أحيا إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال مؤتمره الصحافي مع رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو بواشنطن في 15 فبراير تأييده حل الدولة الواحدة أو الدولتين وما يتفق عليه الصهاينة والفلسطينيون، طرح خيارات جديدة قديمة، كالكونفدرالية بين الضفة الغربية والأردن، ودولة فلسطينية في غزة وسيناء، ودولة ثنائية القومية للفلسطينيين واليهود.

لكن بنيامين نتنياهو اقترح في 26 فبراير خلال لقائه وزيرة الخارجية الأسترالية جولي بيشوب في العاصمة سيدني، للمرة الأولى علنياً، سيطرة قوات دولية على غزة، كأحد البدائل الأمنية للتعامل مع القطاع، من دون إيضاح كيفية تنفيذها.

يتزامن طرح الكيان الصهيوني إرسال قوات دولية إلى غزة في إطار حل الصراع مع الفلسطينيين مع حديث صهيوني عن دولة غزة وسيناء، وتركيز الكيان على أن الدولة الفلسطينية ستكون هناك، وليس في الضفة الغربية، وهو ما يثير الفضول في محاولة للتعرف على هذا المقترح، ومن هي الدول المرشحة لإرسال قواتها، في ظل سيطرة حماس العسكرية على غزة؟ أم أن المقصود القضاء على بنيتها العسكرية أولاً، ثم إرسال القوات الدولية؟ وهل ستكون على نموذج القوات في سيناء والجولان ولبنان؟ وما هي مواقف الفلسطينيين من ذلك؟

توالت الردود الفلسطينية على دعوة الكيان الصهيوني الخاصة بالقوات الدولية، واتفقت معظمها على أن إحضار قوات دولية لتسيطر على غزة، من ضروب الخيال، لأنه تدخل أجنبي غير قانوني سيقابل بالمقاومة، فيما رأى آخرون أن التهديدات التي يسربها الاحتلال الصهيوني بشأن القوات الدولية التي سيجري نشرها في غزة تأتي في إطار الحرب النفسية.

لكن الأكيد أن فكرة القوات الدولية في غزة مرفوضة تماماً من قبل الفلسطينيين، باعتبار أن هدفها تصفية القضية الفلسطينية، وهي تدخل سافر في شؤونها، لأن قطاع غزة محرر من الاحتلال الصهيوني، وهو في حاجة إلى إنهاء حصاره منذ عام 2006م، وأي قوات دولية سترسل إلى القطاع ستكون بمثابة قوات احتلال، لأنها تقدم خدمة مجانية للاحتلال الصهيوني، والشعب الفلسطيني لن يقبل بهذه الأفكار التي تخدم الكيان.

قد يعلم الكيان الصهيوني أن مبادرة القوات الدولية في غزة ليست قابلة للتطبيق الفوري، وربما أعلنها لجس نبض أطرافها من الفلسطينيين والدول المجاورة والمجتمع الدولي، مما يتطلب توافقها مع السلطة الفلسطينية وحماس، وإن لم يحصل التوافق، فقد يكتفي الكيان الصهيوني بتفاهماته حول نشر هذه القوات الدولية في غزة مع جهات إقليمية كمصر، بحيث توافق مصر على تواجد هذه القوات الدولية في غزة، لأنها ترتبط مع غزة بحدود طويلة.

ربما تتساوق فكرة القوات الدولية في غزة مع توجهات نتنياهو برفض الدولة الفلسطينية، ورغبته في تكريس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، ليجعل إقامة الدولة الفلسطينية غير ممكنة، وقد يتم فرض هذه القوات على الفلسطينيين، دون مشاورتهم، بمبادرة إقليمية، ليخفف الكيان الصهيوني مسؤولياته الأمنية على حدود غزة.

وبالعودة إلى الوراء، كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أبلغ في مايو 2010م المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط جورج ميتشل في لقائهما برام الله، موافقة السلطة الفلسطينية على وجود قوات حلف الناتو في الأراضي الفلسطينية، مما قد يعني أن هناك رغبة فلسطينية في وجود قوات أممية على هذه الأراضي ضمن حل سياسي.

يرى بعض الفلسطينيين أن وجود قوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني يجب أن يكون في كل الأراضي المحتلة عام 1967م، وليس في غزة فقط، وحينها لن تكون هناك خلافات بين القوى الفلسطينية، بغض النظر عن توجهاتها، أما نتنياهو فيريد من القوات الدولية توفير حماية للكيان الصهيوني من المقاومة.

قد يكمن الهدف الصهيوني من نشر القوات الدولية في قطاع غزة، في تخلص الكيان من المسؤولية عنه، وتقديم الخدمات للقطاع، وإمكانية إقامة ميناء ومطار فيه، مقابل ضمان حماية أمن الكيان الصهيوني، وتحويل غزة من قضية محلية إلى إقليمية ودولية، لاستنساخ تجارب دولية كجنوب السودان، برغم ما يطرحه من تساؤلات حول مستقبل وجود حماس كقوة مسلحة كبيرة في غزة.

حماس التي تبدو مستهدفة من فكرة القوات الدولية أكثر من سواها من الواضح أنها لن تقبل بطرح نتنياهو بنشر هذه القوات الدولية في غزة، لأنه يسمح بتمرير مخططات الكيان الصهيوني بفصل القطاع عن الأراضي الفلسطينية، واستفراد الاحتلال بالضفة والقدس، والقضاء على المقاومة في غزة، لنقترب من نموذج قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.

وقد يسمح الكيان الصهيوني ببقاء حماس كقوة مسلحة مع نشر القوات الدولية، مع تفاهمات معينة، برغم أن الكيان الصهيوني يفضل القوات متعددة الجنسيات التابعة للناتو، نظراً لعلاقات الكيان الوثيقة مع حلف الناتو الذي تتكون قواته من دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، أكثر من القوات التابعة للأمم المتحدة.

يتزامن الطرح الصهيوني بإحضار قوات دولية إلى غزة مع حال الانقسام في المشهد الفلسطيني، بما قد يمثل فرض السيطرة على الفلسطينيين، ويزيد التدخلات الخارجية في أوضاعهم، ويضعف الخيار الفلسطيني ويقوي الخيارات الأخرى، في ظل أحاديث الكيان الصهيوني عن زيادة علاقاته بالدول العربية، مثل مصر والأردن وبعض دول الخليج العربي، وتراجعها مع الفلسطينيين.

يتحدث الكيان الصهيوني عن القوات الدولية في غزة لاستكمال مخططه بترسيخ دولة منزوعة السيادة، وتعمل القوات لضمان أمن الكيان الصهيوني، وهذه المرة بوجود تفاهم مع مصر، بحيث تؤمن هذه القوات للكيان حدود سيناء.

وهناك من الفلسطينيين من يرجح صداماً مسلحاً بين المقاومة الفلسطينية وتلك القوات، ما سيدعم رؤية نتنياهو بأن المقاومة إرهاب يجب محاربته من قبل القوات الدولية، كما أن نشر هذه القوات الدولية قد يسبقه توجيه ضربة عسكرية قوية ضد حماس في غزة، تعيدها سنوات إلى الوراء، لتسهيل دخول قوات دولية، أما ببقاء حماس بترسانتها المسلحة فلن توافق دولة على إرسال جنودها إلى غزة.

أخيراً، يتخوف الفلسطينيون من أن تكون فكرة القوات الدولية جزءاً من خطة للكيان الصهيوني لإضفاء الشرعية على احتلاله، بالتوافق مع دول إقليمية، كي تساعد هذه القوات في تطبيق المخطط الصهيوني بفرض حل لإقامة كانتونات منفصلة عن بعضها، وتتمثل في قطع أوصال المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية. وبالتالي، فإن القوات الدولية، في ظل المعطيات الحالية، قد تأتي للوصاية على الفلسطينيين وفرض رؤية الكيان الصهيوني عليهم، وليس لحمايتهم، مما قد يدخل القضية الفلسطينية منعطفاً جديداً، يزيدها تعقيداً، ولا يعطيها حلاً.