من خلال كتابي تخريج الدلالات السمعية للخزاعي (ت 789هـ)، والتراتيب الإدارية للعلامة عبد الحي الكتاني (ت 1382هـ)

تعد كتب السياسة الشرعية مرآة عاكسة للفقه الإسلامي وكيف أنه يواكب تطور نمط الدولة والمجتمع، فالفقهاء رحمهم الله فصلوا السياسة الشرعية عن فروع الفقه الأخرى نظراً لأهمية الحكم وخطورته وكونه الرافد الأساس لنشر الأمن والسلم في المجتمع فكانت هذه الكتب بمثابة الدساتير للحكام التي تؤصل لحقوق الراعي والرعية.

فلذلك انتبه فقهاء المالكية رحمهم الله إلى أن أسس الدولة لا بد أن يستدل عليها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته حتى لا يأتي قائل في يوم من الأيام ويزعم أن الدولة في الإسلام إنما استفيدت وأخذت أنماطها من الأمم السابقة كالفرس والروم وأن الإسلام عالة عليهم في إدارات الدولة ومرافقها، فألف المالكية كتابين أحدهما قديم والآخر معاصر انفردا بالإشارة إلى مسألة مهمة لم يشر إليها كثير ممن كتب في السيرة النبوية والسياسة الشرعية، وهي مسألة جوهرية نحتاجها في وقتنا هذا في ظل الهجوم على الإسلام ومقوماته. وهي إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم أسس دولة وحكمها، وأن الإسلام لم يكن دعوة فقط وإنما هو دعوة ودولة أسسها نبي الهدى عليه الصلاة والسلام، وتوفرت فيها كل مقومات الدولة كما هو الشأن في الماضي والحاضر، وهذان المؤلفان وإن اختلفت مقاصدهما في التأليف فقد وفقهما الله تعالى للوقوف على هذه النقطة المهمة التي هي دولته صلى الله عليه وسلم.

الكتاب الأول

«تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية»، لعلي بن محمد بن أحمد بن موسى بن مسعود الخزاعي (ت 789هـ).

فقد بذل فيه مؤلفه رحمه الله تعالى جهداً كبيراً في جمع مادته العلمية واستخراجها من كتب السيرة والحديث النبوي.

ويختصر المؤلف السبب الذي حدا به إلى تأليف كتابه بأنه رأى من لم ترسخ في المعارف قدمه وليس له من أدوات الطالب إلا مداده وقلمه يظن أن تولي الأعمال السلطانية بدعة تجر على صاحبها الإثم، وأنه من الأجدر به الترفع عنها، وتبديداً لهذا الجهل جمع كتابه ليثبت أن «العمالات الشرعية» ليست شيئاً محدثاً وإنما هي خطط وجدت أيام الرسول، وتولاها كثير من الصحابة، فمن تولاها من بعد لم يخرج عن المنهج المرضي، بل إنه ليحرز الشرف الكبير لأنه يجد نفسه واقفاً في ركب صحابي جليل[1].

ولعل هذا كله مستمد من واقع المؤلف، فإنه قضى معظم عمره في خطة سلطانية وعلى ذلك كان أبوه وجده من قبل، وليس بمستبعد أن يكون قد واجه نقداً لانخراطه في سلك الدولة ومصاحبته للسلطان، فإن النغمة المنفرة عن مصاحبة السلطان التي ظهرت بظهور موجة زهدية في القرن الأول لم تكن فيما يبدو قد تبددت وإن حاول كتاب السياسة على مر الزمان احتواءها بما سنوه من رسوم في مصاحبة السلاطين[2].

وقد قسم الخزاعي رحمه الله تعالى كتابه في عشرة أجزاء، ثمانية منها في العمالات وواحد في الحرف والصناعات وباب ختامي.

وقد أفاد المؤلف كثيراً من خبرته في توليه ديوان العساكر (وزارة الدفاع) مدة طويلة، ولذلك جاء الجزء الخامس - وهو في العمالات الجهادية - من أكبر الأجزاء، إذ احتوى من الأبواب على خمسة وأربعين جمعت جميع الجوانب المتصلة بمهمة الحرب، والجزء الرابع في العمالات الأحكامية، والسادس في العمالات الجبائية من أهم الأبواب مع الخامس في تبيان «تركيب» الدولة في عهد الرسول والخلفاء الراشدين.

أما الباب الخاص بالحرف والصناعات وهو «التاسع» فإنه مكمل لتصور المجتمع الإسلامي بالإضافة إلى تصور بناء الدولة[3].

ولقد أحسن الخزاعي رحمه الله تعالى في إيراد هذا الجانب من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فما أحوجنا إليه اليوم في ظل الشك والارتياب في صلاحية الإسلام لكل زمان، والفصل بين العبادة والمعاملات التي يعتمده البعض لتبرير علمانيته، بزعم أن ما لله لله وما لقيصر لقصير، فلا دخل للإسلام بأمور الحكم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤسس دولة، وإنما كان داعية للأخلاق والفضائل، وكل ما عرفه المسلمون من أنماط الحكم والسياسة إنما أخذوه عن اليونان.

ولذا عاد بنا الخزاعي رحمه الله تعالى إلى الأصول، كل هذا الذي نراه من نظم أقره الإسلام منذ البداية، ولذلك فنحن في تطبيقه لا نخرج عما رسمه ذلك الدين، ولقد يفهم من موقف الخزاعي أنه لا يؤمن بالتطور، ولكن ذلك غير صحيح، فإن إيمانه الضمني بالتطور هو الذي يدفعه للبحث عن الحقائق في بدايات نشأتها في ظل الإسلام[4].

ولقد لفت كتاب الخزاعي نظر كثير من فقهاء ومفكري البعث والإحياء في بداية القرن العشرين، مع الصراع المرير بين دعاة النظرية الإسلامية في الحكم، والطغمة التي تشربت أفكار الغرب وعادت إلى البلدان الإسلامية لتطبيق نظريتها والتمهيد للاستلاب الفكري، فلفت الكتاب نظر رفاعة الطهطاوي لصلته بتفكيره في نظام الدولة فلخصه. ثم نال إعجاب عالم مغربي مالكي آخر هو الشيخ عبد الحي الكتاني فعلق عليه وأضاف إلى أجزائه وفصوله في كتابه التراتيب الإدارية وكان أكثر جهده استكثار وإلحاق[5]. وكان سياق التراتيب الإدارية ومقاصد مؤلفه مخالفاً لمقاصد كتاب الخزاعي، فإن العلامة عبد الحي الكتاني نصب نفسه حامياً لملة وشريعة الإسلام في وجه فرنسا وأزلامها المشككين في صلاحية الإسلام لكل زمان، فكان كتابه رداً مفحماً على هؤلاء المرتابين المعاندين. وأرجع أصل الدولة في الإسلام إلى مصدر الهدى صلى الله عليه وسلم، فيَصعب على المغتربين المغرورين نسف ما أتى به العلامة عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالى.

الكتاب الثاني

 نظام الحكومة النبوية المسمى: التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلية، للعلامة محمد عبد الحي الكتاني الحسني الإدريسي الفاسي (ت 1382هـ).

يقول الإمام عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالى موضحاً مغزى تأليفه لكتاب التراتيب الإدارية: «إن الذين اعتنوا بتدوين المدينة العربية والتراتيب الإدارية لخلفاء المملكة الإسلامية، وذكروا ما كان لأمراء الإسلام على عهد الدولة الأموية والخلافة العباسية من الرتب والوظائف والعمالات والعمال أهملوا ما كان من ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه صلى الله عليه وسلم حيث كان يشغل منصب النبوة الديني على قاعدة جمع دينه القويم بين سياسة الدين والدنيا، جمعاً مزج بين السلطتين بحيث كاد أن يدخل تحث مسمى واحد وهو الدين»[6].

ويقول رحمه الله تعالى: وربما استبعد ذلك آخرون من حيث إن الكتاب الذين تصدوا أخيراً للبحث في المدينة الإسلامية ودونوا فيه المدونات العدة من المسلمين والمسحيين غاية ما ينسبون من التمدن للإسلام يذكرون ما وجد على عهد الدولة العباسية والأموية مثلاً مع ما أوجدته بعد ذلك ممالك العجم والديلم والترك والفرس والبربر وغيرهم من ملوك الدول الإسلامية بالشرق والغرب.

بل وربما كانوا يأتون بنسبة المدنية في الإسلام لبني العباس، ليتسنى له بعد التصريح بأنهم أخذوا ذلك عن اليونان والفرس، لا عن القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم[7]، لكن من واصل ليله بنهاره واطلع وطالع بالدقة وحسن الرواية يجد أن المدينة وأسباب الرقي الحقيقي التي وصل إليها العصر النبوي في عشر سنوات من حيث العلم والكتابة وقوة الجامعة، وعظيم الاتحاد وتنشيط الناشئة، وما قدر عليه رجال ذلك العهد الطاهر وما أتوه من الأعمال واستولوا عليه من الممالك وما بثوا من حسن الدعوة وبليغ الحكمة ومتمكن الموعظة لم تبلغها أمة من الأمم ولا دولة من الدول في مئات السنين بل جميع ما وجد من ذلك إلى هذا الحين عند سائر الأمم كلها على مباني تلك الأسس الضخمة الإسلامية... فلولا تلك الصروح الهائلة والعقول الكبيرة وما بعثوه من العلوم وقاموا به من الأعمال المخلدة الذكر لما استطاعت المدنيات المحدثة لما له نهضت وارتقت[8].

ويواصل الشيخ عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالى دفاعه عن أصل الدولة في الإسلام، وأن ما عرف من حضارة إنما كان في ظل دوحة الشريعة وهدي محمد صلى الله عليه وسلم،  حدق ببصرك وبصيرتك إلى الدور الذي أوجد فيه عليه السلام تجد أن الخراب والدمار والظلم كان في كل جهة من جهات العالم من الشرق والغرب، فدولة الروم هرمت مع الضعف الذي استولى على ملوكها لمجاوزتهم الحد في الترف والانهماك في اللذات، والفتن الداخلية والخارجية، والأمة الفارسية سقطت قوتها بسبب حروبها الطويلة مع الروم مع الفتن الأهلية، والشعوب العربية في انحطاط تام وجهل عام.

بين هذا الوسط نبعت تلك الشعلة النورية النبوية فأضاءت دفعة (فجأة) من أول وهلة على العالم فأحدثت فيه حركة ونهضة بعد العهد بمثلها في جهة من الجهات[9].

وهذا فيه رد من العلامة عبد الحي الكتاني على من يزعم أن أصل الحضارة وأمور الحكم أخذها المسلمون من الروم والفرس، فقد وجدوا هذه الأمم قد أنهكت، فأحيا الله بمبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الحضارة الإنسانية.

وتأمل قوله مرة أخرى يلطم أتباع الغرب المقلدين له اللطمة بعد اللطمة، وكان العلم الذي تعلموه في مدرسة القرآن والسنة أصبحوا به لا ند لهم في كل رجال العصر بل والأعصار بعد الذي كانوا فيه. سواء في الحكمة التي ساسوا بها الشعوب، أو في القوة التي سادوا بها على الممالك. ذلك العلم الصحيح الذي لانت له في أسرع وقت القلوب، التي كانت بالأمس أقوى من الصخر، وأوعر من الوعر فحل الوئام محل الخصام، والإخاء محل العداوة، والإحسان بدل التعدي والظلم، فلم تمض تلك المدة اليسيرة على تلك الشعلة النورية حتى عمت أرجاء الكرة الأرضية، لا جرم لما كثر المستظلون بذلك اللواء، والمستكنون في أمانه أراد عليه الصلاة والسلام أن يضبط أمورهم بنظامات سنها، وولايات نصبها، وعمالات أسسها، تلك الأنظمة التي لا يستقيم ملك لملك ولا أمر لأمة بدونها[10].

وقرر مع كل هذا وظائف الأعمال الإدارية وألزم بالاقتصاد الإداري والمالي وكل ما يكون في الأمم المتمدنة حتى قرر وجوب الإحصاء، أما التجارة فقد استعملها عليه السلام بذاته[11].

هذا ما كان من أمر الشؤون الداخلية، أما الشؤون الخارجية فقد دعا بالبلاغ المبين وقرر أصول الحقوق الدولية والحقوق الملية (الوطنية) وأوجب أصول الحرب والهدنة والمسالمة والمعاهدة والمقاومة والمكاتبة، ورعاية الموازنة السياسية، والمعاهدات، وأصول أهل الحماية، وحقوق الجوار ومعاملة رعايا الأجانب (الدول الأجنبية) وأهل الذمة وتخويل كل فرقة حقاً محدوداً بالحكمة محاطاً بالصواب.

وسن صلى الله عليه وسلم من القوانين والنظامات والأنظمة ما يأمن معه كل ذي حق على حقه ويدفع التعدي من الأشرار وذوي الأطماع على أحد من الأمة وأهل الذمة[12].

ولذا كان لزاماً على كل مسلم أن ينظر في السيرة النبوية بهذا الشكل العلمي الذي أبدعه علماء المالكية. والذي نجد حاجتنا إليه في هذا الزمان شديدة ملحة مع توالي الضربات على أصول الحكم في الإسلام، فنحتاج إلى أن نقيم الحجة والبرهان على أن الإسلام دين ودولة أسسها محمد صلى الله عليه وسلم بكل أركانها وقواعدها في مدينته على ساكنها أفضل الصلاة والسلام لذلك أرى من الواجبات الكفائية، إذا لم تقل العينية. على المسلمين العلم بهذه الأمور لتكون منوالاً تنسج عليه الأمة، أو منبهاً يحرك فيها باعث الجد لاسترجاع ما فات والتوثق من حفظ استقلالها وصون حياتها بما هو آت، أو ليعلموا على الأقل شرف دين متبوعهم الأعظم عليه الصلاة والسلام، وليزدادوا فيه حباً، وله تعظيماً ولما دعاهم إليه تملكاً[13].

 

 


 


[1] تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية، على بن محمد الخزاعي، ت: إحسان عباس، ط. دار الغرب الإسلامي، ط2، 1419هـ، مقدمة المحقق، ص10.

[2] المصدر السابق، ص10.

[3] المصدر السابق، مقدمة المحقق، ص11.

[4] المصدر السابق، ص12.

[5] المصدر السابق، بتصرف، ص13.

[6] التراتيب الإدارية، عبد الحي الكتاني، ط: دار السلام عام: 2012، ج1، ص71.

[7] التراتيب الإدارية، ج1، ص72.

[8] المصدر السابق، ج1 ص73.

[9] المصدر السابق ج1 ص73.

[10] المصدر السابق، ج1 ص74-75.

[11] المصدر السابق، ص75.

[12] المصدر السابق، ج1 ص76.

[13] المصدر السابق، ج1 ص75.