ذكر ابن القيم في مدارج السالكين أن الشيطان يريد أن يظفر بالمرء في واحدة من عقبات سبع، إذا عجز عن الأولى اجتهد ليوقع به في التي تليها، وعد تلك العقبات فذكر[1]:

العقبة الأولى عقبة الكفر بالله، والعقبة الثانية عقبة البدعة، والثالثة عقبة الكبائر، والرابعة عقبة الصغائر، والخامسة عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها فيشغله بها، والعقبة السادسة عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات فيأمره بها ويحسنها في عينه ويزينها له ويريه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل.

ثم قال رحمه الله: «فإذا نجا منها لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لا بد منها، ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه وأكرم الخلق عليه، وهي عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى، باليد واللسان والقلب، على حسب مرتبته في الخير، فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله، وظاهر عليه بجنده، وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط، وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها، فإنه كلما جد في الاستقامة والدعوة إلى الله والقيام له بأمره، جَدَّ العدو في إغراء السفهاء به، فهو في هذه العقبة قد لبس لأمة الحرب، وأخذ في محاربة العدو لله وبالله، فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين، وهي تسمى عبودية المراغمة، ولا ينتبه لها إلا أولو البصائر التامة، ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له، وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه»[2].

وهذا التعبير «عبودية المراغمة» لم أجده عند غيره رحمه الله، لكن من كلامه يعلم أن المراغمة نوع من المجاهدة، غير أنها في اصطلاحه أكثر اختصاصاً بفعل المأمورات، كإقامة الدين، والدعوة إليه، وإصلاح المجتمعات، وإزالة المظالم والمنكرات، ونحو ذلك. والمجاهدة أعم من ذلك، تكون على فعل الأمر، وعلى ترك النهي.

وفرق آخر وهو أن المجاهدة يتعلق بها عمل الجوارح، والكلام، واعتقادات القلب وخواطره، بينما المراغمة أخص بالأمور العملية لا التركية أو الاعتقادية.

هذا ما يترآه الناظر في كلام ابن القيم رحمه الله، وإن كانت الدلالة اللغوية أوسع من ذلك إذ تشمل المراغمة كل فعل يكرهه وينقمه عدوك، «يقولون: ما أرغم من ذلك شيئاً أي ما أكرهه وما أنقمه. وما أرغم منه إلا الكرم. وما ترغم من فلان: ما تنقم منه»[3]، وهذا في الحقيقة معنى أعم من المجاهدة، فما يرغم الشيطان كثير، وكثير منه لا يحتاج إلى كبير مجاهدة، إذ ليست كل مشقة ولو كانت يسيرة عادية، يقال لمن أتاها جاهد أو مجاهد.

ولعل الاستعمال الشرعي أجرى على هذا المعنى مما خصه به ابن القيم رحمه الله، فكثيراً ما يجيء استعمال المادة في معنى الكراهة، كقول بعضهم لبعضهم أرغم الله أنفك[4]، وكقول عمر رضي الله عنه في خبر اعتزال النبي # نساءه وإيلائه منهن شهراً: «رغم أنف حفصة وعائشة»[5]، وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر، وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال وإن رغم أنف أبي ذر[6]. وكما قال ابن عباس لرجل من بني الهجيم قال له: ما هذه الفتيا التي قد تشغفت أو تشغبت بالناس أن من طاف بالبيت فقد حل! فقال: سنة نبيكم وإن رغمتم[7]، وعن أبى هريرة عن النبي # قال: «رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف»، قيل من يا رسول الله قال: «من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة»[8]، وقال كما في حديث أنس عند الترمذي: من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له[9]، وقال في سجدتي السهو: «ثم ليسجد سجدتي السهو فإن كان صلى خمساً شفعتا له صلاته وإن كان صلى أربعاً فهما يرغمان الشيطان»[10].

وقال الله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، قيل يجد متزحزحاً عما يكره، وقيل معناه مهاجراً وأصله أنه إذا أسلم الرجل خرج عن قومه مُراغِماً، أي: مغاضِباً لهم، ومهاجِراً، أي: مقاطِعاً من الهجران، فقيل للمذهب: مراغم.

وسائر ما سبق يعود إلى معنى الكراهة بنوع استعارة أو كناية.

والإمام ابن القيم رحمه الله يريد المراغمة التي تكون نقمة للشيطان وكرهاً، وهي مع ذلك فيها معنى المفاعلة فالمراغمة مفاعلة من راغم، وهي مصدر مطرد لفاعل، والمفاعلة سبيلها في لغة العرب المشاركة بين اثنين فأكثر، هذا أصلها، فهي تتوجه إلى الفاعِلَيْن أو الفاعِلِين، والتعبير بها فيه رعاية لمغالبة الفاعلين أكثر من رعاية الفعل.

والمهم هنا أن نفهم أن المراغمة التي تكون عبادة، غير مطلق المراغمة التي تجري عليها الأحكام التكليفية المختلفة.

كما أن المقاتلة والمضاربة والمناقشة التي تكون عبادة غير مطلق ذلك، وأمر آخر هو أن المراغمة معنى أوسع من المقاتلة والمضاربة وسائر الأعمال التي قد تكون عبادة أو مشروعة بشروط، فالمراغمة قد تكون محاورة، وقد تكون مناظرة، وقد تكون مقاتلة، وقد تكون غير ذلك.. والمهم من ذلك ما كان مع عدو الله أو من يخالف أمره لإقامة أمر الله تعالى.

قال ابن القيم رحمه الله: «والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِـحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْـمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120]، وقال تعالى في مَثَل رسول الله وأتباعه: {وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29]، فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له فموافقته فيها من كمال العبودية»[11].

«فمن تعبد الله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة، ولأجل هذه المراغمة حُمِد التبختر بين الصفين، والخيلاء والتبختر عند [لقاء العدو، وحمدت] صدقة السر حيث لا يراه إلا الله لما في ذلك من إرغام العدو وبذل محبوبه من نفسه وماله لله عز وجل»[12].

«وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس، ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصاحب هذا المقام إذا نظر إلى الشيطان ولاحظه في الذنب راغمه بالتوبة النصوح، فأحدثت له هذه المراغمة عبودية أخرى»[13].

ولعل الشيخ أراد بقوله: «لا يعرفه كثير من الناس»، لا يولونه حق رعايته، وإلا فإن أصل المراغمة لأعداء الله من البراء الواجب الذي لا يتحقق الإيمان الواجب إلا به، وكثير من الناس قائم به بحمد الله، لكن رعاية ذلك في أكثر موارده قد يغفل عنه، والذي ينبغي أن يستشعر المؤمن إذا فعل الطاعة أنه يرغم بذلك أنف الشيطان، ويذله، ويغيظه، وإذا وقع في الذنب تاب واستشعر أيضاً في توبته إرغام الشيطان، وإذا أقام مشروعاً إسلامياً لاحظ مع نية العمل الصالح إرغام أعداء الله، وإذا ناهض مشروعاً تغريبياً أو شيطانياً لاحظ كذلك مراغمة أعداء الله، فهذا المعنى لا يتحقق به ولا يلتفت إليه إلا القليل من الناس والله المستعان.

والمراغمة التي ينبغي أن يشتغل بها المسلم لأعداء الله تعالى نوعان: مراغمة يقيم بها شرع الله، دأب بها في الدعوة، إلى إقامة دينه، وإقامة مشاريع إسلامية نافعة، وبناء مجتمعات مسلمة قوية. ومراغمة تحارب بها عدو الله، تناهض بها مشاريع الشيطان وأحزاب الضلالة، والنوع الأول من المراغمة أشرف وأجل، وإن كان هذا النوع الأخير لا غنى عنه، فالأول يبني وهذا يحمي البنيان ويقوض بنيان الضلال، الأول إقامة للمأمور، والثاني نهي عن المحظور، وجنس الأول أشرف، وأما الثاني فكثير منه ردة فعل وحاجة اقتضاها الواقع وألزمت بها الأحوال.

وكلا النوعين لا بد للمؤمن فيه من صبر واحتساب، فعداء الناس ينكسر أمامه ضعيف اليقين بمبدئه، وقليل الصبر سريع الجزع، ومن لا يحتسب الأجر في ما يصيبه قل أن يصبر، والأعداء لن يتركوك إلا أن تسلم لهم أو تراغمهم فينصرك الله عليهم إن أخذت بالأسباب وتصرفت وفق الشريعة، فاسلك سبيلك واستحضر هذه الثلاثة: إيمان، وصبر، واحتساب؛ تفلح إن تحققت بها إن شاء الله، {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].

وختاماً من المسلمين من انتصب لمراغمة إخوانه! وهذا قد ضل السبيل، وهو بمثابة من انتصب لقتالهم بدعوى الجهاد، وهذه من أقبح بدع التعبد!

لكن من المسلمين من قد يخطئ في جزئية، فقد يسيء إليك مسلم ويراغمك، فلا تستفزنك الخصومة مع الخصم الصغير وانتبه للأكبر! أيهما أعظم عداوة لك هذا المسلم الذي راغمك في جزئية أم الشيطان؟

راغم أولاهما بالمراغمة واخزه بالعفو عن أخيك! «فإذا أغضبت تثبت ثم تفكّر فضل كظم الغيظ ونحوه وأحسن تفز بما أخبر به تعالى: {إنَّ اللَّهَ لَـمَعَ الْـمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، أو اعف ولا تقابل فتقابل وأطع الله فيمن أساء إليك وأنله فضلك يمنح بحسن خلقك حبك وأرغم الشيطان بالمبالغة في الإحسان، فإنه متى علم الشيطان منك أنه كلما وسوس إليك بجفاء بادرت الوفاء صار أكثر كيده أنه لا يأتيك كي يمنعك مخالفته، ومتى ضررت عدوّك بما ضر دينك فبنفسك بدأت فاختر لنفسك ما يحلو وبالله التوفيق»[14].

وفقني الله وإياكم للثبات ولعمل الصالحات، وإياه نسأل أن يعز جنده، وينصر أولياءه، ويذل أعداءه، والحمد لله رب العالمين.

قال ابن القيم: الله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته، فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له، فموافقته فيها من كمال العبودية.

 

 


 


[1] انظرها في مدارج السالكين 1/222-225.

[2] السابق 1/225-226.

[3] أساس البلاغة للزمخشري مادة: (رغم) ص239.

[4] انظر صحيح البخاري (1299)، ومسلم (2204)، كما في خبر الرجل الذي قال إن نساء جعفر وذكر بكاءهن فأمره أن ينهاهن فذهب ثم أتاه الثانية لم يطعنه فقال انههن فأتاه الثالثة قال والله غلبننا يا رسول الله فزعمت أنه قال فاحث في أفواههن التراب فقلت أرغم الله أنفك لم تفعل ما أمرك رسول الله ولم تترك رسول الله من العناء.

[5] انظر صحيح البخاري (4913)، ومسلم (3765).

[6] صحيح البخاري (5827)، ومسلم (283).

[7] صحيح مسلم (3077).

[8] صحيح مسلم (6674).

[9] جامع الترمذي (2465)، وصححه الألباني.

[10] رواه أحمد 3/84 (11811)، قال الأرناؤوط: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»، وهو مخرج في السنن.

[11] مدارج السالكين ص226.

[12] المدارج ص226-227.

[13] السابق ص227.

[14] إرشاد الساري للقسطلاني 9/72.