المراد بـ«النضال» الأمازيغي في هذا المقال: مجموع الأنشطة الفردية والجماعية التي ينظمها وينفذها أفراد وهيئات ما يسمى «الحركة الثقافية الأمازيغية» ذات الاتجاه القومي؛ وغيرها من الجمعيات والأفراد الذين يسعون ظاهراً إلى إنصاف الأمازيغ و«ثقافتهم» من «التهميش والتمييز العنصري» الذي يطالهم من «السياسة العروبية» للدولة كما يصفونها و«هيمنة» الثقافة العربية.

والمقصود بمشروعية المساعي القومية لـ«النضال» الأمازيغي كونه جائزاً دستورياً وشرعياً، مقبولاً أخلاقياً وشعبياً.

ونجاحه: تحقيق الهدف البعيد والنهائي الذي يهدف له «النضال» الأمازيغي؛ وهو كما تعلنه الأجنحة الراديكالية داخل الحركة وخارجها: «استعادة السيادة الأمازيغية على الأرض الأمازيغية للمغرب، متمثلة في دولة أمازيغية»[1]، أو «تحرير» «جمهورية تمازغا الكبرى» من «الاحتلال» العربي، وإقامة حكم أمازيغي خالص على أراضيها، والعودة بالمغرب إلى ثقافة ما قبل الفتح الإسلامي.

والعقبات: الأسباب الذاتية والموضوعية التي تعيق مساعي الحركة والجمعيات الأمازيغية، وتجعل الأهداف التي تسعى لتحقيقها محض أحلام «مثالية» تداعب أخيلة «مناضليها»، يمتنع على وجه الاستحالة تحقيقها على أرض الواقع، مهما حظيت بالدعم من هذه الجهة أو تلك.

وهي أسباب متنوعة؛ منها ما هو ذاتي؛ يرتبط بطبيعة وماهية «المشروع الثقافي الأمازيغي»، وأهدافه، والوسائل التي يتوسل بها «المناضلون» لتحقيقه، ومنها ما هو موضوعي؛ يتصل بطبيعة العلاقة بين العرب والأمازيغ دينياً ولغوياً وعرقياً.

ورصد هذه العوائق والعقبات، ولفت الانتباه إليها - إسهاماً في حفظ وحدة المغرب والمغاربة، ودرء خطر أي احتراب عرقي بين أهله - هو الذي يرمي إليه هذا المقال.

أولاً: العوائق الذاتية:

 البعد العنصري لـ«النضال»:

العنصرية انحراف أخلاقي ناشئ عن الأنانية العرقية الحاملة لصاحبها على تفضيل أهل عرقه أو تقديسهم، واحتقار باقي الأعراق أو تدنيسهم، وهي أنانية ناشئة إما عن:

اعتقاد خاطئ بالتفوق العرقي لأبناء جنسه، واتصافهم بسمو المواهب وراثياً، ورداءة الأجناس الأخرى.

أو الشعور بالنقص أمام عرقية أخرى؛ فيجد الضعيف في النزعة العنصرية حمى يحتمي به ويحقق ذاته في كنفه.

أو رد فعل خاطئ على عنصرية الطرف الآخر؛ كبواعث ظاهرة (الشعوبية).

أو اعتقاد ديني بالتفضيل الإلهي لعرقه على سائر الأجناس.

والنزعة العنصرية انحراف في التصور والممارسة تأباه الفطرة السليمة والدين الصحيح، وهي من أول الانحرافات التي عالجها الإسلام؛ حين لفت انتباه العنصريين القبليين العرب إلى وحدة الأصل البشري، وأن «النَّاس بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ»[2]، وأنه «لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ؛ إِلاَّ بِالتَّقْوَى»[3]، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين في بعض المواقف من العودة إلى العصبية القبلية الجاهلية، ووصفها بالنتانة؛ فقال: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»[4].

وقد كانت الاتجاهات العنصرية عبر التاريخ وما زالت اتجاهاتٍ دمويةً تنتهي إلى إشعال الحروب العرقية الطاحنة؛ لنزوعها إلى استعباد أو إبادة باقي الأجناس المخالفة.

وهذا ما يجعل العقلاء في المغرب، أمازيغ وعرباً، يتوجسون خيفة من الطابع العنصري للحركة الأمازيغية؛ التي تعزف على وتر المظلومية والتهميش الذي يطال الأمازيغ و«ثقافتهم»، وتنظر «إلى العرب المغاربة كمستعمرين ومحتلين استولوا على السلطة والثروة مع إقصاء للعنصر الأمازيغي»[5].

ولئن كان العزف على هذا الوتر قد يروج لدى بعض الأوساط الخارجية، فإنه مخادعة مكشوفة لدى كل متتبع حصيف؛ لم يلجأ التيار العلماني واليساري الكاره لهوية الشعب الدينية إلى إثارته والاستتارة به إلا بقصد الاسترزاق السياسي والأيدلوجي حين فشل مشروعه في مناهضة الهوية الدينية للمغاربة.

وغير خاف على أحد أن الاعتبارات العرقية واللغوية لا تأثير لها بالمرة في الاهتمامات والمبادرات التنموية للدولة ومسؤوليها؛ فلا أحد من أهل الشأن في هذا البلد في وارد أن يعتني بمناطق لأن ساكنتها من العرب، ويقصي أخرى من دائرة الاهتمام لكون أهلها من الأمازيغ.

أما وضع اللغات الأمازيغية فليس بأسوأ من وضع أختها اللغة العربية؛ فكلاهما ضحية لسيادة لغة الإفرنج «الأسياد» المستعمرين؛ الذين نبالغ في شتمهم في مناسبات عيد «الاستقلال»، ونصفهم في الإعلام وعلى المنابر بالمستعمر الغاشم، ونشيد بجهود الأجداد المقاومين الذين طردوا الاستعمار العسكري لفرنسا، بينما نجد من مسؤولينا من لا يألوا جهداً في تكريس الاستعمار الثقافي لفرنسا، والتمكين للغة الفرنسية، بفرضها لغة للتعليم في أكثر الشعب المعرفية جاذبية، وفي ممارسة «الإرهاب التواصلي» بفرض التخاطب الإداري بها في المؤسسات المالية والتعليمية والصحية..؛ حتى غدا التحدث بالفرنسية - للأسف - رمزاً للرقي وأداة للتباهي وإثبات الذات لدى أوساط غير يسيرة من الشعب.

نخبوية «النضال»:

الانخراط في المطالبة بما يسمى «الحقوق الثقافية للأمازيغ» يكاد يكون منحصراً في النخبة العلمانية المتعلمة من الأمازيغ، ولا نكاد نجد له صدى في الأوساط الشعبية للقبائل الأمازيغية؛ فالراصد لاهتمامات الناس في المناطق الأمازيغية لن يجد لمطالب النشطاء الأمازيغ أي حضور في اهتماماتهم، بل سيجد اهتمامهم منصرفاً - ككل الطبقات الشعبية في المغرب - إلى المشاغل المعيشية اليومية، ولا شأن لهم بـ«دسترة الأمازيغية»، ولا بإيلاء الاهتمام بـ«أحواش» و«أحيدوس» و... في الإعلام العمومي، بله المطالب العالية السقف؛ كالعودة إلى الاحتكام إلى «إزرفان» (القوانين العرفية الأمازيغية قبل الإسلام)، و«إعادة تمزيغ السلطة السياسية بالمغرب، أي تمزيغ الحكم والدولة»[6]، أو طرد «الغزو العربي»، وإقامة الحكم الأمازيغي على أرض تمازغا.

أقول هذا من موقع فرد أمازيغي نشأ بين الأمازيغ، ويعرف جيداً ما يشغلهم، ويدرك عن قرب موقع هذه المطالب من اهتماماتهم.

ولا يخفى أن نجاح أي مشروع رهين بالتبني الشعبي له، وأن الفشل هو نصيب كل المشاريع النخبوية البعيدة عن انشغالات الجمهور.

علمانية «المناضلين»:

معظم من يرفع لواء «النضال» من أجل الحقوق «الثقافية» للأمازيغ علمانيو التوجه، وبعضهم متطرف في علمانيته إلى حد المجاهرة تصريحاً أو تلميحاً بالخروج عن دائرة الإسلام، ومن نافلة القول التذكير بأن الفكر اليساري الماركسي هو المرجعية الفكرية لجل المناضلين الأمازيغ؛ حيث نجد «غالبية المؤسسين الأوائل للخطاب الأمازيغي يحملونه وينتمون إليه... ولا يزال حاضراً لدى الكثير من فصائل الحركة الأمازيغية»[7]، ولا يخفى أن بعضهم لا يهمه شأن «الحقوق الأمازيغية» في شيء، وإنما تبنى شعارات «النضال الأمازيغي» للاسترزاق الأيدلوجي وكفى.

وقد صار جلياً أن المشاريع العلمانية مرفوضة في المجتمعات المسلمة، ولا يمكن أن تحظي بالقبول بين المسلمين؛ مهما كان مستوى تدينهم، ولا تملك مقومات البقاء والاستمرار بينهم إلا إذا فرضت عليهم بالقوة؛ لهذا نرى العلمانيين يلجأون إلى التحالف مع المؤسسات التي تملك القوة في الداخل، والاستقواء بالقوى الكارهة لحضارة المسلمين وهويتهم في الخارج؛ لعلمهم بكساد بضاعتهم في سوق المسلمين، وما زالت التجارب الانتخابية - على ما يشوبها من خلل - تثبت للجميع المرة بعد المرة أن المجتمعات المسلمة لا يمكن بحال أن تضع ثقتها في من يكره هويتها، وتمنح أصواتها لمن يحارب دينها، مهما كانت الشعارات التي يرفعها.

وهذا درس - على شدة وضوحه - لم يستوعبه مناضلو الأمازيغية، ولم يدركوا أن تبنيهم للملة العلمانية، وإصرارهم على استفزاز مشاعر الشعب المسلم بتصريحاتهم المستخفة بهويته الدينية كفيل بأن يسقطهم ويودي بمصداقيتهم عند الشعب الأمازيغي المسلم الذي - مذ قرر الرضا بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً - لن يقبل المساس بدينه من أي أحد؛ وإن كان من أبناء جلدته المتكلمين بلسانه.

راديكالية الأهداف:

أهداف الحركة والجمعيات الثقافية الأمازيغية التي لا تعلنها على الأقل في أدبياتها الرسمية أهداف راديكالية متطرفة؛ تصل في راديكاليتها وتطرفها أحياناً إلى حد المطالبة بمواجهة وطرد «الغزو العربي» لشمال إفريقيا، وبناء مملكة تمازغا الكبرى، وإقامة حكم أمازيغي خالص على أرضها، وإرجاع الأمازيغ إلى ثقافة ما قبل الفتح الإسلامي، والاحتكام إلى أحكام القوانين العرفية القديمة للأمازيغ، وإعادة كتابة تاريخ المغرب بمنظور يُعَرّف الفاتحين الذين أدخلوا الإسلام إلى المغرب من الصحابة والتابعين؛ أمثال: محمد بن أوس الأنصاري، ويزيد بن خلف العبسي، وأبي المهاجر دينار مولى الأنصار، وموسى بن نصير، وعقبة بن نافع... على أنهم محاربون معتدون وغزاة محتلون، ويقدم المقاتلين من القادة الأمازيغ الذين واجهوا الفتح الإسلامي، وقتلوا أعداداً من الصحابة والتابعين في حروبهم ضد الفتح؛ مثل الكاهنة ديهيا اليهودية، وكسيلة بن لمزم النصراني على أنهم رموز وطنيون وأبطال مقاومون[8].

والتجربة أثبتت أن المشاريع المتطرفة في أهدافها ووسائلها لا قبول لها عند الشعوب، وأنها تحمل عوامل الفشل في ذاتها، ولم يثبت في التاريخ أن دعوة متطرفة أفلحت في فرض نفسها وإنجاح مشروعها.

ضعف القدرة الإقناعية لمبررات «النضال»:

العوامل التي يتغذى عليها «نضال» الجمعيات الأمازيغية، ويحاول مناضلوها أن يؤسسوا عليها عدالة «القضية الأمازيغية»، و«مشروعية» النضال من أجلها تكاد ترجع إلى الإيهام بأن حرمان مناطق العالم القروي من المشاريع التنموية هو تهميش متعمد للأمازيغ وحرمان لمناطقهم من فرص التنمية؛ ويسهل الإيهام بذلك لأن معظم الأمازيغ يقطنون المناطق الجبلية والقروية، والإيهام بأن النظرة الدونية التي تنظر بها بعض الشرائح الشعبية من المغاربة العرب إلى الأمازيغ ولغاتهم ناشئ عن تهميش الثقافة واللغات الأمازيغية في المناهج التعليمية والبرامج الإعلامية.

ومن المعلوم لدى الجميع أن الحرمان الذي تصطلي به بعض الطبقات المجتمعية وبعض المناطق في المغرب خاصة في العالم القروي ليس من حظ الأمازيغ وحدهم، بل للبدويين العرب من المغاربة كذلك حظهم الوافر من الفقر الذي يلازم سكان البوادي في الغالب، بل نجد بعض مناطق القبائل العربية أشد هشاشة وفقراً.

وبعض مظاهر العنصرية الملحوظة في تصرفات بعض الفئات الشعبية سلوك متبادل بين الطرفين، وليس تمييزاً عنصرياً من جهة واحدة.

وتبقى المطالب الثقافية للحركة الأمازيغية قليلة أو معدومة الجدوى في نظر عامة الشعب؛ وإلا فما الجدوى من ترسيم الأمازيغية وتدريسها؟ وماذا سيستفيد الأمازيغ من كتابة لوحات المؤسسات الرسمية بحروف تيفيناغ التي لا يعرفها إلا أفراد قليلون منهم؟ وما العائد من عرض الأهازيج الفلكلورية الأمازيغية كما العربية على الإعلام العمومي؟ هل في هذه المطالب ما يقنع عقلاء الأمازيغ بالتضحية والنضال من أجله؟

الارتباط بالكيان الصهيوني:

لم يعد ممكناً إنكار دعم الكيان الصهيوني المسمى «إسرائيل» للحركة الثقافية الأمازيغية بعد أن تكررت زيارات «مناضليها» له، وزيارات الصهاينة للنشطاء الأمازيغ؛ بدعوى التعاون الثقافي وتبادل «صلة الرحم» مع يهود الأمازيغ، وبعدما أبدى «مناضلو» الحركة تأييدهم للتطبيع مع الكيان الصهيوني حين واجهوا بقوة وإصرار مشروع قانون تجريم التطبيع الذي كان قد عرض للتصويت في البرلمان.

وسياسة الكيان الصهيوني في دعم الأقليات العرقية في العالم العربي بهدف تقسيم الأمة وإضعافها أمر معروف؛ مثل دعمه المعلن للحركات الانفصالية في دارفور وجنوب السودان، وللأكراد في سوريا والعراق... فدعهم للحركة الأمازيغية ليس بدعاً من سياساته.

والتعامل أو التحالف مع الكيان الصهيوني - عدو الأمة الأول - جريمة لا تغتفر في الوعي الجمعي للشعوب المسلمة، فالمتعامل معه يضع نفسه تلقائياً في موقف العداء مع المسلمين، ويعرض مشروعه للرفض الشعبي، والنفور المجتمعي.

ثانياً: العوائق الموضوعية:

التعدد اللغوي لدى الأمازيغ:

باعتراف بعض المثقفين «المناضلين» الأمازيغ لا يوجد اليوم - في واقع الحال - لغة أمازيغية بالشكل الذي يجعلها انعكاساً لمجموعة واعية بوحدتها في شكل شعب أو جنس أمازيغي، وهذه الوضعية يتفق حولها كل المتخصصين أن اللغة الأمازيغية المشتركة القديمة لا توجد إلا في أذهان علماء الألسنية، ولا ريب أنها تتميز عن لهجات الأمازيغ اليوم[9]، ففي المغرب مثلاً ليس للأمازيغ لغة واحدة توحدهم؛ يمكنهم التخاطب والتفاهم بها، بل لهم ثلاث لغات متباينة الخصائص؛ سواء على مستوى النطق ومخارج الحروف، أو على مستوى الدلالة المعجمية؛ وهي: «الريفية» التي يتكلم بها أمازيغ الشمال، و«الزيانية» التي يتكلم بها أمازيغ الأطلس، و«الشلحة» لغة أمازيغ جهتي سوس ومراكش وما إليهما.

وهي لغات مختلفة تماماً؛ لا يفهم أهل كل لغة منها كلام أهل اللغتين الأخريين، فكاتب هذه الحروف مثلاً أمازيغي من الناطقين بالشلحة السوسية، ولا أكاد أفقه شيئاً من كلام أهل الريف أو أهل الأطلس؛ فأين «اللغة الأمازيغية» التي ينادي النشطاء الأمازيغ بدسترتها وترسيمها وتدريسها؟

لمواجهة هذه المعضلة عمد سدنة الثقافة الأمازيغية - المنتفعون بها مادياً وأيدلوجياً - إلى عجن اللغات الثلاث لتوليد لغة هجينة منها لا يفهمها أحد؛ واعتبروها اللغة الفصحى، وتلك لهجات متفرعة عنها؛ هكذا تولد اللغة الأم من بناتها اللهجات، وتصنع في المختبرات على النحو المطلوب، في معاكسة تامة لما هو مقرر في قانون تطور اللغات من كون اللهجات هي التي تتفرع عن اللغة الأم، وأن اللغة تنشأ وتنمو طبيعياً، ولا تصنع في المختبرات والمعاهد ومراكز الأبحاث.

إن التعدد اللغوي للأمازيغ لا بد أن ينشأ عنه تعدد واختلاف الآراء والتوجهات داخل التيارات الأمازيغية، وليس بمقدور أحد أن يدعي أن النشطاء الأمازيغ في كل من «الريف» و«الأطلس» و«سوس» على قلب رجل واحد، ولهم أجندات موحدة؛ وإذا كان لكل تيار أجندته ولأهل كل جهة مطالبهم، فأي نجاح يرجى لمشروع ليس للمدافعين عنه شيء يوحدهم؟ بل تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، مهما حاول من يحاول منهم الإيهام بوحدة المواقف ووحدة الأهداف. 

كان الناس يظنون أن مناضلي الحركة الشعبية لتحرير السودان - ذات المنحى الانفصالي العنصري والمدعومة هي أيضاً من الكيان الصهيوني - على قلب رجل واحد، وأن ساكنة الجنوب ليس بينهم وبين الرفاهية والتقدم وانتعاش هويتها اللغوية والقومية إلا تحقيق هدف الحركة في الانفصال عن «الحكم العربي» في السودان، ولكن ما إن حدث الانفصال حتى ظهرت الخلافات المستورة بين «مناضلي» الأمس، الذين طالما أوهموا الشعب بوحدة أهدافهم وأجندتهم، لتشعل حرباً ضروساً أتت على الأخضر واليابس، وهوت بالدولة الوليدة إلى دركات الدول الأفقر والأكثر تخلفاً في العالم، فانكشف أن «المناضلين» العنصريين لم تكن تهمهم حقوق الشعب الاقتصادية، ولا هويته اللغوية؛ فإنهم ما إن انفصلوا حتى تحولوا إلى أمراء حرب؛ يقاتلون دون أمجادهم المادية الشخصية، وأعلنوا اللغة الإنجليزية - لا اللغة المحلية التي كانوا يتظاهرون بالدفاع عنها - لغة رسمية للبلاد.

 التلاحم العقدي بين المغاربة:

كان الأمازيغ قبل الفتح الإسلامي أوزاعاً شتى؛ قد مزقتهم الأهواء القبلية، والأثرة العصبية، يدينون بألوان متنافرة من الملل؛ من وثنية ويهودية ومجوسية ونصرانية... فجاء الفتح الإسلامي الذي لقي مقاومة مريرة من القادة الوثنيين الذين كانوا يستعبدون الشعب الأمازيغي، ويخافون على مصالحهم وسلطانهم من تحرير عقول وقلوب الشعب بالإسلام، ولكنهم انهزموا أمام إرادة الله الأزلية التي قضت بإخراج الشعب الأمازيغي من حيرة وظلمات الوثنية إلى هداية ونور الدين الحق[10].

فحل الإسلام بديار الأمازيغ فانصهروا مع العرب في بوتقته؛ فصاروا أمة واحدة متآخية تحت راية عقيدة التوحيد؛ فتلاحم الشعب العربي مع الشعب الأمازيغي، وصارا معاً كياناً واحداً يعرف عبر الزمان بالشعب المغربي؛ توحده العقيدة وإن اختلفت العادات والألسن، وصار عزل العربي عن أخيه الأمازيغي أمراً يشبه المستحيل بعد أن وحدهما الإسلام.

اعتزاز النخبة المتعلمة من الأمازيغ عبر التاريخ باللغة والثقافة العربية:

 لا مناص لمن رضي بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً من فهم خطاب الله ورسوله؛ لإدراك تكاليف الإسلام التي اختار التحلي باتباعها، واللغة العربية هي لغة الوحي الإلهي؛ بها أنزل الله القرآن، وهي لسان نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فلا سبيل لفهم خطاب الله ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بتعلم العربية، وهذه الحقيقة هي الحاملة لكل الشعوب الإسلامية عرباً وعجماً على الربط العضوي بين العربية والإسلام.

فلا جرم أن نرى المسلمين من غير العرب يقبلون على تعلم العربية والعناية بها في حماسة لا يوازيها سوى حماستهم لاعتناق الإسلام، حتى ظهر فيهم من علماء العربية من فاق العرب أنفسهم في العلم بها، بل نبغ في المسلمين غير العرب أئمة مجتهدون في العربية؛ كانوا وما زالوا حجة في علوم اللسان العربي يرجع إليهم طلاب العربية ويعتمدونهم؛ مثل سيبويه الفارسي، وابن منظور الإفريقي، وابن آجروم الأمازيغي.

وقد كان للأمازيغ باع كبير في الاهتبال بالعربية تعلماً وتعليماً؛ فبنوا لذلك المدارس وراعوا روادها من الطلاب إيواء وإطعاماً، فغدت قبلة لطلاب العلم من كل أنحاء المغرب عرباً وأمازيغ، فرأينا أعداداً غير يسيرة من العرب المغاربة يحجون إلى علماء الأمازيغ ليتعلموا منهم لغتهم، كما ألف علماء الأمازيغ الكتب والمتون التي تقنن قواعد العربية وتبسطها ما بين منظوم ومنثور، ولقد اشتهرت المتون العلمية التي وضعوها في قواعد العربية، وسار بذكرها الركبان، حتى غدت معتمد معلمي العربية في شرق الأرض وغربها؛ ومَنْ مِنْ معلمي العربية لا يعرف المقدمة الآجرومية في النحو العربي؛ لمؤلفها: أبي عبد الله محمد بن محمد بن داود بن آجروم[11] الصنهاجي الأمازيغي، وأرجوزة الزواوي، في نظم كتاب قواعد الإعراب لابن هشام؛ لناظمها: أبي جميل ريان بن فائد الزواوي، نسبة إلى قبيلة زواوة الأمازيغية الكائنة بمنطقة القبايل في الجزائر، وغيرهما كثير.

ومن طالع «المعسول»، و«سوس العالمة»، و«حول مائدة الغذاء»، و«خلال جزولة»، وغيرها من مؤلفات العلامة الأمازيغي محمد المختار السوسي، وقف على جانب كبير من جهود الأمازيع في خدمة اللغة العربية وآدابها، وولعهم بعلومها وفنونها، وليس لذلك من تفسير سوى ما تقدم من كون اللغة العربية لغة القرآن ولسان الدين الذي ارتضوه لهم ديناً.

فهل بإمكان أحد بعد هذا أن يحدث نفوراً بين الأمازيغ وهذه اللغة التي أحبتهم وأحبوها، وبذلوا ما بوسعهم في تعلمها وتعليمها ونشرها؟

العربية لغة العبادة:

 أضف إلى ما تقدم أن اللغة العربية هي لغة الشعائر التعبدية التي هي شعار كل مسلم وعنوان إسلامه، مهما كانت لغته؛ فبالعربية يعترف لله بالوحدانية ولمحمد بالنبوة والرسالة؛ حين يعلن إسلامه بقوله: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله»، وبها يقيم ويقرأ ويكبر ويسبح ويحمد ويستغفر ويسلم في صلاته، وبها يرفع الأذان، وبها يذكر الله ويدعوه ويصلي عليه صلى الله عليه وسلم، وبها يردد مناسك الحج القولية من تلبية وذكر ودعاء.

فعلاقة الأمازيغ - كما العرب - بالعربية علاقة دينية؛ لا صلة لها بالعصبية اللغوية، ولا بالاستلاب والتبعية الثقافية للعرب، فلو لم يوجد في المغرب سوى العنصر الأمازيغي المسلم، لكان حضور العربية في اهتمام الشعب ضرورة دينية، وستعد كل محاولة للفصل بينه وبينها محاربة لدينه.

وبهذا تعلم أن وضعية اللغة العربية في البلدان المسلمة لا تشبهها وضعية أي لغة أخرى في أي بلد آخر؛ مما يدلل على خطأ من يصر على قياس العربية في علاقتها بالشعب الأمازيغي على لغات أخرى في علاقتها بالناطقين بها من غير أهلها الأصليين؛ كالتمثيل بعلاقة اللغة الإسبانية بشعوب أمريكا اللاتينية، والقول بأن تلك الأوطان لم تنسلخ عن هويتها الأصلية، وإن اتخذت من الإسبانية لغتها الرسمية؛ فهذا قياس مع وجود الفارق؛ فاللغة الإسبانية ليس لها ارتباط بديانة تلك الشعوب مثل ارتباط العربية بالإسلام؛ فليست الإسبانية بلغة التوراة ولا الإنجيل، ولا هي بلغة الشعائر التعبدية لدى الناطقين بها من الشعوب.

 الاختلاط والتداخل العرقي بين العرب والأمازيغ:

مذ حلت العرب بهذه الديار بعد الفتح الإسلامي امتزج العنصران الأمازيغي والعربي، وساكن بعضهم بعضاً، وتصاهروا فيما بينهم، وتغيرت الهوية اللغوية لكثير منهم مع مرور الوقت؛ فتعرب من الأمازيغ أفراد لا يحصون، وقبائل بأكملها؛ مثل «دكالة» و«تامسنا» (الشاوية اليوم)، فأصبحوا يعدون من العرب بعد أن تنوسي أصلهم الأمازيغي، وتمزغت قبائل كاملة من العرب؛ مثل «حاحا»، وأسر وأفراد كثيرون؛ فنشأ عن تداخل القبيلين اختلاط عرقي بينهما حتى صار شبه متعذر على معظم المغاربة؛ خاصة سكان الحواضر منهم أن يدعي معرفة أصله العرقي على جهة اليقين؛ أعربي هو أم أمازيغي؟

ومثل هذا الاختلاط والتداخل العرقي يجعل أي «نضال» ذي نزعة عنصرية، يرفع مطالب ذات طبيعة عرقية غير ذي معنى؛ وإلا فمن من المغاربة هم العرب؟ ومن منهم الأمازيغ؟ حتى يقال: إن العرب من المغاربة «غزاة محتلون»، والأمازيغ منهم «مضطهدون مهمشون»، ولمن ينبغي أن تنسب «الثقافة الأمازيغية» التي أسست «الحركة الأمازيغية» لمناصرتها؟ ومَن هم مالكو الثقافة العربية التي يناهضها النشطاء الأمازيغ؟

وإذا تحققت لـ«مناضلي» الحركة الثقافية الأمازيغية المتطرفين آمالهم الراديكالية؛ فآن أوان تحرير «مملكة تمازغا» من «الغزو العربي» بطرد العرب من المغرب؛ فمن هو العربي حتى يطرد؟ ومن الأمازيغي حتى يستبقى في وطنه؟ ما الموقف من الأمازيغ ذوي الأصل العربي؟ هل يعتبرون بماضيهم العربي فيطردون؟ أم براهنهم الأمازيغي فيستبقون؟ وما الموقف من العرب ذوي الأصل الأمازيغي؟ هل ينظر إلى راهنهم العربي فيعدون أجانب محتلين؟ أم إلى أصلهم الأمازيغي فينعم عليهم بحق المواطنة في مملكة تمازغا المحررة؟

وبعد؛ فهذه حقائق وبدهيات عن أنثروبولوجيا الشعب المغربي، أردت بعرضها التذكير بما بين المغاربة من التداخل العرقي والوشائج الثقافية والوحدة العقدية.

وقد ينبري البعض للرد عليها والتظاهر باستنكار ما تضمنته من تقييم لـ«النضال» الأمازيغي، ومواقف ومطالب «الحركة الثقافية الأمازيغية»، والقول بأن كثيراً مما جاء منها في المقال ليس من مطالبها ولا هو من مواقفها، وهذا هين إذا عُلم أن الحركة والجمعيات الأمازيغية بأجنحتها وتياراتها المتعددة ليست على رأي واحد في مواقفها ومطالبها؛ فلا يوجد ناطق رسمي يمكنه أن يتحدث باسم هذه التيارات والاتجاهات كلها بوصفها كياناً موحد المواقف والمطالب والأهداف، وليست أهدافها كلها معلنة في أدبياتها الرسمية، إذ ليس من شأن الحركات الأيدلوجية أن تعلن عن كل أهدافها منذ المرحلة الأولى، بل يكون إعلان الأهداف وإخفاؤها تابعاً لقوة الحركة وضعفها؛ حيث ينخفض سقف المطالب ويتراجع في مراحل الضعف، ويرتفع ويتقدم في مراحل القوة؛ فقد كان سقف مطالب الحركة الأمازيغية في مرحلة من المراحل لا يتجاوز المطالبة «برد الاعتبار إلى الهوية الأمازيغية كلغة وكثقافة وكتاريخ وكاعتراف بالأمازيغيين وكعناية خاصة بالمناطق الأمازيغية... مع سكوتها عن المطالبة بدولة أمازيغية»[12]، أما الآن وقد أحست باشتداد عودها، وازدياد أنصارها فـ«ينبغي الانتقال... إلى المطالبة بالدولة الأمازيغية ذات الهوية الأمازيغية المستمدة من الأرض الأمازيغية للمغرب، والتي يسكنها شعب بهوية أمازيغية تبعاً لأرضه الأمازيغية»[13]، وهكذا يجوز لنا أن نتوقع أن ترفع الحركة من سقف مطالبها متى أحست بمزيد من القوة وامتداد النفوذ، وتكشف حين ذاك عما لا تجرؤ الآن عن الكشف عنه من الأهداف؛ مثل حمل السلاح لتحرير بلاد الأمازيغ مما يعتبرونه «الغزو والاحتلال العربي»، وقد اشتهر مؤخراً مقطع مرئي لناشط منهم يطالب بذلك.


 

 


[1] محمد بودهان، «في الهوية الأمازيغية للمغرب»، منشورات تويزا، ط2، 2013، ص30.

[2] أخرجه أبو داود في سننه، رقم (5116)، والترمذي في جامعه، رقم (3956)، وحسنه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، رقم (1009).

[3] رواه أحمد في مسنده، رقم (23536)، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم (5137)، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند: «إسناده صحيح»، وأورده الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، رقم (2700) وقال عن إسناده عند أحمد: «هذا إسناد صحيح؛ رجاله كلهم ثقات رجال مسلم».

[4] أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، رقم (4905)، ورقم (4905).

[5] محمد بودهان، «في الهوية الأمازيغية للمغرب»، ص50.

[6] محمد بودهان، «في الهوية الأمازيغية للمغرب»، ص31.

[7] نفسه، ص81.

[8] انظر كتاب الغزو العربي لشمال إفريقيا، لأحمد الزاهد، ط. مؤسسة توالت تمغناست، ص6.

[9] العربي عقون، «الأمازيغ عبر التاريخ: نظرة موجزة في الأصول والهوية»، ط. مطبعة Rabat Net Maroc، لحساب مؤسسة التنوخي للنشر والتوزيع، الرباط، ط1، 2010م، ص9.

[10] الإسلام هو الحق المجرد المطلق، وهو دين الله في الأرض وفي السماء (إن الدين عند الله الإسلام)، وليس ديناً لشعب معين؛ كما أراد الناشط الأمازيغي (محمد بودهان) أن يوهمنا بقوله «في الهوية الأمازيغية للمغرب»، ص140: «لم يكن للأمازيغيين دين خاص بهم، وهو ما جعلهم يتبنون ديانات الشعوب الأخرى»، حيث رام أن يغالط القارئ بأن الإسلام دين العرب، وقد تبناه الأمازيغ كما كانوا قد تبنوا أديان شعوب أخرى، وهي مغالطة مكشوفة؛ فقد كان العرب على الملة الوثنية وملل أخرى؛ فأنقذهم الله في معظمهم بدين الحق، كما أنقذ به شعوباً أخرى كالشعب الأمازيغي، ومن المعلوم أن العرب ليسوا جميعهم على دين الإسلام؛ فلا تلازم بين الانتماء للقومية العربية والانتماء للإسلام.

[11] «أجروم» بالأمازيغية، ويُنطق: أﮔـرّام؛ بإشمام الكاف المثلثة النقط، يعني الشريف أو الفقير؛ أي الصوفي الزاهد.

[12] محمد بودهان، «في الهوية الأمازيغية للمغرب»، ص31.

[13] المرجع السابق.