لا يخفى على متابع أن الصراعات في عالم اليوم على أشدها، حيث يبدو ظاهرها سياسياً أو اقتصادياً وفي باطنها تكمن عداوات عقدية وأحقاد تاريخية؛ هي الدافع الأكبر والأبرز لكثير من المعارك الدامية، لاسيما في منطقتنا العربية والإسلامية.

ولعل اللافت في صراعات اليوم أنها لا تتعدى حدود التراشقات والاتهامات والتهديدات بين الكيانات المختلفة ربما سياسياً وعقدياً، وتتحول إلى حروب ودمار واحتلال إذا كان أحد طرفيها بلداً مسلماً سنياً بالنظر إلى مكوناته الشعبية.

كما أن هذه الصراعات غالباً ما تأخذ طابعاً جماعياً طائفياً، حيث تصطف القوى العالمية والإقليمية في مواجهة ما يبدو أنه عدو عالمي يخشى الجميع منه، ألا وهو الكيان السني العربي.

فالمذهب السني بات بيت القصيد في صراعات اليوم، حيث ينظر إليه الغرب على أنه حجر عثرة، فهو برغم كل ما بُذل لتطويعه ودمجه في قطار العولمة السريع إلا إنه يأبى إلا الاحتفاظ بمكوناته وعزته العقدية، التي ربما لا يعكسها حال الأمة كأنظمة وحكومات، ولكنها ما زالت ظاهرة بوضوح في أبناء الأمة كمكون جمعي حضاري.

أضف إلى ذلك أنه مذهب له أبعاده العقدية التي تتولد منها عقيدة جهادية مقاومة لكل أنواع وألون الاستعمار المادي والمعنوي، ولعل نظرة إلى ساحتنا العربية والإسلامية ستؤكد صحة ما ذهبنا إليه، فالاحتلال - على سبيل المثال - لم يجد مقاومة في أفغانستان والعراق والشيشان إلا من أبناء السنة، فيما فضل غيرهم أن يكونوا خدم الاحتلال وجلاديه وسياطه التي يلهب بها ظهر الوطن.

وعند النقطة ذاتها تحديداً يلتقي الرافضة مع الغرب في نظرتهم لأهل السنة على أنهم حائط الصد أمام حلم إعادة الإمبراطورية الفارسية مجدداً، فالعرب السنة - في المنظور الإيراني الرافضي - محتلون غاصبون للأرض والمقدسات والعتبات، ومن ثم يجب إخراجهم منها بالقوة.

حاصل الأمر أن الغرب على وجه العموم، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، يرون المعوق الرئيس لأحلامهم وأطماعهم هو الإسلام في طبعته السنية الصافية، بخلاف الشيعة وغيرها من الفرق والملل الأخرى التي تسمت بالإسلام زوراً، فهي كيانات طيعة بطبيعتها.

فالغرب يدرك تماماً الفروقات العقدية بين أهل السنة والرافضة، فالأولى لها مواقف واضحة في جهاد العدو ومقاومته، والبعد العقدي عندها شديد الوضوح، أما الرافضة فموقفهم مختلف تماماً، إذ تراهم أكثر ميلاً ناحية التعاون مع المحتل، وعدم مواجهته، خاصة المراجع الشيعية، والتاريخ القديم والحديث يمتلئ بصفحات الخيانة الرافضية.

لهذه المكونات والفروقات الجلية والمؤثرة كان أهل السنة في دائرة الاستهداف، لتحجيم دورهم وتأثيرهم في المنطقة العربية على وجه التحديد، والتقى على هذا الهدف الغرب الصليبي والرافضة الإيرانيون والصهاينة اليهود.

وقد عملت مراكز الأبحاث وسعها لتقديم المشورة في هذا الصدد، وكان في مقدمتها مركز «بيجن - السادات»، وهو من المراكز البحثية المهمة المقربة من الإدارة الأمريكية، والذي يقوم عليه نخبة من الخبراء والأكاديميين ذوي الشأن.

هذا المركز المشار إليه قدم رؤيته لصانع القرار الأمريكي، والتي خلصت إلى أنه ليس هناك أخطر من العرب السنة وعقيدتهم وممارساتهم الجهادية على الغرب والكيان الصهيوني، ولذلك يرون عدم التعاطف معهم حتى لو كانوا مظلومين ويبادون، لأن ذلك أفضل من أن يتحد العرب ضد الغرب والكيان الصهيوني.

هذه النصيحة الأكاديمية يبدو أنها أُخذت على محمل الجد من وزارة الدفاع الأمريكية التي قامت بدورها بالبحث في علاقة المذهب السني في الإسلام بـ«الإرهاب»، وتضمنت الإستراتيجية العسكرية القومية الأمريكية الجديدة نقاشاً لهذا المذهب الذي رأت أنه يدعم ما وصفته بالعنف والإرهاب[1].

ومكمن الخطر هنا أن هذه الإستراتيجية العسكرية، والتي يعدها فريق رئيس هيئة الأركان الأميركي، هي واحدة من أكثر مصادر التوجيهات العسكرية أهمية والتي تصدر للقادة الميدانيين في الخارج وترتب التهديدات ضد الولايات المتحدة بحسب الأهمية وتوضحها بشكل غير قابل للالتباس.

وبحسب ما ذكرته صحيفة «واشنطن تايمز» فإن قيادة العمليات الخاصة الأمريكية ضغطت بشكل خاص على رئيس هيئة الأركان الجنرال «جوزيف ف. دانفورد» ليضمن النسخة الجديدة من الإستراتيجية العسكرية نقاشاً للمذهب السني، ورغبت في أن تنص الإستراتيجية على أن مرجعية أهل السنة، على وجه التحديد هي التي تمثل مصدر إلهام للمتطرفين المسلمين الذين يتبنون العنف.

الصورة العملية لهذا التوجه أكدها أوباما حينما أعلن عن مبدئه الشهير الذي رأى أن الإدارة الأمريكية سوف تسير عليه لمئة عام قادمة، وأسماه المحللون «عقيدة أوباما»، والذي يرى ضرورة إقامة توازن قوى بين الأغلبية السنية والأقلية الشيعية في المنطقة العربية، بمحاربة الأولى والتضييق عليها وحصارها، والانفتاح على الثانية والتعاون معها ومد جسور الصداقة والشراكة معها.

وهي العقيدة التي ربما ترجع أصولها الفكرية إلى ستيفن والت، البروفيسور في جامعة هارفارد وصاحب نظرية «التوازن الجيوسياسي بين السنة والشيعة»، التي تبرر الاعتماد على إيران كشريك محوري، ومن ثم التضييق على السنة، خاصة في منطقة الخليج العربي.

وهذه «العقيدة الأوبامية» ظهرت واضحة في المقابلة التي أجراها مع مجلة «بلومبيرج فيوز» بداية عام 2016م بمناسبة انعقاد المؤتمر السنوي للوبي اليهودي في الولايات المتحدة «إيباك»، وقال في مقابلته إن على شركاء الولايات المتحدة من السنة في منطقة الشرق الأوسط قبول التغيير المقبل في علاقة الولايات المتحدة مع إيران، حيث وصف قادتها بأنهم إستراتيجيين وغير متهورين، ولديهم نظرة عالمية، ويرون مصالحهم، ويتعاملون مع حسابات الربح والخسارة!

وعلى ضوء ذلك الواقع يمكن أن نفهم الغزل الدائر الآن بين الولايات المتحدة من جانب وإيران من جانب آخر وإعادة دمج إيران في المحيط الدولي، وتنصيبها شرطياً إقليمياً، يخدم على المصالح الأمريكية والغربية والروسية. فالولايات المتحدة أفرجت عن المليارات من مصارفها بحجة الاتفاق النووي لإنقاذ الخزينة الإيرانية من شبح الإفلاس بعد الانخفاض الحاد لسعر النفط، ولكي تستمر في دورها المرسوم في مجابهة أهل السنة في العراق وسوريا واليمن وغيرها من العواصم العربية.

وعلينا أن نستحضر في هذا المقام ما حدث للعراق عام 2003م، من تحالف غربي سعى لإسقاط نظام صدام حسين بمبررات مختلفة، وكان تحالفاً باركته كنائس الغرب جميعها، وقد فضحت الصورة كيف كان يتم تعميد الجنود ومدهم بشحنات كنسية للقتال في العراق.

ثم كان الدخول الرافضي الإيراني للقتال إلى جانب القوات الكنسية الغربية لإسقاط هذا النظام العربي السني في مكوناته، ومن بعده كان التوافق الرافضي - الكنسي على إبعاد أهل السنة وإقصائهم، والتمكين لحكم الملالي في العراق؛ إذ باتت العراق محمية غربية يحكمها الرافضة.

وفي وقتنا الحالي اجتمعت القوات الروسية، بمباركة واضحة وعلنية من الكنيسة، وقوات رافضية متعددة الجنسيات، بدعم ومباركة من دولة الرافضة لمواجهة الثوار من أهل السنة في سوريا ذات الأغلبية السنية التي تحكمها أسرة علوية منحت سابقاً الانتساب إلى الشيعة بقرار من الهالك الخميني.

وفي الحرب على اليمن لا تجد الحوثيين وحدهم، بل هم جزء من منظومة تضم إيران وحزب الله اللبناني، تدعمهم من طرف خفي الولايات المتحدة، والقاسم المشترك هو تخليصهم من المكونات السنية الفاعلة في اليمن.

ولقد ترجم تقرير لمجلة «الإيكونوميست» البريطانية في 8 /10/2016م، هذا المبدأ وتلك العقيدة الأوبامية في صورتها العملية، حيث أكدت أن أهل السنة في المنطقة مُقصون عن القيادة في أهم الدول، ففلسطين يحكمها متطرفو اليهود، ولبنان بيد الشيعة والمسيحيين، وسوريا يتحكم فيها العلويون، أما العراق فيحكمه الشيعة!

وهناك ما يوحي بنوع من الارتباط بين هذه الحروب الدامية الهادفة لإزاحة أهل السنة عن مناط التأثير والتوجيه في العواصم العربية وعدد من الممارسات والتوجهات التي برزت على الساحة الدولية في الآونة الأخيرة.

فقد احتضنت العاصمة الشيشانية جروزني مؤتمراً في ذي القعدة من عام 1437هـ حمل عنوان: «من هم أهل السنة والجماعة؟ بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقاداً وفقهاً وسلوكاً، وأثر الانحراف عنه على الواقع»، والمؤتمر الذي يزعم الداعون له أنه جاء لتوضيح مفهوم أهل السنة حشد رؤوس جميع الفرق من أشاعرة وماتريدية وصوفية، واستبعد أصحاب المنهج السلفي وأهل الحديث الذين هم السواد الأعظم في هذه الأمة.

وهذا المؤتمر نحسبه كذلك حلقة في سلسلة متصلة، تهدف إلى إقصاء المنهج السلفي الأثري، وتشويهه عالمياً، وحصاره إقليمياً، ومناكفة الدول التي ترفع لواءه وتنافح عنه.

إننا بحق بصدد حرب كونية ضد المكون السني، الذي يقف ضعيفاً في مبناه العسكري، قوياً في معتقده الرباني، عصياً على الانصياع والتطويع، فاجتمعت عليه كل هذه الطوائف، وكان نصل الرمح وحد السيف هم الرافضة.

وقد تحدث القرآن عن هذه الحروب بصورة مدهشة وبواعثها وأهدافها وأجملها في قاعدة حاكمة: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، «فهنا يعلن سبحانه عن وحدة الهدف بين جميع معسكرات الجاهلية تجاه الإسلام والمسلمين؛ وعن قوة الإصرار على هذا الهدف وامتداده عبر الزمان، وعدم توقيته بظرف أو زمان»، كما يقول صاحب الظلال.


 


[1] واشنطن تايمز 27/9/2016م.