من المؤسف حقاً، أن الكثير من المسلمين، لا يعلمون شيئاً عن مأساة هذا الشعب المسلم، ومن المؤسف أكثر أن هذه المأساة تقابل بسلبية وعدم اهتمام من قبل حكومات العالم الإسلامي، إنها مأساة ملايين المسلمين المنسيين في تركستان الشرقية، الذين غيبت عنهم الشمس منذ عقود طويلة، وصاروا تائهين وسط الطوفان البشري الصيني الهادر، ومهددين بالذوبان والتلاشي فيه.

المعلومات الطبيعية والبشرية:

سميت تركستان الشرقية بهذا الاسم لكونها تمثل الجزء الشرقي من تركستان الكبرى، والتي باتت تعرف في الوقت الراهن، باسم «آسيا الوسطى»، ويحد تركستان الشرقية من الشمال منغوليا وروسيا (سيبيريا)، ومن الجنوب التبت وكشمير (باكستان والهند)، ومن الشرق الصين، ومن الغرب الدول الإسلامية «المستقلة»[1] عن الاتحاد السوفيتي السابق بعد انهياره عام 1991م، وهي كازاخستان، وقرغيزيا، وطاجيكستان، ومن ورائها أوزبكستان وتركمانستان. وهذه المناطق جميعاً، بجانب تركستان الشرقية، هي التي كان المسلمون يطلقون عليها اسم «بلاد ما وراء النهر»، كما عرفت لديهم باسم تركستان (أرض الترك)، وهي موطنهم الأصلي، الذي انطلقوا منه في شكل موجات متتابعة بدءاً من القرن الرابع الهجري، لينتشروا في إيران وآسيا الصغرى والأناضول (تركيا حالياً) وأذربيجان وغيرها. وقد شكلوا بعد اعتناقهم للإسلام في القرن الخامس الهجري دولة الأتراك السلاجقة المجاهدة، والتي كانت سيفاً مصلتاً ضد الروم البيزنطيين، وضد الشيعة المارقين، والدولة الغزنوية، والتي كانت سيفاً مصلتاً ضد الهندوس، ثم شكلوا في القرن الثامن الهجري دولة آل عثمان، التي فتحت القسطنطينية وأسقطت الدولة البيزنطية، وفتحت البلقان وأوربا الشرقية، وسيطرت على أكثر من ثلث مساحة العالم القديم. ولكن وقوع هذه المنطقة بكاملها، تحت سيطرة الاستعمار الروسي، والاستعمار الصيني، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونزاعهم الطويل عليها، أدى إلى تقسيمها وتجزئتها بينهما، فأصبح جزؤها الشرقي الذي احتلته الصين يعرف باسم «تركستان الشرقية»، وجزؤها الغربي الذي احتلته روسيا يعرف باسم «تركستان الغربية».

وتشغل تركستان الشرقية وحدها مساحة شاسعة جداً تبلغ أكثر من مليون و850 ألف كم2، فهي بالتالي أكبر من مساحة إيران، وهي تمثل خُمس مساحة الصين الحالية تقريباً، وهي تعد في الوقت الحاضر أكبر أقاليم الصين، وأهمها لديها، خصوصاً من الناحية الاقتصادية، وتعرف رسمياً باسم سنكيانغ أو تشين جيانغ.

أما عدد سكانها المسلمين، فيتجاوز في الوقت الحاضر 20 مليون نسمة، بحسب التقديرات المعتدلة، غالبيتهم العظمى من أصول تركية وقازاقية وقرغيزية، في حين تروج إحصاءات السلطات الصينية المحتلة أنهم أقل من هذا العدد بكثير. ويعمل غالبية السكان في تركستان الشرقية، في الزراعة، ولديهم خبرة خاصة في زراعة القطن، كما تمتاز مناطقهم بصناعة السجاد والحرير، وغير ذلك.

وعاصمة تركستان الشرقية الحالية هي أورومتشي، أما عاصمتها التاريخية والثقافية فهي كاشغر، المدينة الشهيرة الواقعة في الجنوب قرب الحدود الصينية الغربية، وهي مدينة يعتنق معظم سكانها الإسلام، كسائر مدن تركستان الأخرى، إلا إنها الأشهر تاريخياً وثقافياً، وما زالت تحتشد فيها مئات المساجد التاريخية، التي تشرئب مآذنها في السماء، وهي مشهورة بمنسوجاتها الصوفية، ولعبت دوراً كبيراً ومتميزاً في تاريخ الحضارة الإسلامية.

وتزخر أراضي تركستان الشرقية في الوقت الحاضر، بالثروات المعدنية والطبيعية، إذ تحوي في باطنها أكثر من مائة وعشرين نوعاً من المعادن، ويوجد بها أكثر من خمسين منجماً من الذهب، وهناك النفط، والزنك، واليورانيوم، والحديد، والرصاص، كما أنها تمتلك من الفحم ما يعادل مئات الآلاف من الأطنان، كما أن هناك مخزناً طبيعياً للملح يكفي احتياجات العالم لمدة عشرة قرون مقبلة، بحسب إحصائيات أخيرة، هذا بالإضافة إلى الثروات الزراعية والحيوانية والرعوية، والمائية، حيث بلغت أنواع الحيوانات فيها 44 نوعاً، وبها العديد من الأنهار الكبيرة والصغيرة، وهي أرض حبيسة لا تطل على أي بحر، بل هي من أبعد الأماكن عن البحر.

انتشار الإسلام في تركستان:

فتحت بلاد تركستان، كما هو معروف، في زمن الخليفة الأموي، الوليد بن عبد الملك (86 - 96هـ)، وذلك بقيادة القائد الكبير والفاتح الشهير في الجناح الشرقي قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي تمكن في الفترة من (83 - 94هـ/ 702 - 712م) من فتح أهم أقاليم وحواضر تركستان، انطلاقاً من مرو عاصمة إقليم خراسان، ومن ثم نشر الإسلام بين أهلها، وتوج قتيبة انتصاراته الظافرة، بفتح مدينة كاشغر المهمة سنة 95هـ، وأوصل المد الإسلامي إلى تخوم الصين. وعن طريق السرايا والدعوة السلمية وحركة التجارة انتشر الإسلام في المناطق الداخلية. وقد أدى اعتناق الخاقان سوتوق بوغرا خان للإسلام سنة (322هـ/ 934م) إلى دفع مسيرة المد الإسلامي هناك دفعة هائلة، فلم يتوقف الأمر على دخول الأتراك في دين الله أفواجاً، وإنما تجاوزوا ذلك إلى حمل لواء الدعوة الإسلامية إلى الصين والتبت، وإلى مناطق متعددة في آسيا. كما عرف الناس اللغة العربية وصارت لغتهم، لأنها لغة القرآن الكريم، والسنة النبوية، ثم استخدموا حروفها فيما بعد في كتابة لغاتهم المحلية، كالأويغورية والقازاقية والقرغيزية، والتي تنتمي إلى اللغة التركية الأم. ويمكن القول إن الإسلام في تركستان الشرقية، كما في تركستان الغربية، قد أسس حضارة إسلامية راقية، تمثلت في بناء العديد من المساجد في العديد من المدن والقرى، منها 300 مسجد في مدينة كاشغر وحدها، وأدت هذه المساجد جميعها دوراً متميزاً في نشر المفاهيم الإسلامية بين الناس هناك، ونشر مختلف العلوم الإسلامية، ورقي الحياة العقلية. وبرغم تعدد القوميات الإسلامية هناك إلا إنها انصهرت جميعاً في بوتقة الإسلام، عقيدة وشريعة وأسلوب حياة، باعتبار أن الإسلام هو قومية جميع المسلمين إن جاز هذا التعبير. ولذا لم تمض فترة طويلة حتى تحولت تركستان الشرقية، بل تركستان كلها، إلى بلاد إسلامية الطابع، وإلى مركز رئيس لنشر الإسلام، في آسيا. وظهر فيها جهابذة العلماء والفقهاء، الذين تركوا للمكتبة الإسلامية ذخيرة غنية من المؤلفات العظيمة، وأصبحت مدينة كاشغر قبلة لطلبة العلم المسلمين، من مختلف أنحاء العالم الإسلامي حتى غدت تعرف باسم «بخارى الصغرى»، وظلت تؤدي هذا الدور لقرون. في الوقت الذي كانت فيه الصين منعزلة عن العالم من حولها، وخصوصاً بعد هزيمتها من قبل المسلمين في معركة طلس أو طرس، في مطلع العصر العباسي، وكانت حركة التجارة في بحارها الجنوبية تحت سيطرة التجار المسلمين، كما كان معظم التجار بها من العرب والفرس والأتراك. وقد ظل المجتمع الإسلامي، في مختلف مدن تركستان الشرقية محافظاً على كيانه وهويته الإسلامية جيلاً بعد جيل، برغم تقلب الأحوال السياسية وذهاب دول وقيام أخرى، كما تشير إلى ذلك رحلة ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري، على سبيل المثال[2].

وقد ظلت تركستان الشرقية موضع نزاع بين روسيا والصين حتى تم اقتسامها بينهما، بعد صراع مرير بين الجانبين دام 200 سنة، فحصلت روسيا على تركستان الغربية، التي بدأت في احتلالها بشكل تدريجي بدءاً من عام 1865م، وضم هذا القسم الجمهوريات الإسلامية الخمس المذكورة آنفاً، بينما حصلت الصين على تركستان الشرقية[3]، وهي موضوع حديثنا هنا.

الاحتلال الصيني ونتائجه:

احتلت الصين تركستان الشرقية للمرة الأولى عام 1760م، بالتعاون مع منشوريا، بعد معارك طاحنة بين المسلمين التركستانيين وطوفان الجيوش الصينية المنشورية التابعة لأسرة «منجو»، ونجم عن تلك الحرب استشهاد ومقتل مئات الآلاف من المسلمين، فضلاً عن الذين ذبحوا بأيدي القوات الصينية، لكن مع ذلك فإن المقاومة الإسلامية التركستانية للاحتلال الصيني لم تتوقف على مدى مائة عام، حتى نجح المسلمون في عام 1863م في طرد الغزاة المنشوريين والصينيين، ومن ثم تشكيل دولتهم المستقلة، لكن هذه الدولة لم تعمر طويلاً، فقد قامت الصين بإعادة احتلال تركستان بمساعدة بريطانيا عام 1876م، ثم لم تلبث حتى ضمتها إليها رسمياً عام 1881م، ثم قامت السلطات الصينية المحتلة بإعادة تقسيم هذه البلاد الإسلامية إلى عدة مناطق، وغيرت اسمها إلى تشين جيانغ، وتعني «الأرض الجديدة»، ومن ثم اعتبارها مقاطعة صينية، وذلك بموجب مرسوم إمبراطوري صدر بتاريخ 18 نوفمبر 1884م، كما قامت بتغيير أسماء العديد من المدن والقرى إلى أسماء صينية، مع محاولة طمس المعالم التاريخية الإسلامية والتركية، وإلغاء نظام البكوات الذي كان قائماً بها، وإغلاق المساجد والمدارس الإسلامية التقليدية. ثم دشن الشيوعيون عهدهم حين وصلوا إلى السلطة عام 1949م بزعامة ماوتسي تنج بارتكاب مذابح رهيبة ضد المسلمين في الإقليم، وفتحوا الباب على مصراعيه لهجرة الصينيين إليه، وقاموا بإلغاء الملكية الفردية، وصودرت كل ثروات المسلمين بما في ذلك حلي النساء، وأعلن الشيوعيون رسمياً أن الإسلام خارج على القانون، وحظروا على المسلمين السفر خارج البلاد، كما منعوا دخول أي أجنبي إليهم، وألغوا المؤسسات الدينية، واتخذوا المساجد أندية لجنودهم، وجعلوا اللغة الصينية اللغة الرسمية، واستبدلوا التاريخ الإسلامي بتعاليم «ماوتسي تونج»، وأرغموا المسلمات على الزواج من الصينيين. وكان ضمن شعارات الثورة الثقافية: «ألغوا تعاليم القرآن»، وتم فرض سياسة التصيين الثقافي والتعليمي على المسلمين.

ولم تختلف هذه السياسة بعد وفاة المجرم المنحط ماوتسي تونج عام 1976م، ومن ثم انفتاح الصين على العالم الخارجي، بل استمرت على المنوال نفسه، ثم إنه بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق راحت السلطات الصينية تشدد قبضتها الحديدية عليها، خوفاً من تطلع شعبها المسلم للاستقلال تأثراً بالمتغيرات الجديدة الجارية حولها، ثم اشتدت وطأتها عليها أكثر فأكثر بعد هجمات 11 سبتمبر 2001م، وانتشار ظاهرة العداء للإسلام، واقترانه باسم الإرهاب وبكل صفة بشعة تسوغ السحق والسحل والتنكيل والتغييب والاغتيال للفرد والجماعة.

ونتيجة لكل ذلك، ولاستمرار تدفق ملايين الصينيين للاستيطان في الإقليم بصورة منتظمة، وخصوصاً منذ مطلع عقد الخمسينات من القرن الماضي، ولاسيما بعد تزايد أهمية الإقليم الاقتصادية، بالنسبة للصين في العقود الأخيرة، ولتزايد هجرات المسلمين من الإقليم، فراراً من الاضطهاد الصيني المنظم، ولسياسة تحديد النسل المفروضة عليهم بشكل صارم، فقد بدأت سياسات التذويب الصينية لمسلمي تركستان الشرقية تؤتي أكلها، فالمسلمون في طريقهم لأن يصبحوا أقلية في بلادهم، وصار الكيان الإسلامي مهدداً تهديداً حقيقياً، بالذوبان في الكيان الصيني، ولنتذكر أننا نتحدث عن 20 مليون مسلم في مقابل مليار ونصف المليار من الصينيين، وهذا بعد أن كانت هذه البلاد بلاداً إسلامية خالصة بنسية 100% قبل أقل من مائة عام[4].

قضية إسلامية لا عرقية:

وأنا هنا لا أريد الإسهاب في الحديث حول هذه المأساة، وحول ممارسات السلطات الصينية الوحشية والهمجية ضد المسلمين، في تركستان الشرقية وأساليبها الخبيثة والمستمرة بشكل ممنهج لإذابتهم في البحر الصيني الهادر، فهناك من هم أكثر اطلاعاً مني على ذلك، وخصوصاً من أبناء تركستان الشرقية الغيارى؛ ولكني أود هنا أن أنبه إلى مسألة في غاية الخطورة، وهي أن منظمة حقوق الإنسان، التي تُصدر بين الحين والآخر تقارير حول مأساة هذا الشعب، وحول ممارسات السلطات الصينية القمعية واللاإنسانية ضده، والتي لا تتجاوز، في الواقع، حدود الإحصاء والحصر، وكذلك وسائل الإعلام الغربية التي تكتب أحياناً عن هذه المأساة؛ إنما تتعرض لهذه القضية على أنها قضية عرقية أو قومية، أي قضية شعب أويغوري يعاني من الظلم والبطش والاضطهاد الصيني، ويسعى لتقرير مصيره، أو لنيل المزيد من الحقوق والحريات.

وسبب هذا التوصيف معروف، فهذه المنظمات، والتي تدور أساساً في فلك الحكومات الغربية، وخصوصاً الأمريكية، لديها حساسية مفرطة من الإسلام، كيفما كان، وفي أي مكان كان. لكن العجيب أن الكتابات الإسلامية المحدودة المتعلقة بهذا الشأن تساير تلك المنظمات في توصيفها لهذه القضية، بوعي أو بدون وعي. نعم بعضهم يعترف بالهوية الإسلامية لهذا الشعب، ولكن عادة ما يتم تلبيسها باللباس العرقي للأويغور. وتعبيراً عن ذلك، فإن المعارضة السياسية التي تتحدث باسم شعب تركستان الشرقية في الخارج حالياً، يغلب عليها الطابع القومي، فهي محصورة في الأويغور، بحسب علمي واطلاعي المحدود، وهي تروج لهذا المصطلح وتستخدمه ككلمة مرور للوصول إلى المجتمعات الغربية للتعريف بقضيتها فيها. ولذلك ليس غريباً أن تتصدر المشهد الإعلامي امرأة أويغورية علمانية تدعى ربيعة قدير، كانت محتجزة لدى السلطات الصينية منذ العام 1999م حتى أطلقت سراحها مطلع عام 2005م لأسباب صحية، كما زعموا، وبعد ذلك استقرت في أمريكا إلى جوار زوجها المقيم هناك، ويتم تقديمها حالياً في وسائل الإعلام بوصفها «أهم رموز المعارضة الأويغورية»[5].

علماً أنه قبل سنوات استضافها الكونجرس الأمريكي لسماع شهادتها حول ما يجري في تركستان الشرقية من قبل السلطات الصينية الحاكمة؛ فهل هذا ما يحتاجه المسلمون في تركستان الشرقية؛ أن تتحول قضيتهم إلى أداة سياسية بيد الإدارة الأمريكية، لتضغط بها على السلطات الصينية عندما تتعارض مصالحها السياسية أو الاقتصادية معها؟! ولعلنا قد نستغرب إذا علمنا أن هذه النزعة العرقية هي أساساً من إفرازات الاحتلال الصيني المباشر للإقليم، ذلك أن الزعيم الصيني الشيوعي ماوتسي تونج عندما أعادت قواته اجتياح الإقليم عام 1949م منح الأويغور فيه حكماً ذاتياً محدوداً، فنتج عن ذلك بروز النزعة العرقية في الإقليم، وأما قبل ذلك فكانت النزعة إسلامية خالصة، وهذه تقريباً السياسة نفسها التي اتبعها الاتحاد السوفيتي السابق في تركستان الغربية والقوقاز، فقد قسمها إلى أقاليم على أساس عرقي حتى يستطيع السيطرة عليها والتحكم في إدارتها.

وهنا يقع بعض المعارضين والناشطين التركستانيين في التناقض، عندما يصفون تركستان الشرقية بأنها «فلسطين الشرق»؛ فقضية فلسطين، لم تكن، ولن تكون في أي يوم قضية قومية، وإنما هي قضية إسلامية تهم المسلمين جميعاً، وكذلك يجب أن تكون قضية تركستان الشرقية، وقضية كل أرض إسلامية تخضع للاحتلال الأجنبي.

وأنا شخصياً أرى أن الاحتلال الصيني لتركستان الشرقية أخطر من الاحتلال الصهيوني لفلسطين، نظراً للقوة البشرية الصينية الهائلة، والتي يمكن أن تذوب فيها شعوب آسيا الوسطى كلها، وليس فقط شعب تركستان الشرقية، بعكس القوة البشرية الصهيونية، فهي محدودة، وستزيد محدوديتها على المدى الطويل، لأن نسبة نمو السكان العرب في فلسطين أعلى بكثير من نسبة نمو السكان اليهود، وهذا إضافة إلى كون فلسطين محاطة بطوفان بشري من العرب.

وأنا هنا لا أنكر حقيقة أن الأويغور يشكلون الغالبية العظمى في تركستان الشرقية، كما إنني لا أشكك في نزاهة المعارضة الأويغورية في الخارج ونواياها، ولكن معالجة القضية وكأنها قضية عرقية أويغورية واعتبار الدين في المرتبة الثانية، أو التلويح به لأغراض سياسية، أو لخدمة الأهداف القومية؛ فيه تقزيم للقضية، من جهة، وتجاهل لحقيقة الصراع وطبيعته من جهة أخرى.

 

 


 


[1] وضعنا كلمة «المستقلة» بين قوسين، لأننا لا نعد هذه الدول مستقلة بالفعل، حيث لا تزال خاضعة للروس سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً، وبين أنظمة هذه الدول - التي يهيمن عليها أساساً أيتام الحزب الشيوعي البائد - وكل من الصين وروسيا اتفاقية لمكافحة الإرهاب، أي الإسلام، ولذلك فإن الحرب على الإسلام وأهله وكل ما يرمز له لا تزال على أشدها في هذه البلدان، بل إنها أشد مما كانت عليه في أيام العهد الشيوعي. كما أن تلك النظم، دشنت عهدها بإقامة علاقات دبلوماسية وسياسية واقتصادية مع الكيان الصهيوني، وفتحت أبوابها للصهاينة، وكذلك لآيات قم وطهران، ولذلك فقد صارت هذه البلدان مسرحاً للنشاطات الصهيونية والإيرانية الهدامة، وهي نشاطات تخدم السياسة الروسية فيها، ولا شك أن تلك السياسة تهدف لطمس الهوية الإسلامية لشعوبها.

[2] تحدث ابن بطوطة عن ذلك في إطار حديثه عن المسلمين في الصين، ولعل مرد ذلك رغبة ابن بطوطة في استثارة الانتباه لأخبار رحلته، لشهرة الصين عند المسلمين آنذاك، وشيوع اسمها في الأمثال العربية باعتبارها نموذجاً لبعد المسافة عن ديارهم، ولكن الحقيقة خلاف ذلك. «ونتبين مما كتبه ابن بطوطة أن المناطق التي وصفها هي تركستان الشرقية، وأن المسلمين الذين ذكرهم في وصف رحلته في بلاد الصين هم الأتراك، وهذا ما يدل عليه أسماء المدن والأنهار التي ذكرها، وما أورده من عبارات سمعها هي في الحقيقة باللغة التركية». انظر: الدكتورة ماجدة مخلوف، تركستان الشرقية في نسيج الحضارة الإسلامية (مقال)، مجلة المنار الجديد، العدد 23، يوليو 2003.

[3] نلفت الانتباه هنا إلى أنه برغم النزاع الطويل بين موسكو وبكين حول النفوذ على آسيا الوسطى وتعارض مصالحهما فيها إلا إنهما متفقتان دائماً على أمرٍ واحدٍ، وهو ألا تقوم للمسلمين قائمة في هذه المنطقة، ولذلك فإن أغلب ثورات المسلمين في تركستان الشرقية ضد الصين وأغلب الجمهوريات التي نجحوا في تشكيلها خلال مسيرتهم الجهادية الطويلة كانت السلطات الصينية تنجح في خنقها والقضاء عليها بمساعدة الروس، سواء في ظل الحكم القيصري أو الحكم الشيوعي. وقد تم تكريس هذه السياسة في الوقت الحاضر بتوقيع موسكو وبكين وأنظمة هذه الدول «المستقلة»  اتفاقية لمكافحة الإرهاب، أي الإسلام، المشار إليها في الهامش الأول.

[4] قد لوحظ في السنوات الأخيرة أن هناك نشاطاً متزايداً لآيات قم وطهران في أوساط المسلمين الصينيين المسحوقين من تركستانيين وغيرهم، وذلك من خلال البعثات الدراسية التي تقدمها حكومة إيران الخمينية للمئات من المسلمين هناك للدراسة في إيران، والتي تقترن بمختلف أنواع التسهيلات والحوافز، وهو أمر يثير الكثير من علامات التعجب والاستفهام، حول صمت السلطات الصينية - التي تحظر أي نشاط ديني في الإقليم، وتعزل المسلمين عزلاً تاماً عن محيطهم الإسلامي - عن هذا النشاط التبشيري الشيعي، في حين لو أن مسلماً تركستانياً تخرج من جامعات مكة أو المدينة أو الرياض وعاد إلى الصين أو تركستان الشرقية فإنه سيجد نفسه خلف الشمس. وإن هذا يدل على أن إيران الخمينية إنما تمارس أنشطة تخريبية هدامة في أوساط المسلمين، تخدم السياسة الصينية في طمس الهوية الإسلامية لشعب هذا الإقليم المحتل، وهذا هو ديدن آيات قم وطهران في دول تركستان الغربية، بل وفي كثير من دول القارة الإفريقية ذات الأغلبية المسلمة.

[5] راجع المقابلة التي أجرتها معها مجلة الوطن العربي، العدد 1693، الصادر في 12 أغسطس 2009م، ص30-33.