إن من الحقائق أن فلاح الإنسان متوقف على زكاة نفسه المفضية إلى سلامة قلبه من الآفات وفي مقدمتها: آفة الإشراك بالله تعالى.

وتتأسس تلك الحقيقة على نصوص قرآنية وحديثية؛ أشهرها سورة الشمس التي أقسم الله تعالى فيها بأحد عشر قسماً على أن الإنسان المفلح هو من زكى نفسه.

لكنني أريد أن أستشهد لهذه الحقيقة من سورة أخرى قلّ أن تذكر في هذا السياق؛ أعني صدر سورة المؤمنون الذي بين فيه ربنا جل وعلا صفات المؤمنين المفلحين؛ ومنها: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: ٤]؛ ثلاث قرائن تؤكد أن الزكاة هنا لا يراد بها معناها الاصطلاحي الذي هو إنفاق المال في سبيل الله تعالى:

القرينة الأولى: أن سورة المؤمنون مكية بلا خلاف كما قال الزركشي والقرطبي وآخرون. ومعنى هذا أنها نزلت قبل تشريع الزكاة الذي كان في السنة الثانية بعد الهجرة في قول الجمهور.

القرينة الثانية: أن الآية استعملت كلمت {فَاعِلُونَ}، أما الزكاة بالمعنى الاصطلاحي فقد درج القرآن على ربطها بفعل: الإيتاء؛ كما في قول الله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277]. وقوله سبحانه: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْـمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْـمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْـمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْـمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 162]، أما في آية المؤمنون فقال سبحانه: {لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}.

 قال الآلوسي في تفسيره روح المعاني (9/ 208): «الظاهر أن المراد بالزكاة المعنى المصدري [التزكية] لأنه الذي يتعلق به فعلهم، وأما المعنى الثاني وهو القدر الذي يخرجه المزكي فلا يكون نفسه مفعولاً لهم».

وقال أبو حيان في البحر المحيط في التفسير (7/ 547): «الزكاة إن أريد بها التزكية صح نسبة الفعل إليها إذ كل ما يصدر يصح أن يقال فيه فعل».

القرينة الثالثة: أن الله تعالى فصل بين الصلاة والزكاة بقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: ٣]، قال سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ الْـمُؤْمِنُونَ 1الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ 2 وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ 3 وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: ١ - ٤].

بخلاف الآيات التي يتحدث فيها عن الزكاة بمعنى الإنفاق؛ فقد اطرد فيها قرن الزكاة بالصلاة، قال الآلوسي (9/ 208): «وربما يقال: الفصل بينهما يشعر بما اختاره الراغب ومن حذا حذوه، وأيضاً كون السورة مكية والزكاة فرضت بالمدينة يؤيده لئلا يحتاج إلى التأويل بما مر فتدبر».

وقد ذكر اختيار الراغب قبل ذلك في قوله: «واختار الراغب أن الزكاة بمعنى الطهارة واللام للتعليل؛ والمعنى: «والذين يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم الله تعالى أو ليزكوا أنفسهم».

ونقل نحوه الطيبي عن صاحب الكشاف؛ فقال: «قال صاحب الكشف: (معنى الآية: الذين هم لأجل الطهارة وتزكية النفس عاملون الخير). ويرشد إلى ذلك قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى 14 وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15]، {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس: ٩]. فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً ولا ينبغي أن يعدل عن تفسير بعضه ببعض ما أمكن».

ومن هنا قال الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير (18/ 12): «أصل الزكاة أنها اسم مصدر (زكّى) المشدد، إذا طهر النفس من المذمات».

وبما تقدم يظهر المعنى العظيم للآية الكريمة؛ وهو أن المؤمنين الطالبين للفلاح يجب عليهم تزكية نفوسهم بفعل الخير بنوعيه: القاصر والمتعدي؛ وأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بذلك.

والفلاح فسره القرآن الكريم بالنجاة من الخسر؛ كما في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ 1إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ 2 إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْـحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: ١ - ٣]، وفسره بالسلامة من أسفل سافلين؛ كما في قوله سبحانه: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ 4 ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ 5 إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ} [التين: ٤ - ٦]، وفسره بالنجاة على الصراط في قوله جل وعلا: {وَإن مِّنكُمْ إلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا 71 ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظَّالِـمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 71، 72]، وفسره بالإبعاد عن النار ودخول الجنة؛ كما في قوله تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْـجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185]، وفسره في آخر آيات صدر سورة المؤمنون بوراثة نعيم الجنة؛ فقال تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ 10 الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 10، 11]، ومثله قوله تعالى في سورة المعارج: {إنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا 19 إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا 20 وَإذَا مَسَّهُ الْـخَيْرُ مَنُوعًا 21إلَّا الْـمُصَلِّينَ 22 الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ 23 وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ 24 لِلسَّائِلِ وَالْـمَحْرُومِ 25 وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ 26وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ 27 إنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ 28 وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ 29 إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ 30 فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ 31 وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ 32 وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ 33وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ 34 أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} [المعارج: 19 - 35].

فالفلاح هو النجاة من الهلاك ووراثة الجنة؛ بما فيها من رؤية الرب الخالق والتمتع بما أعد سبحانه فيها من نعيم مقيم.

وتأمل التشابه بين آيات سورة المعارج وآيات صدر سورة المؤمنون؛ فقد ذكر الله تعالى الصفات ذاتها في السورتين، ورتب عليها الفلاح في سورة المؤمنون، وفسر الفلاح في السورتين بوراثة الجنة والفوز بكرمها.

ومن جميل ما نلاحظه ونحن نتأمل في مناسبات ترتيب سورتي الحج والمؤمنون؛ أن سورة الحج ختمت بما يرغب المؤمنين في الفلاح؛ فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْـخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [الحج: ٧٧]، فكأن نفوسهم تاقت لمعرفة سبيل الفلاح بالتفصيل الذي تعظم به رغبتهم وتتحفز به هممهم وتتعمق به معرفتهم بحقيقة العمل الصالح وفعل الخير؛ فافتتحت السورة الموالية بما يجيب عن سؤالهم ويلبي طلبهم: {قَدْ أَفْلَحَ الْـمُؤْمِنُونَ 1 الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ 2 وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ 3 وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ 4 وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ 5 إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ 6 فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ 7 وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ 8 وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ 9 أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ 10 الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: ١ - ١١].

فسبحان الذي نزل الكتاب: {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89].