها الخطاب الدعوي

مسخ مناهج التربية في التعليم وتجريدها من كل ما يعزز أصول الاعتقاد الصحيح والهوية الإسلامية في كثير من بلدان المسلمين.

تغييب الشريعة عن حكم وتنظيم مجتمعات المسلمين، وهذا التغييب له أثره البالغ على تشكل الهوية في تلك المجتمعات وصيانتها.

غياب وتغييب ثقافة الاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتجريمها في كثير من بلاد المسلمين.

العبث بمنابر الجمعة وعزل الخطباء المؤثرين وتسليمها للضعفاء وأهل البدع.

 إلى غير ذلك من ملامح ومؤشرات تراجع الجهود المبذولة في الدعوة إلى الله وضعف وسائل التمسيك بالهوية الإسلامية في المجتمعات المسلمة مقابل تعاظم مخاطر الانحلال الديني والقيمي والثقافي والذوبان العقدي والأخلاقي في مستنقعات الشهوات والشبهات التي تدفع إليها مجتمعات المسلمين دفعاً.

هذه الأوضاع قد أفرزت وستفرز أجيالاً من المسلمين لم تتعرف على عقيدتها ودينها بشكل سليم ولم تتربَ على مبادئ دينها وقيمه بشكل كافٍ مع تأثرها وانفتاحها منذ الطفولة على بحور الشهوات والشبهات التي أغرقت بها وسائل الإعلام والتواصل العالمي، وإذا ما تسيدت هذه الأجيال - المغيبة عن هويتها والمتلطخة ببراثن الشهوة والشبهة - المجتمعات المسلمة واستلمت أزمة الأمور وأصبح منها الآباء والمربون والمعلمون والسياسيون والمثقفون فلا تسل عن أي حال ستكون عليه تلك المجتمعات، فقد يصبح المجتمع المسلم حينذاك مجتمعاً متعدداً طائفياً وعقدياً، ومتنوعاً فكرياً يعيش فيه النصراني وعابد الشيطان والملحد واللوطي والسحاقية والمتحول جنسياً جنباً إلى جنب مع المسلم المحافظ، يستعلن كلٌ منهم بفاحشته وسوءته ومذهبه ويدعو إليه! في حين قد يصبح المسلمون آنذاك أفراداً غرباء في مجتمعاتهم. وقد يكون أفضل مجتمعاتهم حالاً آنذاك هو المجتمع التعددي الذي يسمح لمن بقي من مسلميه المحافظين بالعيش والبقاء والتجمع وممارسة شعائرهم دون أن تعتدي عليهم وعلى حقوقهم طوائف المجتمع الأخرى!

إن تغير المجتمعات المسلمة اليوم يسير بوتيرة أسرع مما نظن وإن تحول المسلمين المتمسكين بهويتهم ودينهم وعقديتهم من أكثريات كانت تعم المجتمعات المسلمة إلى أقليات متناثرة في بلدانهم قد أصبح قريباً من التحقق بشكل أسرع مما مضى، إننا نخشى أن نرى أدياناً غريبة في البلدان التي انطلق منها أبناء الإسلام يفتحون الدنيا فضلاً عن ديار إسلامية لم تعرف سوى الإسلام ديناً منذ أن دخلها المسلمون فاتحين، كما نخشى أن نرى انتشار أشكال من الانحراف والشذوذ في تلك البلدان التي لم نتوقع يوماً أن تنتشر فيها، إن تلك الانحرافات موجودة بالفعل منذ وقت ليس بالقريب ولا نشك في وجودها لكنها كانت تتخفى تحت السطح وفي جحور الظلام. لم تكن مجتمعاتنا تعرف الأشكال الصارخة من الانحراف العقدي والشذوذ والانحراف الجنسي فيما مضى إلا كحالات فردية نادرة، أما اليوم فإنه ما لم يتحرك المصلحون كما ينبغي فإن تلك الشذوذات الاجتماعية والانحرافات العقدية والأخلاقية ستخرج بأحجامها غير المتوقعة من الظلام إلى العلن وستمسك بأزمة الأمور وستفرض شذوذاتها وانحرافاتها على ما تبقى من أسوياء مجتمعاتنا باسم الحرية والفردية والليبرالية والقانون المحلي والدولي، وليست المصيبة هنا فحسب بل وسنجد كثيراً من أبنائنا وبناتنا وأقاربنا ممن سيصفق لتلك الشذوذات الموافقة لأهوائهم التي شوهتها التقنية الحديثة، ولن يسبح المعافى منهم ضد التيار الذي تشكل وانطلق في غفلةٍ ورقدةٍ من المصلحين! إننا أمام تحدٍ كبير جداً ألا وهو تحدي الحفاظ على إسلامية المجتمعات المسلمة وإبقاء قيم الإسلام ونظمه ومظاهره الجميلة التي تزين مجتمعاتنا وتنظم الكثير من علاقتنا.

سبل البقاء:

لا شك أن الله عز وجل قد تكفل بحفظ دينه، وأن دين الله باقٍ ما بقي كتابه، وأنه وإن انخفض مستوى التدين بالإسلام والتمثل بتعاليمه في البلدان والأقاليم التي لم يعهد عنها إلا التدين بالإسلام فإن هناك الكثير من المبشرات عن تحول عالمي إلى الإسلام كدين متماسك يقدم الغذاء والرواء للأرواح والمجتمعات البشرية الظمآنة الجوعى، التي عصفت بها رياح المادة وأعاصير الشهوة وظلم وظلمات المذاهب المادية والليبرالية. إن انحسار بعض مظاهر الإسلام في البلدان العتيقة في الإسلام يقابله ما يثلج الصدر ويبهج الفؤاد من انتشار له في بلدان وأصقاع من الأرض لم يكن ليصل إليها يوماً لولا أدوات ووسائل عصرنا هذا، إن انتشار الإسلام في بلدان جديدة وانحساره في بلدانه العتيقة سينتج في الحقبة القادمة المسلم الجديد الغريب الذي هو أكثر حيويةً ونشاطاً وثباتاً من مسلمة الدار الذين طال عليهم الأمد وخارت منهم العزائم، وهذا ما سيغير وجه التاريخ من جديد وما يؤذن بفجر جديد قريب بإذن الله. إذن ليس الحديث هنا عن بقاء الإسلام أو عن بقاء من يدينون به في ظل طبيعة هذا العصر المتوحش وفي ظل الهجمة الغربية الشرسة، ولكن الحديث هنا عن سبل الحفاظ على إسلامية المجتمعات في البلدان والأقاليم التي لم يعهد عنها إلا الدينونة بالإسلام، إننا بأمس الحاجة للحفاظ على بقاء إسلامية المجتمعات المسلمة وأن تبقى الجغرافيا الإسلامية مكاناً للديمغرافيا المسلمة، نريد الحفاظ على هذا الرأسمال المهم حتى وإن كان الإسلام يكسب اليوم مجتمعات جديدة وأراضي جديدة.

ولا سبيل للحفاظ على هوية وإسلامية مجتمعاتنا إلا بـ

ثورة دعوية هائلة تعوض النقص الذي حصل في ما مضى من مراحل الركود والخمول الدعوي التي ما زلنا نعيشها حتى اليوم.

مكافحة التحلل القيمي والأخلاقي والعقدي الذي تسببت به أدوات العولمة بنفس تلك الأدوات وأكثرها تأثيراً وأبرزها الإعلام والإنتاج المرئي السينمائي القصير ووسائل التواصل الاجتماعي.

إعادة النهوض بالتربية الإسلامية والحفاظ على ما تبقى من محاضنها والبحث عن بدائل فعالة للبيئات المغلقة دونها.

التركيز على تعليم العقيدة الإسلامية والتربية عليها: وهذا يتطلب عدداً من الأمور:

- تصميم مناهج عقدية تعليمية تربوية تخاطب أبناء هذا العصر وتجيب على إشكالاته وتعالج قضاياه وسؤالاته الفلسفية وتبين أفضلية الإسلام في إدارة الحياة البشرية على غيره من المناهج والرؤى البشرية.

- تلقين تلك المناهج من خلال الوسائل والأدوات التقنية الحديثة (كتطبيقات ألعاب الأطفال، وتطبيقات الكبار على الأجهزة الذكية) وتفعيل دور المسجد في إعادة تعليم العقيدة للأجيال المسلمة.

- تكوين أكاديميات مصغرة ومدارس خاصة مختصرة في أحياء مدن وبلدات المسلمين لتدريس عقيدة الإسلام وثقافته والتربية عليها.

نسأل الله تعالى أن يستعملنا لخدمة دينه وأن لا يستبدلنا وأن يحفظ على بلدان المسلمين دينهم وإيمانهم وأخلاقهم وأن يبرم لأمة الإسلام أمراً رشداً يعزها به بين الأمم ويلم به شعثها ويوحد به كلمتها ورايتها على الحق والبر والتقوى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.