يجدر بنا ونحن نتحدث عن فقه الاجتماع أن نضع مقترحاً لمفردات مقررات دراسية للشباب والفتيات للمدارس في سن الثانوية العامة وما بعدها في التخصصات الشرعية والنظرية والآداب العامة في المجتمعات المسلمة بوصفها إحدى وسائل التطبيق العملي للاجتماع والائتلاف.

المرتكزات التي يستند إليها هذا المقترح:

يستند هذا المقترح إلى أربعة مرتكزات أساسية هي:

 مقاربة لنتائج ومعطيات هذا الملف، والذي أجزم أن من نتائجه أن الأصل هو الاجتماع والاتفاق، وإنما طرأ الافتراق بين الناس فيما بعد؛ لذا كان الاجتماع والتعايش والائتلاف من القضايا الكبرى في شريعة الرحمن عز وجل، والافتراق طارئ على الناس؛ فيجب أن يعمل كل بني آدم على الأصل، ويجعلوه منطلقاً لهم لتتم مصالحهم الدنيوية والحضارية، قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْـحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213]، وقال جل وعلا: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} [يونس: 19]، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «فإن كل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر، فالتعاون على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع».  

  كما أتوقع أن من توصيات هذا الملف التأكيد على الرؤية الإسلامية في القول بوحدة العالم والبشرية في سعيها لتحقيق المقاصد والمعاني الكبرى لوجودها، والتي حددها فقهاؤنا بالضرورات الخمس، وأنها متساوقة مع الفطرة؛ وإلا تردت البشرية من أحسن تقويم إلى أسفل سافلين.

 إصلاح مناهج الدراسة في المجتمعات المسلمة في معاهدها وكلياتها الشرعية المتخصصة، لتمكين علماء الأمة من استئناف دورهم القيادي والتوعوي، واستئناف الأمة لدورها في توجيه مسيرة الحضارة الإنسانية وترشيدها بربطها بأصول وقيم ومقاصد الإسلام.

 منافسة ومناهضة الأفكار الليبرالية الغربية في مناهجنا الدراسية التي تستند إلى الأهواء والمصالح الدنيوية؛ وتأول المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية والائتلاف  المجتمعي بتقديس التعددية المطلقة، بحجة أن العقول مختلفة والاجتهادات متنوعة، ومن لازم هذا القول لديهم أن من حق المجتمع الإنساني أن يختلف في ممارسة الحريات والأيدلوجيات.

إن تدريس مفهوم القانون الطبيعي في مقررات دراسية في كثير من مجتمعاتنا المسلمة والذي من معانيه السلبية حتمية الصراع بين الجماعات والطوائف والمذاهب والحضارات البشرية، حتى يسود نمط الحرية المطلقة والتعددية المطلقة، وتسود الليبرالية الغربية ويسدل الستار على تاريخ البشرية لهو شر محض على فلذات أكباد المسلمين، فأكبر مشكلة تواجه الليبرالية الغربية اليوم في قانونها الطبيعي وتنقض مقولة نهاية التاريخ هي تذرير الأفراد Atomization، والتي تعني نشوء ثقافات فردية مغتربة، ومن ثم تضاؤل الاعتماد المتبادل والتعاون بين أفراد المجتمعات، وبالتالي ظهور تدنٍ واضح في الائتلاف الاجتماعي والضمان الاجتماعي، والذي انتشر في المجتمعات الغربية إلى درجة أن تجد أكبر دولة على الإطلاق يعيش فيها ٣٢ مليون فقير، وأكثر من ٦ ملايين ملحد.

 توجيه المقررات والمناهج الدراسية التي تعنى بالتاريخ والتربية الاجتماعية والوطنية إلى أصول الدين ومقاصد الشريعة لتحقيق اجتماعنا وائتلافنا، وخدمة قضايانا الحياتية والاجتماعية والسياسية والتنموية.

المستهدفون من هذا المقترح:

يستهدف هذا المقترح مرحلة عمرية مهمة في مجتمعاتنا المسلمة، وهي مرحلة الشباب الباكر أي بين سن 16 و24 عاماً، والذين يتزايدون في مجتمعاتنا بنسب عالية جداً بالنسبة لبقية مجتمعات العالم، فهذه  مرحلة  من أخصب مراحل العمر، ومن أجملها عند الإنسان؛ فهي أكثر فترات العمر حيوية ونشاطاً وتدفقاً وتطلعاً وحركة.

  إنها مرحلة نمو واعٍ، وتطلع إلى الزيادة في كل اتجاه، ومرحلة نمو جسدي وعقلي، ومرحلة نمو نفسي وعاطفي وروحي، نمو في الخبرة ونمو في القدرة وفي المعرفة وفي المواهب والاستعدادات، وهي فترة الرغبة الدافقة في الإصلاح والعمل المتحمس للتغيير، ومن هنا فهي فترة الانتماء إلى الجماعات والأحزاب والتكتلات[1]

تعميم هذا المنهج على بلاد المسلمين

القرآن الكريم دعانا لتعميم الائتلاف والإنصاف ونشرهما بين الناس جميعاً؛ لإقامة الحجة، ولتكثير سواد الصالحين، وإمكانية بناء المجتمعات المتخلقة بهما، يقول الحق جل وعلا: {فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنبياء: 109]، لغرس قضايا الاجتماع والائتلاف والإنصاف والإعذار في نفوس عموم المسلمين، ناهيك عن خاصتهم وعلمائهم، وتعويدهم عليها لتكون بمثابة العقد الاجتماعي بينهم في أخلاقهم وتعاملهم مع بعضهم ومع الآخرين.

  والمنهج المقترح بمحتواه ومفرداته، منهج عام ضمن مجموعة ضابطة من الأطر التوجيهية وليس منهجاً موحداً يجب على الجميع تطبيقه كما هو.

  إن هذا المقترح العام لمنهج دراسي بعنوان «فقه الاجتماع» يجب أن ينتشر في أصقاع بلاد المسلمين كلها؛ وذلك بدراسة واقع المسلمين في كل بلد من بلدانهم للتعرف على المذاهب والعادات والحاجات والأعراف التي - حتماً - تختلف مع بقية البلدان في كثير من الأمور، والقاعدة الأصولية تقول إن العادة محكمة

 ثم إن على وزارات التربية والتعليم في الدول الإسلامية أن تختار من هذه المجموعة الضابطة ما يتناسب مع مذاهبها وواقعها وأعرافها المحلية، مع الأخذ بالبدائل الممكنة الأخرى؛ لصياغة مقرر يتساوق مع سياساتها التربوية والتعليمية.

محتوى ومفردات مقررات فقه الاجتماع (المقترح):

أولاًلابد أن يحتوي كل كتاب من مقررات فقه الاجتماع  في المدارس الثانوية وما بعدها في المجتمعات المسلمة على مفاهيم وقيم ومهارات كالتالي:

المفاهيم والمبادئ، وتتضمن قواعد الشريعة الكبرى حول الجماعة والأمة والدولة، والاجتماع، والائتلاف، وسيادة الشريعة، وحقوق الإنسان، والتعاون والصراع، وحتمية الخلاف والاختلاف، وضرورة الإنصاف، والإعذار، والمساواة والتنوع، والقوة والسلطة، والصالح العام.

 القيم والميول وتتضمن: الإيمان بالقيم الربانية وبالكرامة الإنسانية، ونبذ العصبية، والتفريق بين الأصول والفروع، وقبول الحق من أي كان، والاهتمام بحل الصراعات، والاهتمام بالمصالح العامة، وإعذار العامة.

 المهارات والاستعدادات، وتشمل: شرح وتأويل النصوص، والتعبير الشفوي والكتابي والآراء الشخصية، واستخدام الخيال.

أشكال المعرفة والفهم: كالمعرفة السننية، والمعرفة المقاصدية، والاستقرائية والاجتماعية، والمعرفة الأخلاقية، والمعرفة المذهبية، في ظل أحكام الشريعة وثوابتها.

  ثانياً: الوحدات العامة للمقرر:

يجب أن يحتوي كل مقرر دراسي من مقررات فقه الاجتماع على النسبة الدنيا، وبأوزان متكافئة من الوحدات بحسب الجدول التالي:

م

موضوع الوحدة

طبيعة الوحدة

نسبة الوحدة إلى الوحدات الأخرى

1

الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة الأفراد

(علمية - ثقافية)

25%

2

الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة الأسرة والمجتمع

 (علمية - ثقافية)

25%

3

الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة الأمة

شاملة (علمية - ثقافية - اجتماعية - سياسية - اقتصادية)

25%

4

الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة الإنسانية

شاملة (علمية - ثقافية - اجتماعية - سياسية - اقتصادية)

25%

 

 

ثالثاً مطالب كل وحدة من الوحدات الدراسية:

إن لكل وحدة من الوحدات الدراسية السابقة مطالب يجب أن يحتويها كل مقرر من المقررات الدراسية لفقه الاجتماع، وهذه المطالب على الترتيب - بحسب أصول الشريعة ومقاصدها - هي:

أولاًمطالب الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة الأفراد:

حفظ النفس من التلف الكلي أو تلف بعض أجزاء البدن: ومن مستلزمات هذا المطلب: توفير الأمن، وتوفير ما يحتاجه الإنسان للبقاء على قيد الحياة، وتوفير الضوابط والروابط المكملة لحفظ النفس كالكرامة الإنسانية والحرية.

الإبقاء على سلامة العقل بحفظه، وتنميته وإعماله: ومن مستلزمات هذا المطلب: اجتناب ما يؤدي إلى إتلاف العقل عضوياً كالمخدرات أو عصبياً ونفسياً كالقهر والتهميش، والترف الفكري، واجتناب الأعمال التي تؤدي إلى تعطيل وظيفة العقل وإعماله كالتشدد والغلو والعقائد الباطلة والعصبيات المذهبية والقبلية والجهوية.

 حفظ تدين الفرد وتمسكه بأحكام وآداب دينه:

  ومن مستلزمات هذا الحفظ لتدين الفرد الإبقاء على الفطرة في العقيدة ومقصد الاجتماع والائتلاف، وغرسها في نفوس الأفراد، والتحذير مما يهدمها، والتحذير من كبائر الذنوب، وتوفير المساجد، وقبول الآخر، والإبقاء على القيم والأخلاق الربانية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

حفظ عرض وكرامة الإنسان: ومن مستلزماته العلم بأنواع الخلاف، وما يسوغ منه وما لا يسوغ، ومنع الاعتداء على الأفراد بالكلام أو القول الفاحش، أو الوقوع في الغيبة والنميمة والقذف نتيجة التعصب، وإعذار المخالف، وتغليظ عقوبة المعتدي.

 حفظ مال الفرد: ومن مستلزماته أن المال مال الله والفرد مستخلف فيه، وأن للأفراد حق التمتع بما اكتسبوه من أموالهم بالطرق الصحيحة، مع مراعاة ضوابط الكسب وضوابط الإنفاق.

ثانياًمطالب الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة الأسرة والمجتمع:

-  مشروعية العلاقة بين الذكر والأنثى: ومن مستلزمات هذا المطلب: تنظيم العلاقة بين الجنسين بالطرق الشرعية فقط، وأعلاها الزواج بصوره وشروطه، وتنظيم صور الفراق والطلاق، وسد ذرائع الفاحشة بالعفة وتحريم الخلوة.

 - حفظ نوع الإنسان: ومن مستلزمات هذا المطلب: أن ثمرة الزواج هي الإنجاب والتناسل، والإبقاء على جنس الإنسان، كما أن الطرق غير المشروعة كالشذوذ الجنسي تؤدي إلى قطع نوع الإنسان، وانتشار الأمراض والأوبئة؛ لذا فقد حرمت الشريعة الوأد والإجهاض والاختصاء للرجال وإزالة الأرحام للنساء.

 - تحقق الغاية من الزواج: فالغاية منه ليست جسدية بحتة، بل هي تكوين نواة المجتمع، وهناك غاية المودة والرحمة والسكن بين أفراد الأسرة الواحدة، والمعاشرة بالمعروف والحب، وإعذار كلا الزوجين لبعضهما، وتربية الأولاد على قيمتي الإنصاف والإعذار، والتكامل في تربية الأولاد.

 - حفظ النسب: ومن مستلزماته بقاء انتساب الإنسان إلى أصله، فيعتز أنه ليس ابن زنا أو أن أباه قد تبناه، وهذا يؤدي للبر وصلة الأرحام والأقارب، والبقاء على كرامة الأسرة، ومقارنة ذلك بأولاد الزنا في الغرب والشرق وما ينتج من تفكك الأسر وضعف الروابط.

 - حفظ تدين الأسرة والمجتمع: وهذا مطلب شرعي أصيل، قال تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، وقال جل شأنه{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132]، وهو منهج الأنبياء منذ أبيهم إبراهيم عليه السلام؛ لذا أمر الشارع الحكيم بحسن اختيار شريكة الحياة وأن تكون ذات دين، وأن يكون هو ذا خلق.

- تنظيم الأسرة كمؤسسة اجتماعية أولى في الحياةفمن خصائص هذه المؤسسة الديمومة والبقاء طوال حياة الفرد، ثم الاحترام القائم داخل هذه المؤسسة من تقدير الأب والأم، والتعاون بين الإخوة والأخوات، والأعمام والأخوال، وما يكون بينهم من تعاطف وتراحم في الحياة وبعد الممات.

- تنظيم الجانب المالي للأسرة: بما أن الأسرة مؤسسة اجتماعية، فلا بد لهذه المؤسسة من نفقات وإيرادات ومصروفات، بداية بالمهر ومروراً بنفقة الزوجة والأولاد والبيت ونهاية بالميراث.

ثالثاًمطالب الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة الأمة:

- الإبقاء على اجتماع الأمة لجلب المنافع ودفع المفاسد: ومن مستلزمات ذلك بيان مقاصد الشريعة، وخصائص ومقومات وتنظيمات وتشريعات الأمة (الدولة)، وتدعيم وحدة مجتمعها في التنمية والإعمار، مع الإبقاء على تعددية مذاهبها وأحزابها في إطار الشريعة العام. 

  وكذلك تدعيم معنى الشخصية الجماعية والخلافة، والسيادة الشرعية والقانونية، والمصالح المرسلة، مع البقاء على خاصية الشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

- حفظ أمن الأمة: سواء الأمن الداخلي من حماية النفوس والأموال والأعراض، أو الأمن الخارجي من إعداد القوة لحفظ السيادة وحماية بيضة المجتمع المسلم، فهو مطلب رئيس للاجتماع والتنمية والإعمار والعلاقات.

 - إقامة العدل والدفاع عنه: فالعدل لا توسط فيه كما قال الله تعالى: {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا} [النساء: 135]، فإما عدل وبقاء وإما ظلم وفناء، يقول شيخ الإسلام: «إن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة، ويقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، والدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام».

 ومن مستلزمات ذلك الإنصاف من النفس أولاً، ثم الوعي بمعانيه في جميع المجالات.

- حفظ الدين والأخلاق: إذ الشريعة كلها جاءت  - بعد التوحيد والاجتماع عليه - لإتمام وحفظ مكارم الأخلاق، وعدم نشر الفاحشة، والعقوبات الزاجرة عن ارتكاب الكبائر.

وحفظ الدين والأخلاق في المجتمع من مهام الحكومة العادلة والجامعة التي تجمع بين الناس، ومن مهام وأعمال الحاكم

والأخلاق مهما كانت مداركها فهي الحكمة التي تبحث عنها المجتمعات الإنسانية وتأنس بها، وهي الرابطة المتينة التي تربط بين أفراد المجتمعات، ولا يستطيع أفراد أي مجتمع أن يكونوا سعداء متعاونين ومتشاركين ومتفاهمين من غير الأخلاق.

- نشر العلم المفيد وتنمية عقل الأمة لإقامة الحراك الاجتماعي الإيجابي: فقد دعت الشريعة الغراء إلى طلب العلم؛ بل إلى منهج التفكير العلمي الذي يبعد المسلم عن التعصب والخرافات والتقليد، ويدعوه للعمل والتنمية مع الآخرين، وقد أشار الإمام الشاطبي في مقدمته الخامسة من الموافقات إلى أن كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي.

- التعاون والتكافل: فالتعاون والتضامن والتكافل مستمدة من مصادر الشريعة في الأخوة الإيمانية بالنسبة للمسلمين، والرابطة  الإنسانية بالنسبة لبقية العالمين.

- عمارة الأرض وتنميتها وحفظ ثرواتها: فعمارة الجزء الواقع تحت سلطة الأمة مقصد شرعي لإيجاد الثروة وحفظها من التلف، والتوزيع العادل لها، ودعم الاقتصاد المحلي وتنميته بصورة مستدامة

رابعاًمطالب الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة الإنسـانية:

 - التعارف والتكامل: فالتكامل نتيجة مكملة لمعنى التعارف؛ لتنوع مصادر الثروات الطبيعية وحاجة كل شعب إلى ما لدى الشعوب الأخرى عن طريق التبادل والذي لا يمكن حصوله من غير تعارف وتعاون وتكامل.

- تحقيق معنى الاستخلاف للإنسان: فوضعية الإنسان في الأرض مختلفة تماماً عن وضعية بقية المخلوقات، فهو المستخلف المؤتمن لعمارة الأرض وتنميتها بمقدراتها التي استودعها الله فيها مهما تعددت صور وفلسفات هذا الاستخلاف بين الأديان والفلسفات.

- تحقيق السلام العالمي القائم على العدل:  أصل علاقة المسلمين بغيرهم هي السلام - كما مر - وإنما يلجأون للحروب في حالة العدوان على بلدانهم واستحلال بيضتهم، أو نصرة للمستضعفين حينما يعتدى على حقوقهم، وهو ما يسمى بالتدخل الدولي لحماية حقوق الإنسان.
   ولتحقيق الأصل في هذه العلاقة حثنا ديننا العظيم على العدل والوفاء بالعهود والوعود والعقود وتحرير العالمين من العبودية لغير الله.

 - تعميم الدعوة الإسلامية: تبليغ الإسلام باعتباره رسالة عالمية أهم الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة الإنسـانية، وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة لإقامة الحجة، مع التفريق في الدعوة إلى الله بين أهل الكتب السماوية وبين الملحدين

وهذه الغاية الجليلة لا يقوم بها إلا دعاة قد أعدوا إعداداً خاصاً علمياً وعملياً وفنياً وأخلاقياً؛ ليكون على دراية كاملة بالمداخل الصحيحة لعقول المدعوين وقلوبهم، وتوضيح رؤية الإسلام في حل المشاكل القائمة.

 لقد أضافت وسائل الاتصال والتقنية الحديثة أبعاداً جديدة وعالمية لنشر مبادئ ومقاصد الدين الإسلامي، فأصبح غير المسلمين من الكتابيين والكفار يدخلون الإسلام عبر هذه الوسائل ولله الحمد.

هذه هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لتحقيق الاجتماع والائتلاف بين المسلمين أولاً، وتحقيق العدالة الربانية بين البشر ثانياً.
   والعدل لن يتأتى إلا بإحقاق الحق على مراد الله تعالى، فإن لم يكن على مراد الله فهو على الأهواء والمصالح التي لا بد وأن تكون نهايتها ظلماً وجوراً، ولن يتأتى إحقاق الحق على مراد الله تعالى إلا بتعلم الحق والتربية عليه واتباعه.

يقول ابن تيمية رحمه الله: الإيمان هو العدل والعلم


 


[1] قطب، 1403هـ، ج2، ص245.