يهتم الكثير من علماء النفس بدراسة الظواهر السلوكية لمعرفة أسبابها بحيث تتم معالجة نتائجها والحكم عليها ووصفها، وبذلك تعددت الدراسات والأبحاث في خدمة النفس الإنسانية، ومع ذلك مع الأسف لم تلبِ تلك الدراسات حاجات الإنسان الفطرية والنفسية والسبب في ذلك هو الجهل بكثير من الأمور الخفية التي لا يعلمها إلا خالق النفس الإنسانية ولا تُعرف إلا عن طريق الوحي؛ قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا 7 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا 8 قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا 9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10].

وقبل الحديث عن أعمال القلوب ينبغي أن نتعرف على القلب عن قرب، فالقلب عن عند أهل اللغة له معان عدة: منها تحويل الشيء عن وجهه، فقلبت الشيء فانقلب، وكلام مقلوب، ومن معانيه: المحض بمعنى: وجئتك بهذا الأمر قلباً أي محضاً، إضافة إلى معناه المعروف في جسم الإنسان[1].

والمقصود بعمل القلب هو الاستسلام بما يعتقد به من صدق القول وصحة العمل والجوارح.

أعمال القلوب بين خيرها وشرها:

حينما نتدبر القرآن الكريم ونتأمل السنة النبوية نجد أن للقلوب أعمالاً تدل على الخير وأخرى تدل على الشر فمن أعمال القلوب في الخير على سبيل المثال لا الحصر: الإخلاص والمحبة والرضا والخوف والرجاء والتوكل والصبر والورع والشكر واليقين والخشوع والإخبات والاطمئنان.

ومن أعمال القلوب في الشر، أو ما يسمى عند البعض مفسدات القلوب: الكبر والحسد والنفاق والغرور والحقد والترف وحب الدنيا والهوى والكفر والشرك وغيرها.

وتلك الأعمال لها أدلتها وحكمها في الشريعة الإسلامية الغراء[2].

فينبغي على المسلم معرفة أعمال القلوب لتزكيتها وتقوية الإيمان فيها والابتعاد عما يفسدها أو تكون قاسية بسبب الهوى والنفس الأمارة بالسوء وخطوات الشيطان والحفاظ على نقاوتها وصفائها بكثرة الدعاء والذكر وعمل الطاعات.

وكما نعلم أن القلب سريع التقلب والتغير والعطب والمرض، وقد سمي القلب قلباً لعدة أسباب منها:

ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء»، ثم قال صلى الله عليه وسلم : «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك»[3].

وقد نظم بعضهم هذا المعنى بقوله:

ما سمي القلب إلا من تقلبه

 فاحذر على القلب من قلب وتحويل[4]

وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم  يقسم بمقلب القلوب[5].

وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم  القلوب بأنها على أربعة أنواع فقال صلى الله عليه وسلم : «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح؛ فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح[6] فقلب فيه إيمان ونفاق ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأى المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه»[7].

تزكية القلب.. دلالات ونتائج:

القلوب دائرة بين تطهيرها وتزكيتها، وكلا هذين الأمرين من التطهير والتزكية له دور مهم في تحصين القلب ونقائه

والتطهير مقدم على التزكية من باب: التخلية قبل التزكية، فالتطهير هو إخراج دغل القلب وفساده، فيكون مهيأ لاستقبال الخير والترقي فيه وتزكيته ومن الأدلة على ذلك من القرآن الكريم قول الله تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256]، وقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103].

والإيمان بمعناه الواسع هو الذي يربط القلب قال تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إذًا شَطَطًا} [الكهف: 14]، وقال تعالى: {لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ} [القصص: 10]، والإيمان يزين قلب الإنسان، قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: ٧].

والذكر يجعل القلب رطبا ليناً مطمئناً قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وقال تعالى: {الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 35]، وقال تعالى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23]، وقد جاء أعرابيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال أحدهما: يا رسول الله، أخبرني بأمر أتشبث به، قال: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله»[8].

وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة والمتنوعة التي تدعو إلى تزكية القلوب ونقائها وتجنب كل ما هو مفسد للقلب وضار به.

 


 


[1] انظر: العين للفراهيدي: 5/121، وابن فارس في معجم مقاييس اللغة: 5/17، والمعجم الوسيط لمصطفى إبراهيم وآخرين: 2/753.

[2] من المهتمين بتوضيح أعمال القلوب الشيخ محمد صالح المنجد، فقد ألقى اثنتي عشر محاضرة في أعمال القلوب ومفسداتها في دورة علمية تم إخراجها على هيئة مادة منشورة، وقد سبقه ابن القيم في مدارج السالكين، وكذلك ابن تيمية وغيرهم من العلماء.

[3] أخرجه مسلم في صحيحه 4/2045.

[4] انظر: لسان العرب: 1/687.

[5]  عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: «كانت يمين النبي: لا ومقلب القلوب»، أخرجه البخاري في صحيحه برقم (6617) و(6628) و(7319).

[6] أي ذو وجهين انظر: غريب الحديث لابن الجوزي:1/592.

[7] أخرجه أحمد في مسنده من طريق أبي سعيد الخدري: 17/208 برقم (11129)، موسوعة مسند أحمد الذهبية بتحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، وقال شعيب: إسناده ضعيف.

[8] أخرجه ابن حبان في صحيحه: 6/96 برقم (814)، وقال المحقق شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي، معاوية بن صالح صدوق له أوهام، أخرج له مسلم، وقد توبع عليه، وباقي رجاله ثقات، ويزيد بن موهب: هو يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي.

وأخرجه أحمد 4/190 عن عبد الرحمن بن مهدي وابن أبي شيبة 10/301، والترمذي (3375) في الدعاء: باب ما جاء في فضل الذكر، وابن ماجه (3793) فى الأدب: باب فضل الذكر، من طريق زيد بن الحباب، كلاهما عن معاوية بن صالح، وصححه الحاكم 1/495، وأقره الذهبي.