إن من المسلّمات في دين الإسلام شموله وتكامله، حتى عدت من خصائصه ومزاياه، فقد شمل هذا الدين الإنسان كله؛ جسمه وعقله وروحه، كما شمل سلوكه وفكره ومشاعره، كما شمل دنياه وآخرته، وليس في كيان الإنسان ولا في حياته شيء لا يتصل بعقيدة الإسلام ولا تتصل عقيدة الإسلام به، ومن ذلك الصلة بين العقيدة والأخلاق، فالعقيدة الصحيحة تستلزم التحلي بكل خلق فاضل والتخلي عن كل خلق ذميم، وذلك أن الأخلاق ترتبط بثلاثة أركان من أركان الإيمان هي محل إجماع الرسالات الإلهية وهي: الإيمان بالله، ورسله، والبعث:

فمن ناحية الإيمان بالله فإن المسلم عندما يمارس الأخلاق الفاضلة ويجتنب الأخلاق السيئة يعتقد ويؤمن أن الله أمره بذلك فيمارسها على أنها جزء من إيمانه بالله أو أنها من لوازم إيمانه بالله وأن الله فرض عليه ذلك وألزمه به. ومن شواهد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان»[1]، فجعل إماطة الأذى عن طريق الناس شعبة من شعب الإيمان، وبوب أهل العلم الذين صنفوا في الإيمان وشعبه وخصاله بكثير من الأخلاق وعدوها من شعب الإيمان، مثل كتاب البيهقي «شعب الإيمان» ومختصره للقزويني وغيرهما، بل إن المصنفين في الحديث بشكل عام يوردون تحت مسمى الإيمان كثيراً من الأخلاق على أنها من شعب الإيمان وأجزائه.

 وأما ارتباط الأخلاق بالعقيدة من جهة الإيمان   بالرسول صلى الله عليه وسلم فإن المسلم يمارس الأخلاق على أن الرسول الكريم حث عليها وبلغها عن ربه، فهو لاعتقاده بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه مبلغ عن ربه - ومما بلغه وبيّنه الأخلاق - يمارس الأخلاق من هذا الجانب أيضاً، فمقتضى إيمانه برسول الله امتثال ما أمر به من الفضائل والابتعاد عما نهى عنه من الرذائل، بل ويمارس الأخلاق أيضاً على سبيل الاقتداء بنبيه المعصوم الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق، فتممها على أحسن وجه وأكمله، وكان خلقه القرآن، صلوات الله وسلامه عليه.

وأما ارتباطها بالإيمان باليوم الآخر فمن حيث الجزاء عليها ثواباً أو عقاباً، فيمارس الأخلاق الفاضلة مؤمناً ومعتقداً بأن الله سيثيبه عليها أجراً عظيماً، وأنها سبيل إلى الجنة، وفي الحديث:  «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً»[2]، بل إنها سبب للقرب من الرسول في الجنة ففي الحديث: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً»[3].

ويبتعد المؤمن عن كل خلق ذميم ودنيء لأنه سيعاقب عليه يوم القيامة، وقد يكون سبباً لدخول النار، ففي الحديث «وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً»[4]

 كما أن الأخلاق الذميمة سبب للبعد عنه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ففي الحديث: «إن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون»[5]

ولزيادة الإيضاح أسوق بعض النصوص الشرعية الواردة في الأخلاق وكيف ربطت الأخلاق بالعقيدة.

فقد جاءت في كتاب الله آيات تخاطب المؤمنين بوصف الإيمان - والإيمان عقيدة وعمل - حاثةً لهم على بعض الأخلاق الفاضلة أو ناهية لهم عن بعض الأخلاق الذميمة، وأن من صفات المؤمنين الالتزام بهذه الأخلاق فعلاً لحسنها، وتركاً لسيئها، مما يدل على ارتباط هذه الأخلاق بالإيمان ارتباطاً قوياً.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّـمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27]، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِـمُونَ } [الحجرات: ١١]، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 199] وغيرها من الآيات.

كما جاءت السنة بمثل ذلك، ومنها: قول صلى الله عليه وسلم: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء»[6].

وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»[7].

وقوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»[8]، ولما سأل هرقل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم بماذا يأمر؟ قال له أبو سفيان: «يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة»[9]. إلى غير ذلك من النصوص الشرعية.

وبهذا يتبين لنا الرباط الوثيق بين العقيدة والأخلاق وأن مقتضى الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر التحلي بكل خلق فاضل والتخلي عن خلق ذميم، ومن ثم يتجلى الشمول والتكامل في هذا الدين العظيم.

 


 

 


[1] مسلم، ح35.

[2] مسلم، ح 2607.

[3] الترمذي، ح 2018.

[4] مسلم، ح 2607.

[5] الترمذي، ح 2018.

[6] الترمذي، ح1209، وحسنه.

[7] البخاري، ح6475.

[8] البخاري، ح: 13.

[9] البخاري، ح: 7.