إن النفس الإنسانية عميقة الأغوار، معقدة الجوانب، سريعة التقلبات، لها إقبال وإدبار، ومحبة ونفور، وأنس ووحشة، ولها طاعات ومعاصٍ، وفيها خير وشر، فسبحان من سوَّى هذه النفوس وخلقها على هذه الهيئات المتنوعة.

وقد أقسم الله تبارك وتعالى في القرآن العظيم أحد عشر قسماً متوالياً للتأكيد على أن الفلاح والفوز هو مصير من زكَّى نفسه وسددها، وقوَّم عِوجها، وأن الخيبة والخسارة هي مصير من تركها فريسةً للهوى والشيطان، واتبع الشهوات، فقال تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا 1 وَالْقَمَرِ إذَا تَلاهَا 2وَالنَّهَارِ إذَا جَلَّاهَا 3 وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَاهَا 4 وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا 5 وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا 6 وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا 7 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا 8 قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا 9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 1 - 10]، وفي هذه الآيات دلالة على عِظم خالق هذه النفوس وفاطرها ومدبرها، وفيها توجيه للعبد بضرورة اعتنائه بصفاء نفسه والعمل على فوزها وتزكيتها؛ عبر سوقها إلى الله سوقاً حثيثاً، والصبر على فعل الخيرات، وترك الشرور والمنكرات، والابتعاد عن كل ما يؤدِّي إلى قطعها عن طريق ربها في الدنيا وهلاكها في الآخرة.

ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم  يبدأ خطبة الحاجة التي كان يقدم بها بين يدي مواعظه بالاستعاذة بالله من شر النفس، فيقول: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا»[1]، وفي هذا دلالة على وجوب الاعتناء بأمراض النفوس وعللها.

إن معركة العبد مع نفسه هي أشق وأخطر معركة يخوضها في حياته، إذ تدعوه النفس إلى الشح والبخل بالمال أن ينفقه، واتباع الشهوات والاغتراف من بحورها، وتُزين له نفسه الشرور بأنواعها والمكاسب المحرمة، والراحة والدعة والكسل، والفتور عن الطاعات، والبعد عن مشقتها، إلى غير ذلك من صنوف وساوس النفس وعداوتها، ولذا قال تعالى: {إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [يوسف: 53]، والعبد الصادق هو من يقف مع نفسه وقفة جادة، ويحاسبها، ويقودها إلى طاعة الله تعالى، قال مالك بن دينار - رحمه الله -: «رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها.. ثم خطمها.. ثم ألزمها كتاب الله تعالى، فكان لها قائداً»[2].

وإن من دقيق فقه العبد أن يعي أعداءه، ويكون على بينة من قُطاع الطرق بينه وبين ربه، ويعرف كيفية التعامل معهم، والتغلب عليهم، لينجو في دنياه وآخرته، وإن من أعداء المؤمن نفسه التي بين جنبيه؛ إذ كثيراً ما تدعوه نفسه الأمارة بالسوء إلى سلوك سبل الشر وتصده عن الخير، لذا يجب على العبد مراقبة نفسه وتقويم اعوجاجها، والحذر مما يرديها ويشقيها.

يقول الأستاذ غازي صبحي: «إن في النفس البشرية مجموعة قوى تمثل مجمل النوازع والميول والاتجاهات التي تتصارع في داخلها. والشرائع السماوية لم تأتِ لمحاربة الميول النفسية، بل لتهذبها وتسير بها نحو الأفضل. وقد ينجرف الإنسان وراء بعض الميول المنحرفة بشكل قوي، ويتعلق بها حتى تصبح همَّه الأوَّل وشغله الشاغل، وتأخذ بكلِّ أحاسيسه فيتحوَّل إلى عبد لها، فلا يسمع إلا من خلالها ولا يرى إلا بها، ولا يعشق غيرها، ومن ثمَّ فإنها تقوده إلى أودية الهلاك بملء إرادته واختياره، فهو يدرك أنه سائر في طريق منحرف، لكنَّه مشلول الإرادة، منهزم العزيمة أمامها، لا يلتزم حلالاً، ولا يجتنب حراماً. والتعبير القرآني المبدع يرسم صورة دقيقة لنموذج من النفس البشرية التي تترك الأصل الثابت، وتتبع الهوى المتقلِّب، وتتعبد في محراب الهوى، وتجعله مصدر تصوُّراتها وأحكامها ومشاعرها وتحركاتها، وتنصِّبه إلهاً قاهراً لها، مستولياً عليها، تتلقى إشاراته المتقلِّبة بالطاعة والتسليم والقبول»[3].

بركات الدعاء في تزكية النفوس:

من وسائل علاج النفوس التي يغفل عنها كثير من المسلمين: اللجوء إلى الله تعالى، والانطراح بين يديه، والتذلل والافتقار إليه، بالدعاء والإلحاح فيه؛ إذ القلوب والنفوس بيده، يقي العبد شرور نفسه ويلهمه الخير.

 وسر سلاح الدعاء في تزكية النفوس أن العبد يظهر فيه فقرَه إلى ربه، وأنه لا غنى له عنه طرفة عين، وأن خيره كله بيد ربه، فيُنزل حاجته به، ويظن به خيراً بأنه كريم لا يرد سائلاً، وعندها يحقق الله رجاءه ويعطيه سؤله.

 أدعية نبوية في تزكية النفوس

إن من يتأمل في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم  ومناجاته لربه، يجد أن هناك عدداً من الأدعية لا بأس به متعلق بتزكية النفوس وإصلاح شأنها، وهكذا كان دأب النبي صلى الله عليه وسلم  في التوسل والدعاء والمناجاة، ومن أجل إلقاء الضوء على بعض هذه الأدعية حاولت جمع بعض أهم هذه الأحاديث مع التعليق الموجز عليها، وأسأل الله التوفيق والقبول وحسن الخاتمة.

الحديث الأول: أعلى الفقر وأعظمه!

عن أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  لِفَاطِمَةَ: «مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ؟ أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ»[4].

وهذه وصية غالية من نبي الأمة للبَضْعَة النبوية فاطمة بنت محمد - رضوان الله عليها، وصلواته وسلامه على أبيها -، وتأمل في هذه الوصية حدب الأب وشفقته على ابنته الأنثى التي بقيت وحيدة بعد موت سائر أبنائه في حياته وأمام عينيه الواحد بعد الآخر، وهو يوصيها بهذه الوصية الغالية، أن تعتصم بحبل الله المتين، وتلجأ إليه أن يُصلح لها جميع أحوالها، ولا يكلها إلى نفسها، وهي من هي، رضي الله عنها.

وما أحوج العبد منا إلى هذا الانطراح وتلك الدعوات من قلب مخبت منيب، قال ابن القيم رحمه الله: «العبد مطروح بين الله وبين عدوه إبليس؛ فإن تولاه الله لم يظفر به عدوه، وإن خذله وأعرض عنه افترسه الشيطان؛ كما يفترس الذئب الشاة، فإن قيل: فما ذنب الشاة إذا خلى الراعي بين الذئب وبينها، وهل يمكنها أن تقوى على الذئب وتنجو منه..[5].

الحديث الثاني: دعوات جامعة في صلاح أحوال العبد في الدنيا والآخرة:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  كان يقول: «اللَّهمَّ إني أسألك الهُدى، والتُّقى، والعَفَافَ، والغِنى»[6].

وهذه الدعوات دعوات جامعة في صلاح أحوال العبد في الدنيا والآخرة، فجمع الخير كله في هذا الدعاء. فالهدى: هو العلم النافع. والتقى: العمل الصالح، وترك المحرمات كلها. وهذا صلاح الدين.

وتمام ذلك بصلاح القلب، وطمأنينته بالعفاف عن الخلق، والغنى بالله، ومن كان غنياً بالله فهو الغني حقاً، وإن قلت حواصله، فليس الغنى عن كثرة العَرَض، إنما الغنى غنى القلب. وبالعفاف والغنى يتم للعبد الحياة الطيبة، والنعيم الدنيوي، والقناعة بما آتاه الله.

قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «هذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها. وهو يتضمن سؤال خير الدين وخير الدنيا؛ فإن الهدى هو العلم النافع. والتقى العمل الصالح، وترك ما نهى الله ورسوله عنه. وبذلك يصلح الدين؛ فإن الدين علوم نافعة ومعارف صادقة؛ فهي الهدى، وقيام بطاعة الله ورسوله؛ فهو التقى.

والعفاف والغنى يتضمن العفاف عن الخلق، وعدم تعليق القلب بهم. والغنى بالله وبرزقه، والقناعة بما فيه، وحصول ما يطمئن به القلب من الكفاية، وبذلك تتم سعادة الحياة الدنيا، والراحة القلبية، وهي الحياة الطيبة.

فمن رزق الهدى والتقى، والعفاف والغنى، نال السعادتين، وحصل له كل مطلوب، ونجا من كل مرهوب، والله أعلم»[7].

ومن حقق هذه الأربع استقامت نفسه على الحق، وقنعت بما آتاها الله، ورضيت، وزهدت فيما في أيدي الناس، واستشعرت الغنى بالله جل وعلا.

الحديث الثالث: كيفية الوصول لتقوى النفوس:

عن زيد بن أرقم رضي الله عنه حين سُئل عمَّا سمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  يقول؟ قال: كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهمَّ آتِ نَفسي تَقْوَاها، وزَكِّها أَنت خَيرُ مَنْ زكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّها ومولاها، اللَّهمَّ إِني أَعوذ بك من علم لا ينفعُ، ومن قَلبٍ لا يَخشَع، ومن نَفسٍ لا تشبع، ومن دعوة لا تُستَجَاب»[8].

قال في مشكاة المصابيح: «(وآت نفسي تقواها) أي: طهرها من الذنوب، ونقِّها من العيوب، واجعلها زاكية كاملة في الإيمان، (فأنت خير من زكاها) فأنت وليها المتصرف فيها ومصلحها ومزينها، وانصرها على فعل ما يكون سبباً لرضاك عنها؛ لأنك ناصرها ومولاها وعاصمها.

واستعاذ من النفس التي لا تشبع لأنها تكون متكالبة على الحطام متجرئة على المال الحرام غير قانعة بما يكفيها من الرزق فلا تزال في تعب الدنيا وعقوبة في الآخرة، واستعاذ من الدعوة التي لا يستجاب لها لأن الرب سبحانه هو المعطي المانع الباسط القابض الضار النافع فإذا توجه العبد إليه في دعائه ولم يستجب دعوته فقد خاب الداعي وخسر؛ لأنه طرد من الباب الذي لا يستجلب الخير إلا منه»[9].

وقال الشيخ السعدي: «وكان صلى الله عليه وسلم  يتضرع إلى ربه في طلب التقوى وتزكية النفس، من كل رديء فيقول: (اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)؛ فحقيق بك أيها العبد الجد في تزكية نفسك لتنال الفلاح، وتستعين الله على إصلاح قلبك فإنه الجواد الفتاح، فإن الله لا ينظر إلى الصور والأموال، وإنما ينظر برحمته إلى القلوب الطاهرة وصادق الأعمال»[10].

الحديث الرابع: الرغبة إلى الله والعمل:

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم  لأَبِي: يَا حُصَيْنٍ كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهاً؟ قَالَ: سَبْعَةً سِتَّةٌ فِي الأَرْضِ، وَوَاحِدٌ فِي السَّمَاءِ، قَالَ: فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟ قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ: يَا حُصَيْنُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ، عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ، فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي الَّذِي وَعَدْتَنِي، قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي»[11].

قال في مشكاة المصابيح: «الرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه. قال القاري: أي: وفقني إلى الرشد وهو الاهتداء إلى الصلاح، (وأعذني من شر نفسي) أي: أجرني واحفظني من شرها فإنها منبع الفساد. قال الشوكاني: وهذا الحديث من جوامع الكلم النبوية؛ لأن طلب إلهام الرشد يكون به السلامة من كل ضلال والاستعاذة من شر النفس يكون بالسلامة من غالب معاصي الله سبحانه؛ فإن أكثرها من جهة النفس الأمارة بالسوء»[12].

الحديث الخامس: استشعار القلوب للحاجة إلى الهداية:

عن أبي ذَرّ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  قال: فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «يا عبادي، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم، يا عبادي، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ، فاستطعِموني أُطْعِمْكم، يا عبادي، كُلُّكم عار إلا مَنْ كَسوْتُه، فاستكْسُوني أكْسُكُمْ، يا عبادي، إنكم تُخطئون بالليل والنهار، وأنا أَغْفِرُ الذُّنوبَ جميعاً، فاستغفروني أغفِرْ لكم، يا عبادي، إنَّكم لن تبلغُوا ضَرِّي فتَضُرُّوني، ولن تبلغوا نَفْعي فتنفعوني»[13].

وهذا الحديث يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وفيه أن الله تعالى يحب أن يسأله العباد ويستغفروه، وفيه أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق ولا ينقص بمعصيتهم، وأن خزائنه لا تنفد ولا تنقص، وأن ما أصاب العبد من خير فمن فضل الله تعالى، وما أصابه من شر فمن نفسه وهواه.

قال ابن رجب الحنبلي: «هذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئاً من ذلك كله وإن من لم يتفضل الله عليه بالهدى والرزق فإنه يحرمهما في الدنيا ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أوبقته خطاياه في الآخرة»[14].

الحديث السادس: سؤال الله الهداية والتوفيق:

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قال: «كانَ النبيُّ إذا قام إلى الصلاة قال: وَجَّهْتُ وجهيَ للذي فَطرَ السَّمواتِ والأرضَ حَنيفاً، وما أنا مِنَ المشركين، إِنَّ صلاتي ونُسُكي ومَحْيَايَ ومماتي للهِ رَبِّ العالمينَ، لا شريكَ لَهُ، وبِذَلِكَ أُمِرتُ وأنا من المسلمينَ، اللهم أَنت الملِكُ، لا إلهَ إلا أنتَ، أنت ربي، وأنا عبدُكَ، ظَلَمْتُ نَفسي، واعتَرفْتُ بذنبي، فاغفِر لي ذُنُوبي جميعاً، لا يغفر الذُّنُوبَ إِلا أنْتَ، واهدني لأحْسنِ الأخلاقِ لا يَهْدي لأحسنِها إلا أنت، وَاصرفْ عَني سَيِّئَها، لا يصرفُ عني سَيِّئَهَا إِلا أنتَ»[15].

وفيه افتقار العبد إلى ربه أن يُصلِح له نفسه ويهديه للخير والحق، فيرشده لأصوب الأعمال والأقوال وأحسن العقائد والأفكار، وأقوم السبل، وأفضل الأصحاب، وأفضل الزيجات، وأفضل السفريات، وأفضل كل شيء عنده، ويوفق العبد للتخلق بكل نافع مفيد له في الدنيا والآخرة.

الحديث السابع: دعاء جامع لخيري الدنيا والآخرة:

عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  كان يقول في دعائه: «رَبِّ أَعِنِّي، ولا تُعِنْ عَلَيَّ، وانْصُرْني ولا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وامكُرْ لي ولا تَمكُرْ عَلَيَّ، واهدِني ويَسِّرْ الْهُدَى لي، وانْصُرْني على مَن بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجعلْني لك شَاكِراً، لك ذَاكِراً، لك رَاهِباً، لك مِطْوَاعاً، لك مُخْبِتاً، إِليك أَوَّاهاً مُنيِباً، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبتي، واغْسِلْ حَوْبَتي، وأجِبْ دَعْوَتي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وسَدِّدْ لِسَاني، واهْدِ قلبي، واسْلُلْ سَخيمَةَ صَدْرِي»[16].

ويبدو في هذا الدعاء الجامع سؤال النبي صلى الله عليه وسلم  إصلاح أحواله كلها، وتدبير شأنه، وتيسير أمره، واستقامة أعضائه على طاعته، وفي هذا كله صلاح للنفس واستمرار لاستقامتها، وفلاحها في الدنيا والآخرة.

الحديث الثامن: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه:

عن شهر بن حوشب قال: «قلتُ لأُمِّ سلمة: يا أُمَّ المؤمنين، ما كان أَكْثَرُ دُعاءِ رسولِ الله إِذَا كان عندكِ؟ قالت: كان أَكثَرُ دُعَائه: يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قَلْبي على دينك، قالت: فقلتُ له: يا رسولَ الله، ما أَكثَرَ دُعَائِكَ بهذا؟ قال: يا أُمَّ سلمةَ، إنه ليس آدَميٌّ إلا وقلبُه بين إِصْبَعيْنِ من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزَاغَ»[17].

قال ابن القيم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك.. ففي هذا المشهد يشهد توفيق الله وخذلانه كما يشهد ربوبيته وخلقه، فيسأله توفيقه مسألة المضطر، ويعوذ به من خذلانه عياذ الملهوف، ويلقي نفسه بين يديه طريحاً ببابه مستسلماً له، ناكس الرأس بين يديه، خاضعاً ذليلاً مستكيناً لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ونشوراً[18].

والمتأمل في كتب السنة يجد دعوات كثيرات في تزكية النفوس، ونسأل الله أن يفقهنا في ديننا ويأخذ بنواصينا وقلوبنا إليه أخذ الكرام عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 


 


[1] أخرجه أحمد (3720)، وأبو داود (2118)، والترمذي (1105)، والنسائي (1404)، وابن ماجه (1892)، وصححه الألباني.

[2] إغاثة اللهفان لابن القيم (79).

[3] القرآن منهاج حياة (3/147)، إعداد: غازي صبحي آق بيق، قام بتنسيقه وفهرسته: علي بن نايف الشحود، نسخة إلكترونية منشورة على المكتبة الشاملة.

[4] أخرجه النسائي في الكبرى (10405)، والحاكم (2000) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي في شعب الإيمان (761)، والضياء في المختارة (2320) وقال: إسناده حسن. وحسنه الألباني، انظر حديث رقم: 5820 في صحيح الجامع.

[5] التفسير القيم، ص347.

[6] أخرجه مسلم (2721).

[7] بهجة قلوب الأبرار (7/248).

[8] أخرجه مسلم (2722).

[9] مشكاة المصابيح، للتبريزي (8/ 475) بتصرف واختصار.

[10] الفواكه الشهية في الخطب المنبرية (ص286)، المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، الطبعة الأولى 1412هـ/1991م، الناشر: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

[11] أخرجه الترمذي (3483) وقال: حسن، وحسنه النووي في رياض الصالحين، ص337.

[12] مشكاة المصابيح، للتبريزي (8/ 514) بتصرف واختصار.

[13] أخرجه مسلم (2577).

[14] جامع العلوم والحكم، ص224.

[15] أخرجه مسلم (771).

 [16] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (665)، والترمذي (3551) وصححه الألباني.

 [17] أخرجه الترمذي (3522) وصححه الألباني.

[18] مدارج السالكين (1/414).