لا تفتأ أوربا والغرب يتوجسون خيفة من نجاحات حزب العدالة والتنمية في تركيا، كل خطوة تخطوها تركيا في اتجاه حريتها واستقلالها تُنشئ حالة من الاستفزاز للعقل الجمعي الغربي لوضع العراقيل أمام مسيرة التقدم التركي، فموقف أوربا في التعامل مع الاستفتاء التركي ليس موقف أنظمة أو أحزاب حاكمة، بل هو موقف معظم النخب السياسية والإعلامية في الغرب، فأحزاب المعارضة ممالئة للأحزاب الحاكمة، والأصوات الإعلامية كأنها رجع الصدى يصف الرئيس التركي «أردوغان» بالديكتاتورية، فالكثير من الصحف والقنوات الفضائية الرسمية في تلك العواصم قامت بإفراد مساحات للنشر باللغة التركية تخاطب الجاليات التركية لديها لإقناعها برفض التعديلات الدستورية والتصويت عليها بلا، ومع أن الموقف الأوربي في تناقضه مع معاييره عن الحرية شديد الوضوح، لكن لم نسمع من أبواق الحرية الغربية من ينتقد تلك الممارسات غير الديمقراطية إلا أصواتاً ضئيلة تأتي خيفة.

لم تكن محطة الانقلاب الفاشل في تركيا 2016م هي محطته الأولى ولا معركته مع الاستفتاء على الدستور الجديد ستكون الأخيرة، فقد تخللتها عشرات المحاولات الأخرى، منها محاولة خلق أزمة اقتصادية خانقة وإحداث انهيار في منظومة الاقتصاد التركي والتي استطاعت الحكومة التركية أيضاً تجاوزها.

فالصراع إذن مستمر متعدد الأشكال والأساليب؛ لأنه ليس صراع مصالح ونفوذ وفقط، بل لا تزال أوربا تعاني من عقدتها مع الإسلام الذي نفذ إلى عقر دارها وتخلل نسيجها الاجتماعي، وما تزال الانتصارات العثمانية في أوربا تلقي بظلالها على الرؤية الإستراتيجية الأوربية في التعامل مع هذا الجزء النابض من العالم الإسلامي.. إنها حقيقة الصراع حيث الهوية الدينية ما زالت المكون الأساسي في الشخصية الغربية، واجتماع القادة الأوربيين في ذكرى تأسيس الاتحاد الأوربي في الفاتيكان فيه إشارة مقصودة إلى هوية أوربا المسيحية، وأنها وفية لتلك الهوية، وأن الاتحاد الأوربي ناد مسيحي لن يسمح لتركيا المسلمة أن تكون جزءاً منه.

والعداء لتركيا المسلمة ليس وليد الحاضر بل هو حاضر في التاريخ، واقرأ إن شئت كتاب «مائة مشروع لتقسيم تركيا»، كتاب من تأليف الوزير الروماني ت. ج. دجوفارا، وزير دولة، ومبعوث فوق العادة إلى العاصمة الأستانة، كتبه بالفرنسية، والكتاب يحكي عن فترة من التاريخ ممتدة ما بين 1381-1913م، وترجم إلى العربية عام 1923م.

أحصى المؤلف خلاله مائة مشروع حقيقي لتقسيم هذه الدولة، لم يقدم تلك المشاريع والخطط النخب الحاكمة ورجال السياسية وفقط بل تَقدَّم بها سياسيون وقساوسة ومفكِّرون وأطباء، كل يدلي بدلوه ويقترح الطريقة الأنجع في كيفية القضاء على تلك الدولة وتفكيكها على مدى ستة قرون كاملة، إنها عقلية الإصرار والمحاولة والتنوع في الأساليب والخطط للوصول للهدف.

إنه ليس اليمين المتطرف إذن، فالعداء التاريخي للإسلام وتركيا في أوربا لم يكن وليد أحزاب أو تجمعات سياسية بل هو جزء من تصورات المجتمع وتركيبته الدينية والسياسية.

إنه ليس الاستفتاء إذن، إنما جاءت معركة الاستفتاء كاشفة وليست منشئة لهذا الحقد الصليبي، والمعركة ليست مع أوربا وفقط بل يقف الغرب كله وعلى رأسه الولايات المتحدة التي لا يبدو أنها تقف بعيداً عن عمليات تطويق تركيا، فهي تدعم وبشكل واضح تحالف «قوات سوريا الديمقراطية» الذي يسيطر عليه أكراد سوريا، والذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية ووجهاً آخر لحزب العمال الكردستاني الساعي للانفصال عن تركيا، والمشكلة الكردية هي من أكبر الأزمات التي تعاني منها تركيا والتي نجح حزب العدالة والتنمية في احتوائها بشكل كبير، ولكن ما دام هناك من ينفخ في النار ويمد هؤلاء المتمردين بالسلاح ويفسح لهم المجال في التحرك السياسي ويدعم مطالبهم، فستظل تلك أزمة تؤرق تركيا وتمثل ورقة ضغط عليها.

تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي والذي ينص ميثاقه على الدفاع المشترك وحماية الدول الأعضاء، لكن هذا لا يشمل تركيا، حيث لا تمثل الاتفاقات معها أية قيمة. ففي العام 2012م حين شن النظام السوري هجوماً لاذعاً ضد تركيا، متهماً إياها بدعم الإرهاب ضد بلاده، ومهدداً لها بتحويل الهجوم الإعلامي إلى هجوم عسكري، سارعت تركيا وقتها إلى تقديم طلب رسمي إلى حلف الشمال الأطلسي، تطالبه بنصب أجهزة دفاع جوية، واستجابةً للطلب التركي قامت هولندا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية بنصب منظوماتها الدفاعية على طول الحدود التركية - السورية، لكن فجأة ودون سابق إنذار بدأت هولندا في يناير 2015م بسحب أجهزتها الدفاعية من الحدود التركية، ومن ثم سحبت ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية أجهزتها في أغسطس من العام نفسه، وذلك قبل عام من تاريخ السحب الذي كان محدداً في يناير 2016م، مما أثار امتعاض تركيا، وهو ما يعني أنه حتى الاتفاقات والتحالفات العسكرية مع الغرب ما هي إلا حبر على ورق لا تمثل أي دعم أو غطاء عسكري حقيقي.

تركيا الدولة التي بدأت بالأخذ بزمام حريتها أدركت الواقع ورغبت في أن تخرج من نظام أرادها له ذيلاً؛ إلى موقع تحتل فيه القيادة وتستقل بقراراتها حيث مصلحة شعبها، فقامت بتوقيع اتفاقيات عسكرية موسعة مع الصين وروسيا اللتين تعتبران المنافس الأول لدول حلف الناتو، وربما تزامن ذلك مع توقيع تركيا لاتفاقية بناء منظومة دفاع جوي مع إحدى الشركات الصينية، حيث تم التوقيع في مطلع فبراير 2015م مع الصين، لقد كانت تلك الاتفاقات بمثابة مؤشر قوي لأوربا أن تركيا اليوم غير تركيا الأمس، وأن مواقفها ستكون نابعة فقط من مصلحتها، وليس مما يملى عليها، هذا أكثر ما أثار حفيظة أوربا؛ وهو أن تتعامل معها تركيا بأسلوب الندية والمماثلة.

إن الحروب والصراعات جولات ومراحل تفضي كل منها إلى الأخرى، وليس هناك فشل ولا توقف، فأوربا والغرب لا يعرفون إحباط الصدمات، فلم يقم الأوربيون سرادقات النواح على تصويت البريطانيين بالخروج من الاتحاد الأوربي، وقبله فشل مشروع الدستور الموحد للاتحاد الأوربي في استفتاء الشعوب. إنها كبوات على الطريق لكنهم لم يتخلوا عن حلمهم في الوحدة والتكتل، وما اجتماعهم في مقر الفاتيكان إلا تأكيد لوحدتهم على أساس الهوية، والتي بدأت بـ«السوق المشتركة»، والتي أسست وفق اتفاقية روما للعام 1957م ولم تتوقف إلى اليوم. ولم يتوقفوا أيضاً عن محاولة إحباط أي مشروع نهوضي في أي بلد إسلامي.

الحلم التركي أيضاً بدأ وهو عظيم بعظم الأمة والهوية التي ينتمي إليها الشعب التركي المسلم، وما خطوة بناء نظام سياسي جديد من خلال دستور جديد إلا خطوة صغيرة على الطريق، الهدف منها إنشاء نظام رئاسي يسرع من عملية اتخاذ القرار ويجعل نظام الحكم أكثر استقراراً، تعقبها خطوات نحو تحقيق حلم الدولة القوية المستقلة المعتزة بهويتها وانتمائها.

سؤال الـ«ماذا بعد؟»:

والمهم هنا وبعد انقشاع غبار معركة الاستفتاء على الدستور، هو العمل على الخطوة التالية، وأن تكون إجابة الـ«ماذا بعد؟» حاضرة وجاهزة للتنفيذ، لأنه ليس من المهم أن نحصل على إجابة «ماذا بعد فشل الانقلاب؟»، أو «نجاح الاستفتاء».. المهم أن نكون مدركين للخطوة التالية قبل الشروع في الخطوة الأولى، والحقيقة أن موضع السؤال هو قبل الحدث وأثناءه حيث إثارة السيناريوهات ووضع الحلول المتوقعة، وليس بعده، فأمام مئة خطة للإفشال لا بد أن يكون لدنيا مئات الخطط للنجاح وتحدي العراقيل. وبعد كل خطوة ناجحة لا بد من خطوات أخرى لاستكمال الوصول للهدف، حتى يأتي اليوم الذي تكون فيه إجابة السؤال: اليوم نغزوهم ولا يغزوننا